دراسات وتحليلات

نجيب ميقاتي.. تحديات المرحلة القلقة في لبنان

في ظل بروز تفاؤل حذر للغاية في الشارع اللبناني بنجيب ميقاتي، رئيس الوزراء اللبناني المكلف، تعيش لبنان  ظروفا اقتصادية قاسية نتيجة لتلاحق الأزمات المختلفة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما دفع الشارع اللبناني للتظاهر لتحسين الأوضاع المعيشية في أكتوبر من العام 2019، ولم يكن الحظ حليفا للاقتصاد اللبناني الذي يعاني من تبعات انتشار فيروس كورونا، وما ترتب عليه من توقف النشاط الاقتصادي، وتراجع السياحة الوافدة، وهو الأمر الذي مثّل ضغطا كبيرا على سعر صرف الليرة التي تعاني الانهيار وهو ما ولد ضغوطا تضخمية جمة أدى إلى اختفاء الكثير من السلع الاستراتيجية، وقد مثل انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/آب 2020  ضربة لشريان الحياة الاقتصادية ببيروت، وزاد من سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية بلبنان.

أدت جائحة كورونا إلى هدنة سياسية بين ممثلي وقادة التظاهرات والسلطة السياسية والتي لم تدم طويلا نتيجة لاستمرار سوء الأحوال الاقتصادية، وفي مطلع 2021 عادت الاحتجاجات اليومية للبنانيين للاحتجاج على سوء الأحوال الاقتصادية، وانهيار سعر الصرف والتضخم، وتآكل القدرة الشرائية وارتفاع معدات البطالة والفقر، وخسارة صغار ومتوسّطي المودعين في المصارف لودائعهم، وانهيار القطاع المصرفي وفرضه قيودًا على الودائع، وملاحقة حاكم المصرف المركزي بتهم تبييض أموال، ومع تراجع سعر الليرة اللبنانية تأثرت أسواق البضائع، كما عانى المواطنين من نقص توفير السلع؛ حيث تستورد لبنان ما يزيد عن 80% من احتياجاتها من الأسواق العالمية.

وبدأت أزمة الحكومة اللبنانية الحالية في يوليو/تموز 2021، ويجدر الإشارة هنا إلى أن سياسية النخبة السياسية في لبنان هي الضغط عن طريق استخدام الفراغ السياسي وهو ما حدث من قبل مع سعد الحريري في عام 2014 عندما أصّر حزب الله على انتخاب ميشيل عون لرئاسة الجمهورية، حينها قاطع نواب -محسوبين على كتل رافضة لميشيل عون -جلسات مجلس النواب، وظل لبنان دون رئيس جمهورية لمدة تزيد على عامين. وفي أعقاب رفض الحريري على تشكيل الحكومة ومن قبله حسان الدياب الذي استقال بعد انفجار مرفأ بيروت العام الماضي، وكان اعتذار الحريري بعد 9 أشهر من تكليفه بالحكومة حيث شهدت هذه الفترة سجالات بين الرئيس ميشال عون وفريقه السياسي من ناحية، والحريري وفريقه السياسي من ناحية أخرى حول صلاحية كل منهما في تشكيل الحكومة. وفي 17 يوليو/ تموز اعتذر سعد الحريري عن تشكيل الحكومة اللبنانية، وحمّل الرئيس ميشيل عون مسئولية عدم التعاون معه، وأشاره إلى أن “مشكلة لبنان هي ميشيل عون”.

سعد الحريري، رئيس الحكومة اللبناني السابق
سعد الحريري، رئيس الحكومة اللبناني السابق

نحاول في هذا التقرير التركيز على التحديات التي تواجه رئيس الوزراء اللبناني الجديد نجيب ميقاتي، والموقف الدولي والمحلي منه.

ميقاتي والخروج من الفراغ السياسي 

في 26 يوليو/تموز 2021 كلَّف رئيس الجمهورية مشيل عون رجل الأعمال والسياسي نجيب ميقاتي، بتشكيل حكومة جديدة عقب دعم واستشارات نيابية، حيث وافق البرلمان بـأغلبية 72 صوتا على تكليف ميقاتي لرئاسة وتشكيل الحكومة، مرة أخرى، بعد اعتذار كلا من سعد الحريري وقبله مصطفى أديب عن تشكيل الحكومة.

ولد ميقاتي في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1955، وقد أكمل الرجل دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم تابع دراسته العليا في فرنسا وجامعة هارفرد في الولايات المتحدة. وهو أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني حيث أسس شركته الخاصة التي بدأ بنائها في مجال الاتصالات في خضم الحرب الأهلية في لبنان من 1975 إلى 1990. وباع حصته في شركة الاتصالات الخاصة به لمجموعة إم تي إن للاتصالات في جنوب أفريقيا مقابل 5.5 مليار دولار عام 2006. وفي عام 2007 أسس مجموعة إم 1 التي لها تملك وتدير استثمارات متنوعة. ويعد ميقاتي أغنى رجل في لبنان، وواحد من أغنياء الشرق الأوسط، حيث تبلغ ثروته 2.7 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس. في عام 2019 اتهم المدعي العام اللبناني، ميقاتي، السياسي المسلم السني، الذي ينحدر من طرابلس (التي تعد واحدة من أفقر مدن شمال لبنان) بتهمة الإثراء غير المشروع – وهي تهمة ينفيها ميقاتي.

كما يعتبر ميقاتي أحد أعضاء مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، وفي المجلس الاستشاري لكلية هاريس في جامعة شيكاغو، بالإضافة إلى عضويته في المجلس الاستشاري للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات “انترناشونال كرايزس غروب”، ورئاسة منتدى استشراف الشرق الأوسط.

وعلى الصعيد السياسي تبوء ميقاتي العديد من المناصب السياسية، ففي الفترة من 1998 وحتى 2004 كان قد تولى حقيبة وزارة الأشغال العامة والنقل في ثلاث حكومات متعاقبة، كما انتخب عام 2000 نائبا عن مدينة طرابلس حتى عام 2005 ، ثم أعيد انتخابه عام 2009 نائبا عن دائرة طرابلس. وفي عام 2005 تسلم منصب رئيس الحكومة مؤقتا في أبريل/ نيسان بعد اغتيال رفيق الحريري وسحب القوات السورية من لبنان، واستمر في منصب رئيس الوزراء المؤقت ثلاثة أشهر حتى بدء العملية الانتخابية وتشكيل حكومة برئاسة تيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري، وفي يونيو، حزيران 2011 عين كرئيس للوزراء واستقال في مايو/آيار 2013 في خضم النزاعات الداخلية بين القوى السياسية المختلفة والأوضاع الإقليمية الملتهبة على أثر الوضع في سوريا والانتفاضات العربية آنذاك، وظل في هذا المنصب حتى فبراير/شباط 2014. وفور موافقة ميقاتي على تشكيل الحكومة صرَّح بأنه “لا يملك عصا سحرية”، وأنه يعوّل على تضافر الجهود للنجاح في مهمة اخماد الحريق المتمدد في لبنان.

 ردود الأفعال الداخلية على تولي ميقاتي

يأتي تولي ميقاتي الحكومة في ظل ظروف داخلية قاسية، ففي منتصف شهر يوليو/تموز قام العديد من المحتجين بالتظاهر احتجاجا على فشل الحريري في الوصول إلى حكومة توافقية، حيث أغلق محتجون من أنصار الحريري بعض الطرق في المناطق ذات الأغلبية السُنية ببيروت، وأشعلوا النار في صناديق القمامة وإطارات المركبات، وانتشرت قوات الجيش اللبناني لتفريق المتظاهرين، وقام المحتجون بالتعدي على قوات الجيش مما أسفر عن إصابة أحد الجنود.

هذا إلى جانب الضغوط الاقتصادية نتيجة الوضع الاقتصادي الداخلي واستمرار تهاوي الليرة أمام الدولار، من حينها تعيش لبنان أسوأ حالة ركود اقتصادي في التاريخ المعاصر حسب وصف البنك الدولي، حيث دفعت الأزمة المالية أكثر من نصف السكان إلى دائرة الفقر، وشهدت تراجع قيمة العُملة بأكثر من 90% خلال نحو عامين، كما تنامت المخاوف من اضطرابات اجتماعية.

صورة من احتجاجات الشارع اللبناني على الوضع الاقتصادي المتردي
صورة من احتجاجات الشارع اللبناني على الوضع الاقتصادي المتردي

كما اندلعت أزمة في منطقة خلدة على أثر خلفية جريمة ثأر، والتي أسفرت عن مقتل 5 أشخاص وإصابة آخرين. ونزول الجيش لحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، وأخير المشكلة اللبنانية الأزلية الخاصة بتشكيل الحكومة والمحصصة الطائفية “تمثيل الطوائف في الحكومة”، وتعد أزمة المحصصة هي الأزمة التاريخية في الحياة السياسية اللبنانية وكانت هذه الأزمة هي السبب في فشكل سعد الحريري في تشكيل الحكومة لمدة تسع أشهر، مما جعل ميقاتي يصرح خلال خطابة على أن “بكل صراحة المواطن اللبناني مل من كلام المحاصصة، وكأنها (الحقائب الوزارية) شقق مفروشة كل شخص يريد واحدة منها، البلد بحاجة لإنقاذ، فإما نتعالى كلنا فوق هذه المواضيع وإلا سنبقى كما نحن”، وإشارة أنه يريد البقاء على توزيع الطوائف والمذاهب في الحكومة السابقة معللا “تفاديا لأن نفتح وكر دبابير وتزيد الخلافات.. تفاديا لأية مشكلات جديدة، ولا أقول هذا بسبب مبدأ طائفي أو مذهبي”.

ووفقا لهذا الوضع وخطابات التي القاها رئيس الوزراء نجيب ميقاتي فأن الآراء انقسمت بين مؤيد ومعارض لرئيس الوزراء الجديد، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والجرائد العربية بتحليل الوضع السياسي الداخلي وامكانيات الحكومة الجديدة باجتياز الوضع الاقتصادي الصعب. فأكدت كتل المستقبل على تأييدها لحكومة ميقاتي وعدم وجود خلافات بينهم وأن الشروط التي أصرّ عليها سعد الحريري ستبقى كما هي، وحاز ميقاتي على تأييد كتلة المستقبل في البرلمان، أما بالنسبة لحزب الله فقد حاز أيضا ميقاتي على تأييد حزب الله. وبعد حصول ميقاتي على تأييد القوى السياسية بدأ أجراء الاتصالات مع مختلف القوى السياسية لتسمية أسماء الوزراء في تشكيلته الحكومية، شريطة أن يكونوا اختصاصيين وغير فاعلين حزبياً.

موقف الحكومة المصرية من الوضع اللبناني

قام سعد الحريري في يوليو/تموز 2021 بزيارة إلى مصر التقي خلالها برئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي بحضور وزير الخارجية ورئيس المخابرات المصريين، وبعد عودة الحريري من مصر قام بتسليم أسماء المقترحة لتشكيل لحكومة اللبنانية إلى الرئيس اللبناني ميشال عون، وهو ما دعا البعض إلى الحديث عن تدخل السلطة التنفيذية في مصر في اختيارات الحكومة اللبنانية، وفي اعقاب هذا اللقاء اكدت الرئاسة المصرية في بيان دعمها للمسار السياسي للحريري الذي يهدف إلى استعادة الاستقرار في لبنان، والتعامل مع التحديات الراهنة التي تواجها لبنان وجهوده في تشكيل الحكومة الجديدة، وشدد الرئيس السيسي خلال اللقاء على ضرورة تكاتف مساعي الجميع لتسوية أي خلافات في هذا السياق لإخراج لبنان من الحالة التي يعاني منها حالياً، بإعلاء مصلحة لبنان الوطنية.

وعقب اعتذار الحريري عن تشكيل الحكومة وتكلف نجيب ميقاتي، أكدت الرئاسة المصرية عن استمرار دعمها لحكومة ميقاتي، حيث تبنت مصر ترشيح ميقاتي بنفس الزخم الذي تبنت به حكومة الحريري، ويجدر الإشارة أن الحكومة المصرية تتبني التوجه الفرنسي لحل الأزمة اللبنانية منذ انفجار مرفأ بيروت في 4 من أغسطس/أب، ويأتي هذا التأييد مع محاولة ميقاتي كسب المزيد من التأييد العربي لجانب مصر وفرنسا حتى يدفع السعودية إلى دعمه، بجانب بعض الجهات العربية المهمة مثل: الأردن وقطر والإمارات.

الحريري خلال زيارته الأخيرة لمصر
الحريري خلال زيارته لمصر

وعلى صعيد أخر تحاول الحكومة المصرية إجراء الاتصالات بالعديد من القوى اللبنانية للدفع لتشكيل حكومة بأسرع وقت. كما شاركت مصر في المؤتمر الثالث لدعم لبنان، ورحبت العديد من القوى اللبنانية خلال المؤتمر عن الدور الذي تلعبه مصر في الأزمة اللبنانية منذ انفجار مرفأ بيروت.

خاتمة:

تعصف بلبنان منذ أكثر من عام أزمة اقتصادية حادة أنهكت الاقتصاد والشعب اللبناني، كما تواجه الحكومات المتعاقبة العديد من الإشكاليات أهمها فقدان التأييد الدولي والشعبي بعد ظهور شبهات الفساد، فعندما قام الحسان دياب ( رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبناني الذي قدم استقالته في 10 أغسطس 2020 بسبب الاحتجاجات على خلفية انفجار مرفأ بيروت) باعتذاره عن الاستمرار في تولي قيادة الحكومة أشار إلى أن “منظومة الفساد متجذرة في كل مفاصل الدولة”، وأنه اكتشف أن “منظومة الفساد أكبر من الدولة، وأن الدولة مكبلة بهذه المنظومة، ولا تستطيع مواجهتها أو التخلص منها”. وعلى الرغم من التفاؤل الدولي والمحلي مع تولي سعد الحريري الحكومة في أكتوبر 2020 إلا أن فشل الحريري في التوصل إلى اتفاق بشأن الحصص وتقسيم الحكومة بين القوى السياسية والطوائف المختلفة أصاب الكثيرين بالإحباط، وجعل البعض يرى ملامح انهيارات متتالية في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية عالمية صعبة وظروف اقتصادية لبنانية هي الأسواء في تاريخها الحديث، مع تفكك القوى السياسية المحلية وتطلعات الشعب بتغيرات حتمية يجعل مهمة حكومة ميقاتي هي الأًصعب. في حين يرى البعض الأخر أن ميقاتي منذ توليه الحكومة ويحاول كسب ثقة الطوائف والقوى الداخلية المختلفة ويحاول نشر التفاؤل والتفكير الإيجابي وهو ما يعطي بارقة أمل للمواطنين والقوى المختلفة.

ووفقا لذلك فأن مستقبل نجاح حكومة ميقاتي مرهون بعدد من القضايا الداخلية اللبنانية؛ والتي تأتي على رأسها الخلافات الطائفية والمذهبية، ومتابعة القضايا ذات الاهتمام الاجتماعي كقضايا الفساد والتنمية والتي تعيق التنمية والتقدم الاقتصادي؛ ويجدر بنا الإشارة إلى أنه بعد خطاب دياب أعلنت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أنها لن تقدم أي مساعدة للحكومة اللبنانية الجديدة حتى تقوم بإجراءات فعالة لمكافحة الفساد. هذا إلى جانب المعضلة الاقتصادية -أهم تحديات الحكومة الجديدة- والتي سيعتمد نجاحها بشكل كبير على الوصول لتفاهم مع الشركاء الدوليين والإقليميين، وحاول ميقاتي إيضاح الصورة الحالية والوضع المتدهور للبنانيين خلال خطاباته بتعبيره المكثف: ” أنا لا أملك عصا سحرية”.

أما عن سيناريوهات احتمال فشل حكومة ميقاتي؛ ففي ظل الظروف سابقة الإشارة هناك العديد من العوامل التي قد تؤدي لعدم استمرار حكومة ميقاتي، أبرزها النزعة الفردية للقوى السياسية المختلفة بالداخل اللبناني، وتشتت الرأي العام بين القوى المختلفة، وعدم اعلاء المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، واللعب بمعضلة الفراغ السياسي من جديد من أجل الضغط لتنفيذ مصالح فئوية، فلبنان تعاني كأغلب دول المنطقة من انتشار الفساد والمحسوبية والنزعة الفردية التي تعلو على المصالح الجماعية للمجتمع من قبل القوى السياسية المختلفة.

شروق الحريري

باحثة في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى