وجهات نظر

نزار قبَّاني و”ديستوبيا” المُدن: بيروت كَتَبَت اسمي على جدران الوطن العربي!

أنس الأسعد

 

متى لم يَكتبْ نزار قبّاني عن بيروت؟ بهذا السُّؤال العُمومي الذي يقارب البَدهيات، والمعلومات الشَّائعة على ألسنة النَّاس، يُمكنُ أن نُلخِّصَ العلاقة التي ربطَت الشَّاعر السُّوري الشَّهير بالعَاصِمة اللُّبنانيّة بيروت. وسؤال العارف هذا الذي لا ينتظر إجابةً من جهة، بقدرِ ما يُسْلِمُ ذاتَه مُطمَئنًّا بالفعل لما هو شائع، وَيَتَّخذُ منه إطارًا عريضًا لملامح تلك العلاقة. فمن قال: إنَّ الشَّائعَ خاطئٌ بالضَّرورة؟ أوَليسَ نزار من أهمّ مُمَثِّلي الشِّعر بوصفه ثقافةً جمهوريَّةً؟ والحشدُ في سبيله هو أوَّلُ خطوات التَّلقي ومن ثَمَّ القراءة… وفي هذه الأدوات ما فيها من آثارِ العامّ والشَّائع.

تُشبِهُ حياةُ نزار قبّاني، في خطوطِها العريضة، شِعرَه وحداثَتَه، لا هي بالمُلغِزة، ولا بالغامِضة المُتَمسِّحة بغنُوصيّةٍ كئيبةٍ، إنَّما هي حياة الوضوح الصَّريح في اللَّفظ كما المعنى. الوضوح في كلِّ شيء، سواء في لحظةِ مواجهتِه الشُّجَاعَة لثقافةٍ ونمطٍ سائدين، إذ لا يُمكنُ بَخسُ شيءٍ من تلك الشَّجاعة في مكانها، ويا حبّذا لو أنَّ بعضًا من نُقَّادِه حازوا مِقدارًا منها، خاصّة أولئكَ الذين يلوذون بكهوف “التَّجريب” خِشيةَ أن تَلمعَ أيُّ بارقةٍ في أعينِهم التي تألفُ العَتمة. أو في لحظةٍ مُقابِلةٍ طَفَحت فيها هَناتُه الشِّعريّة بوضوح، واتَّكأت روحُه على الرَّكاكة والسَّطحيَّة، وسوَّدتْ أو سوَّقتْ ذاتَها من قناتِهما.

أمّا نزار الدبلوماسي، فقد تشعّبَت علاقاتُه مع المُدُن عربيّةً كانت أم كونيّة، وظلَّت سيرتُه نموذجَ العربيّ الحالم بما وراء الحدود، إلَّا أنَّ استحضارَ تلك السِّيرة في راهنِ الشَّتات الآن، مؤلِمٌ ومبدَّدةٌ قيمتُه. لأن الحربَ والشَّتاتَ ضَغطَا الأمكنَة، وشوَّهَا سحرَها، الذي اعتمَدَهُ الشَّاعر خاتَمًا رومانسيًّا، وهو يجوبُ البلاد على مَحمَلٍ من أفكار النِّصف الثاني من القرن العشرين، التَّقدميَّة اللّاهبة.

الوضوح والكونية

بين هذين المَلْمَحين، إذًا، الوضوح والكَونيّة، تنسرِبُ بيروت المدينة الحُلم من بين سُلامَات الشَّاعر، كيفَ لا؟ وقد رأى فيها ما يُمكنُ أن تُقدِّمَه مدنٌ كبرى لشعرائها، حتى يَروُوها فَنًّا، ويطرِّزوها جَمالاً، مثل: باريس ولندن، أو حتى القاهرة وبغداد بمرحلة من مراحلهم.

تَدرَّجتْ علاقةُ نزار بمدينتِه، ولمَّا كانَ يُنْظَرُ إلى عَقدَي السَّبعينات والثَّمانينات على أنّهما الأكثر احتدامًا في تاريخ المدينة الحديث. بوصفهما المسرح الذي اشتعلت فيه الحرب الأهلية 1975، التي تشظَّتْ في روح ودمِ الشَّاعر من خلال ديوانه إلى بيروت الأنثى مع حُبّي، المتردّد صدى قصائده المُغنّاة مِرارًا وتكرارًا، عند كلِّ محطَّةٍ داميةٍ تهزُّ لبنان. أو عمله النّثري يوميات مدينة كانَ اسمُها بيروت، وصولاً إلى رثائِه زوجَتَه، التي سقطتْ إثرَ تفجيرِ السَّفارة العراقيَّة 1981، ونقصدُ بالطَّبع قصيدتَه الأشهر بلقيس.

لكنَّ هذا الزَّخم، يُحيلُنا إلى أنْ نُفتِّشَ عمّا وراءه، فلا يُعقَلُ الوصول إلى هذه اللّحظة من ذُروة الشِّعر، من غير أن نلتمِسَ عَتباتٍ واطئة في الزّمان، شكّلت مَرقى للشاعر نحوَ ذلك الشَّائع والبَدهي الذي تحدَّثنا عنه في بداية الفقرة الأولى. وهنا نعودُ إلى سيرتِه الذَّاتية، التي صدرت بعد عامين من وفاتِه بعنوان من أوراقي المجهولة (منشورات نزار قبّاني) لا لأنّها تُرجِعُنا صوبَ عقد الستينات فحسب، بل لأنّها تضعُ اليدَ على تَفصيلٍ هو أكثر ما يُدمينا ويَعنينا اليوم.. إنّه مرفأ بيروت. تلك النُدبة في جسد الجغرافيا المكلومة، لمدينةٍ نُثِرَتْ تَفاصيلُها في قصائده ودواوينه شتّى، أو كما يُسمّيه الشَّاعر بلغته “مرفأ الأحلام”.

يَنقُل لنا نزار الحالةَ الأولى لوصولِه إلى لبنان، قادِمًا من برشلونة في إبريل/ نيسان  1966 على ظهر سفينة إسبانيّة. وكيفَ أحسَّ “والسفينة ترسو في مرفا الأحلام، أنّ قصائده تغفو في بيتِ أمِّها وأبيها”. قد يَصعُب علينا نحن أبناء هذا الجيل، ولو أنّ الواقعة ليست بعيدة زمنيًّا، حتى تثيرَ فينا شكوكًا نوستالجيّة، أنْ نُصدِّقَ واقعية الزّمان والمكان اللذين يتوخَّاهما الشَّاعرُ في وصفه.

تفاصيل التواريخ الشَّخصية المُفجِعة

ولِنحاوِلَ أن نترَسَّمَ طريقةً لِفَهم مُجريات الأمور، علينا أن نتذكَّرَ النُّقوداتْ التي كانت تطالُ لغةَ نزار، وإيغاله في الرَّهافة، لدرجةٍ مُفرطة. مع ذلك يجبُ في المُقابل أنْ نعيَ تفاصيلَ التواريخ الشَّخصية المُفجِعة التي أَلمَّتْ بحياتِه، وحَكَمتْ بالقتل والاغتيال والنّفي عليه وعلى شِعرِه، وحتّى مُحيطه القريب. بالتالي فإنّ نَفَسَ التفاؤل، بوصفه ثقافة جمهوريّة، هو الذي ثبَّتَ الشّاعر في معركتِه مع الحياة، قبل أن نكتفيَ بالحُكم من بَعيد، كالقولِ إنّه مَحضُ رَمْنَسَةٍ مُتعالية عن واقع وذكريات أكثر سوداويَّة.

يُتابِعُ نزار، مُجريات الأحداث بُعيدَ وصولِه إلى مرفأ الأحلام، بحديث سيبدو للمُشتَّتين في الأرض، ضربًا من الأحلام بمعناها السَّاخر. يتحدّثُ عن مُشكلةٍ واجهتهُ في إدخال أثاثه المنزلي الذي حَمَلهُ معه من إسبانيا، وأنَّه اختار الإقامة في لبنان، وليس لديهِ بيتٌ، ولا عنوان، ولا بطاقة إقامة دائمة. عندها سيستقبلُه مدير الجمارك، وهو رجلٌ مثقَّفٌ (سيصير عملةً نادرةً بين بيروقراطيي اليوم الرّاهن) تعرّف على الشَّاعر من أوّلِ وَهلة، وراحَ يُسائِلُه عن شعرِهِ أوّلاً، ثمّ عن صحَّتِه وأحواله ثانيًا. قبل أنْ يتشجّعَ نزار ويطرحَ عليه مُشكلةَ الأثاث، والتَّخليص الجمركي.

فما كان من مُديرِ الجمارك إلَّا أنِ ابتسمَ ابتسامةً كبيرةً وقال: “عن أيِّ مُشكلةٍ تتحدَّث؟ هل يَحتاجُ نزار قبّاني إلى تصريحٍ لدخول بيتِه؟ إنَّ لُبنانَ هوَ بيتُك.. كما هو بيتُ الشِّعر.. فنحنُ في لبنان عُشّاقٌ لشعرِك ولبنان لا يتقاضى رسومًا جُمركيّةً على الشِّعر! فأهلاً وسَهلاً بكَ في وطن الشِّعر.. وطن الحُبِّ” بعدها استدعى معاونَه، وملأ بيان الإعفاء الجمركي، ووقّعَه.

يتابع نزار حديثَه “ثمّ خرجْتُ من مكتب المدير وأنا أتعثَّرُ بدموعي، وكلماتُه تطنُّ في أُذني: نحنُ في لبنان لا نأخُذ رسومًا جُمركيّة على الشّعر، أهلاً بكَ في وَطن الشّعر… في وَطن الحُبِّ”.

لهذا الحادِثِ وقعُهُ المؤثِّر والمَرير، عندما نعيدُ قراءَتَه، إنّه لا يَسقطُ بالتَّقادم، ولا يُمكنُ الاستهزاء به، ولو أنَّه يُخيَّلُ إلينا هروبُهُ من سيناريو فيلم مليءٍ برومانسيّةٍ مبذولةٍ بلا عناء. لكنْ علينا الاعتراف، أن لا ذنبَ لصاحبِ تلك الكلمات في ذاتِه، إنْ كانَ هناك واقعٌ  سياسيٌّ بائسٌ، حوّلَ أبناء وطنِه السُّوري، إلى مَحضِ مشرّدين يبحثونَ عن وطنٍ بديل، ولا يحملون في أيديهم سوى حقيبة مليئة بأوراقٍ ثُبوتيَّة لا قيمة لها في ميزان الشِّعر. ولا تنقلُهم في عُرضِ البحر إلّا قوارب مُمَزَّقة “لا شرعية”، أمّا المرافئ فلا تَسَلْهم عنها، وهم الذينَ لم يرَوا منها شيئًا، إلَّا الكوابيس لا الأحلام. وفي حال قرّروا العودة، ستستوقفُهم جماركُ بلادِهم، وتبتزُّ دخولَهم بمئةِ دولار!

نعودُ إلى نزار، ونُطالعُ أوراقَه المجهولة وهو يحدّثُنا كيفَ استقرَّ بعد ذلك في بيروت، التي ستشهدُ زواجَه من العراقيّة بلقيس الراوي عام 1969، وكيفَ راحَ يتفرّغُ أكثرَ فأكثرَ للشعر، الشِّعر وحده “كنتُ أتمشّى  صباحًا على كورنيش البَحر فيملأُني الإحساس بأنّني قصيدةٌ تمشي على قَدميها… لقد أعطتني بيروت خلال عِشرينَ عامًا كُلَّ الموادِّ الأوَّليّة التي يَحتاجُ إليها الشَّاعرُ ليَكتُبَ اسمَهُ على جدران الوطن العربي بالحُروف الكبيرة”.

أخيرًا، صُوِّرَ الشَّاعرُ العربيُّ قديمًا بمنزلَةٍ تقتربُ من النَّبي، الذي يستبْصرُ علاقةً ما لقومه أو وطنه أو مدينتِه، مع المُستقبَل، من زاويةِ الرُّؤى والنبوءات. بيد أنَّ علاقةً كالتي جَمَعت نزار قبّاني ببيروت، التحمَت فيها ذاتُه بالمكان في تحوّلاته الدّامية الكبرى، خاصّة مع الحرب الأهليّة، كانَ يُمكنُ أن تُزعزعَ إيمانَهُ بالرُّؤى الرّومانسية. لكنَّنا نراهُ مُصِرًّا عليها مؤمِنًا بجدوى التَّفاؤُل بوصفهِ ثقافةً جمهوريّة شأنُه شأن الشِّعر، وإنْ كان أهلُ ذلك المُستقبل، أي نحن اليوم، لن يخرجوا منه لـ”يتعثّروا بالدُّموع”، إنَّما لِتَتَمزَّقَ في أجسادِهم كلُّ كوابيس المرافئ، وديستوبيا المُدن المُدَمَّرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى