وجهات نظر

نحتوها تصويرا

محمد السيد الطناوي

اعتادت صديقة، مثلها مثل كثيرين، نشر صورها في الجيم على حساب الفيسبوك، وكتبت تعليقا ساخرا على أحدث صورة، مفاده أنها تذهب للصالة الرياضية للتصوير لا للتمرين، فذكرتني عبارتها بمانشيت لإحدى الصحف الإنجليزية غداة مقتل الأميرة ديانا، كتبت الجريدة: قتلوها تصويرا، وعلى غرارها فصديقتي صاحبة القوام الممشوق، مثلما خطر لي، نحتوها تصويرا.

العبارة، وإن بدت في مبالغتها ساخرة من قدرةٍ للتصوير، لكن لها دلالتها المتجاوزة حس السخرية، فكما تبلغ الصورة بالفرد حد “تملك الواقع” يمكن أن تمتلكه ليخضع لها، وبدافع من منطق مشابه رفض الأديب الفرنسي بلزاك التقاط أي صورة له طوال حياته، لاعتقاده أن الفرد “مركب من سلسلة طويلة من الصور الشبحية مرصوصة فوق بعضها على هيئة طبقات لا نهائية، تضمها أفلام بالغة الدقة، وفي كل مرة يواجه المرء الكاميرا فإنها تقبض على واحدة من هذه الطبقات وتفصلها عن الأخريات لتستعملها”.

التقاط الصورة في حد ذاته يوازي الحدث الأصلي، إن لم يفُقْه في الأهمية، ليست مجرد نسخة لأصل، اللقطة المنعكسة عن الفرد، التي يبصرها الجميع على مواقع التواصل تنتحله، ليتوارى وراء صورة مستنسخة ومنقحة (بوساطة الإيديت مثلا).

تصبح صورته أكثر واقعية منه، وهو ما يتماشى وطبيعة الأمور في عصرنا الذي “يفضل الصورة على الشيء والنسخة على الأصل والتمثيل على الواقع والمظهر على الوجود”، ففي مجتمعنا، مجتمع الفرجة، “تتحول كل حياة إنسانية إلى مظهر”، والصورة المستنسخة المنقحة إلى واقع، يحاول الواقعي الذي استنتسخت عنه، التشبه بها.

في هذا المعنى تروي الأسطورة الشعبية أن الحقيقة والكذب التقيا ذات يوم، فبادر الكذب الحقيقة بقوله: يا له من صباح جميل!.. وافقته الحقيقة بهز رأسها بعدما تطلعت إلى الفضاء الرائق حولهما، تمشَّيا معا حتى وصلا إلى النهر، فأسرع الكذب ليلمس المياه بيده.

الماء دافئ، لما لا نسبح؟.. قال الكذب.. تقدمت الحقيقة إلى النهر في حذر ولمست مياهه بأناملها فوجدتها مثلما أخبرها الكذب، خلع الاثنان ثيابهما ونزلا إلى النهر، لم يمض وقت طويل حتى خرج الكذب، فلبس ملابس الحقيقة وانصرف مسرعا، أما الحقيقة فلم تستطع ارتداء ملابس الكذب، فمشت بين الناس لينفر منها الجميع لدى رؤيتها عارية، ومنذ ذاك اليوم فضّل الناس الكذب المرتدي لباس الحقيقة على الحقيقة العارية.

أتذكر صديقا فيسبوكيا عرفته لسنوات طويلة من خلال صفحته على موقع التواصل، التي تصور شابا معتدل القامة رياضي البنية، بينما منشوراته تطبعها روح خفيفة الظل، ساخرة من كل شيء، من نفسه، من المجتمع، من أصدقائه، وعندما التقينا استنكرته بعدما وجدته ممتلئا، أقرب إلى السمنة، يتعامل برسمية بالغة، محافظ في طبعه، رومانسي في تفكيره، في تناقض صارخ مع صورته المرسومة على “فيسبوك”.

استنكرتُ الأصل لأنه لا يشبه الصورة، فهي بعيدة تماما عن أن تكون “أيقونة”، أي نسخة مطابقة للأصل، بتعبير أفلاطون، إنها “سيمولاكر” مثلما يعرفه ميشيل فوكو بأنه “تمثيل شيء ما، من حيث إن هذا الشيء يفوض أمره لآخر”، حيث تنتحل الصورة الأصل أو يفوضها الأصل لتمثيله، وقد تكون مخادعة إلى حد بعيد، بحسب فوكو، ليجري تقييم الأصل بعدها على أساس السيمولاكر، أي إنه يُمسي أكثر واقعية من الواقع، أو بتعبير ريجيس دوبري: “يُنحت ثم يُصبغ ليغدو أصلا”!.

في الماضي كانت الصورة تُلتقط لتخلد ذكرى، أما اليوم فهي تُلتقط لكي يراها الآخر، لكي تمثل الواحد منا أمام الناس، كذلك الصورة المكتوبة على صفحات مواقع التواصل، فلا وجود للمرء اليوم من غير الصورة، أضحت هي وجوده، ودونها لم تكن صديقتي لتمتلك ذلك الجسد الممشوق، وربما لم أكن لألحظ صديقي صاحب الحس الساخر.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى