ثقافة وفن

نسخر من “لؤلؤ” فيحصد أعلى مشاهدة.. النمطية تربح على الدوام

يُتابع الجمهور المصري حاليا، وربما العربي، مسلسل “لؤلؤ”، قصة وبطولة مي عمر، ويشاركها في البطولة أحمد زاهر، ونرمين الفقي، وإدوارد، ونجلاء بدر، سيناريو وحوار الممثل محمد مهران، وهي التجربة الأولى له في التأليف، كما أنها التجربة الإخراجية الأولى لمحمد عبد السلام.

يحظى العمل بنسبة مشاهدة عالية، فما حققه من نجاح جعل صُناعه يفكرون في تقديم جزء ثانٍ له وفقًا لما صرحت به مي عمر عبر حسابها الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك).

وعلى الرغم من ذلك، فإن المسلسل من الناحية الفنية لم يكن الأفضل، سواء على مستوى التأليف والإخراج أو على مستوى الأداء التمثيلى، ما يجعلنا نقول إن ما حققه نجاح عاطفي من جمهور عاطفي، وهذا الجمهور، الذي أسهم في نجاح المسلسل، هو نفسه من يصنع “الميمز” سخرية من مشاهده، أو من الأداء التمثيلي لبعض الممثلين.

مي عمر في مسلسل “لؤلؤ”

البناء الدرامي

سيل من الظروف الصعبة تدفقت خلال الحلقات الثلاث الأولى من المسلسل، الذي يحكي عن نجاح المطربة “لؤلؤ”، التي عانت وهي صغيرة من والدها الذي لم يكن يعمل، فقط كان يسوق رجالا إلى بيته ويجعل زوجته تلاطفهم ليحصل على المال من وراء هذا.

في إحدى المرات، وخلال موقف ساذج للغاية تتورط زوجته في موت أحد هؤلاء الزوار، فتُتهم بقتله ويُحكم عليها بالسجن 25 سنة، رغم أنه كان يمكن للطب الشرعي إثبات أنه مات ميتة طبيعية، وليس هناك شبهة قتل عمد، ولكن كيف تكبر المعاناة، ويزداد التعاطف إذا لم تُسجن الأم؟!

ما زاد الأمر بؤسًا عندما سلمت الجدة الابنة “لؤلؤ” لتُربى في ملجأ أيتام، وبالطبع من اللقطة الأولى يظهر داخل الملجأ أن القائمين على رعاية الأطفال هناك عديمو القلب، يسيئون معاملتهم، وقُدمت هذه المعلومة بطريقة ساذجة، فكل المعلومات التي يود المؤلف إخبار المشاهد بها تورد في غير إطارها الدرامي، وهذا كل ما يحدث خلال سير أحداث المسلسل.

فمثلًا يظهر طارق نصار (أحمد زاهر) في أحد المشاهد محتدًا على زوجته، يتهمها، ويُهينها، وعندما يتضح له خلال نصف دقيقة أنه أساء الفهم، يعتذر ويبرر موقفه بسبب الضيق الذي يمر به هذه الأيام، وهي الجملة التي لم يكن مهمًا أبدًا ذكرها مباشرة هكذا، بل إن المشهد كله لم يكن مهمًا صنعه، لأن هذا المشهد كان يسبقه آخر نتعرف من خلاله عما يحدث وبسببه يُثار غضب “طارق”.

في مشهد آخر يشبه سابقه، نرى نهال (نجلاء بدر) تُعطي معلومات خاطئة لابنتها “منة” بخصوص والدها الذي لم تره قط، وفي المشهد التالي يأتي والد نهال إليها دون أي سبب منطقي، وخلال زيارته تعرف “منة” أن أمها تكذب عليها ثانية، وتنهار، وحتى نصل لهذه النتيجة قدم صُناع المسلسل هذا المشهد الساذج.

أما عن قصة صعود النجمة “لؤلؤ” (مي عمر) كالصاروخ دون أن نرى لديها أي إمكانات فنية مختلفة تؤهلها لهذا النجاح الساحق، فلم يكتفِ مؤلف المسلسل بإبراز هذا النجاح عبر أعداد الجماهير العريضة التي تحضر حفلات “لؤلؤ”، والثراء الشديد من وراء هذا النجاح فحسب، وإنما أيضًا كان لا بد من سحب السجادة الحمراء من أسفل أقدام كاميليا (نرمين الفقي)، أهم نجمة في مصر قبل ظهور “لؤلؤ”، فيتحول جمهور “كاميليا” فجأة ليصبح جمهور “لؤلؤ”.

في حين أن اللون الغنائي الذي تقدمه “كاميليا” مختلف تمامًا عما تقدمه “لؤلؤ”، فكان يمكن أن تنجح “لؤلؤ”، ويصبح لها قاعدة جماهيرية كبيرة مثل الكثيرين، لكن لمَ يتحول جمهور “كاميليا” بأكمله ليصبح جمهور “لؤلؤ” فقط؟!

يتضح عدم الإتقان الدرامي في مشهد الحفلة، التي كانت تجمع “لؤلؤ” و”كاميليا” للمرة الثانية، فعندما انتهت “لؤلؤ” من الغناء، انسحب الجمهور كله من الحفلة، ولم ينتظر سماع نجمة مصر، حتى ولو من باب الشغف برؤية فنانة مشهورة.

ومن خلال الحوارات والمشاهد التي تُقدم على مدار حلقات يتأكد أمران: المعاناة التي تعرضت لها “لؤلؤ” في حياتها، والثاني ما تتمتع به “لؤلؤ” من قوة، وما حققته بفضل قوتها تلك من نجاح باهر، وهما بالفعل أهم نقطتين استلبتا تعاطف جمهور المسلسل.

هيدي كرم في كواليس مسلسل “لؤلؤ”

بناء الشخصيات

ليست هناك شخصية واحدة داخل المسلسل لها أبعاد نفسية واضحة، فمثلًا شخصية “داليا” (هيدي كرم)، تظهر في بعض المشاهد كزوجة متسلطة نكدية، ترغب في السيطرة على مال زوجها، وإنها بما تفعله هي السبب في خيانة زوجها لها.

وفي مشاهد أخرى، تظهر كأنها الزوجة المظلومة التي يغرق زوجها في نزواته، ومع ذلك تحاول التغيير من نفسها لأجله، فيقدم المؤلف وجهتي نظر حول الشخصية لكن ليس من طرفين مختلفين كالمعتاد، وإنما من طرف واحد، هو الشخصية ذاتها.

كذلك بناء شخصية “لؤلؤ” بتصرفاتها وكلماتها الحادة طوال الوقت تجاه الجميع، فهي الشخصية التي ضربت زوجة على رأسها بالحذاء لمجرد أنها تدافع عن حياتها الزوجية، وهي نفسها التي تقول كلمات تؤذي مشاعر الآخرين حتى لو كان منهم صديقتها “مروة”.

كذلك تصرفاتها الحادة إزاء منافستها “كاميليا” رغم أنها كانت مطربتها المفضلة، ورغم أن “كاميليا” لم تفعل لها شيئا في البداية سوى كونها منافسة لها، فلمَ كل هذا العداء! بالعكس كان يمكن أن تكسب ودها بدلًا من الحرب التي أشعلتها دون داعٍ، في المقابل غير مسموح لأي شخص بمضايقتها ولو حتى كرد فعل على سلوكها وأقوالها.

كل هذا من المفترض لا يجعل منها شخصية يتعاطف معها الجمهور أو حتى يصفها بالقوة، فجُملها الحوارية التي ترددها لتبدو شخصية قوية، لا تسهم إلا في خلق شخصية سطحية وهمية، وليست إنسانة من لحم ودم نلمس معاناتها.

وبالقياس نفسه نجد شخصية “نجلاء” سكرتيرة “طارق نصار” وعشيقته السابقة، وزوج “كاميليا”، جميعهم تركيب شخصيات لديها مشكلات عديدة، أهمها أن كل شخصية تفتقر لإبراز المكون الرئيسي لها، ولا نقصد بذلك خلق شخصيات أحادية، وإنما لا بد من ترجيح بعض الصفات على أخرى، حتى نتمكن من تكوين صورة واضحة لكل منها.

نرمين الفقي في مسلسل “لؤلؤ”

الأداء التمثيلي

من خلال الحلقات يتضح أن مي عمر لا تستطيع استخدام تقاسيم وجهها إلا بالكاد، وللابتسام فقط، وليس من الممكن أن يرتسم على وجهها “ريأكشن” أو تصدر منها نظرة دون افتعال.

وفي المجمل يحمل الأداء العام ردود فعل غير مبررة، وأصواتا عالية طوال الوقت، حتى لحظات الحب فهي ميلودرامية للغاية.

وكان الأداء الأفضل في العمل من نصيب أحمد زاهر، بما لديه من خبرة طويلة نسبيا مقارنة بغالبية رفاق العمل، حتى لو كان الورق ضعيفا، وممثلوه ليسوا الأفضل.

أما عن الإخراج فلم يُضف أي شيء للسيناريو المهتز سوى كادرات قريبة دون لزوم، مثل التي أُخذت لـ”كاميليا” وزوجها، أو لقطات واسعة دون داعٍ أيضًا ربما كانت مجرد لقطات لاستعراض الثراء الفاحش الذي يعيش فيه “طارق نصار”، وكذلك لإبراز التحول المادى في حياة “لؤلؤ”.

لكن كثرة التركيز على هذه المشاهد يجعل المتلقي يمل، فلدى المسلسل صورة مملة ذات كادرات مكررة تسير على النهج نفسه، الذي سارت عليه مسلسلات محمد سامي، التي قدمها في البداية “مع سبق الإصرار”، و”حكاية حياة”.

أحمد زاهر ومي عمر في مسلسل “لؤلؤ”

نجاح مضمون

رغم كل ما ذكرناه عن المستوى الفني للمسلسل لكنه يحقق نجاحًا كبيرًا، ونسبة مشاهدة عالية، بل إن المشاهدين الذين يصنعون “الميمز” حول مشاهد المسلسل هم أنفسهم مَن يتابعون المسلسل حلقة بحلقة، وذلك لأن المسلسل يقدم قصة نجاح، قصة صعود رغم الظروف الصعبة التي تعرضت لها البطلة “لؤلؤ”، فبعد حياتها المليئة بخيبات الأمل منذ الصغر، تضحك لها الحياة مرة أخرى وتعطيها أكثر مما تتوقع.

محمد رمضان في مسلسل “ابن حلال”

الورقة الرابحة

تلعب العواطف دورًا مهمًا في نجاح الأعمال الفنية، فالأعمال القائمة على قصص نجاح ليست هي فقط ما تنال تعاطف الجمهور، وإنما هناك أكثر من “تيمة” قد تنال نصيبا من الميل، وأهمها الشعور بأن هذا البطل ينتمي إلينا، وحكايته تشبه حكايتنا مثل الأعمال التي يقدمها محمد رمضان “الأسطورة”، “ابن حلال”، و”البرنس”، وغيرها من المسلسلات التي قدمها بالفكرة نفسها، فالجمهور يهتم بأن بطلهم يشبههم شكلا، فجزء كبير من نجاح محمد رمضان يرجع لملامحه المحايدة التي تشبه كثيرا من أبناء الطبقة التي يقدم عنها أعماله.

دائمًا ما يكون تعاطف الجمهور سببًا قويًا في نجاح عمل فني أو ممثل جماهيريًا، سواء كان مستواه الفني جيدا أو أقل من الجيد.. أن تمس تفاصيل العمل الجمهور وتصف حياتهم أهم كثيرًا من أي اعتبارات أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى