نظام عالمي جديد.. أكثر اضطرابًا وأقل تعاونًا

"تقدير استراتيجي"

مقدمة:

قام النظام الدولي الحالي على العديد من الحقائق الكبرى التي تكونت بعد الحرب العالمية الأولى، ودعمتها نتائج الحرب العالمية الثانية. كان من بين أوضح وأبرز تلك الحقائق، أن الرقم الأصعب في هذه المنظومة هو الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب كثيرة، بعضها يتعلق بحسن استغلال الفرص في الحربين، والتمتع بفهم عميق للنظام الدولي والدور الأمريكي فيه، وبعضها يعود لسوء الموقف الاستراتيجي لخصومها وحلفائها على السواء، مما أهّلها لبناء نظام عالمي ذي طابع أمريكي شبه خالص، وبتكلفة تُعتبر هي الأقل في تاريخ الإمبراطوريات التي سادت هذا العالم.

الآن ومع أزمة كورونا الطاحنة، وبغض النظر عن طول أمدها؛ فإن ثمة اضطرابًا شَقَّ للنظام الدولي طريقًا إلى غير رجعة. جزء كبير من هذا الاضطراب يعود إلى حقيقة أن أحد كبار المتضررين من جائحة كورونا هي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وكثير من حلفائها. وكون الولايات المتحدة أكبر متضرر من الجائحة يعطي زاوية أعمق لها بسبب خصوصية النظام الدولي الحالي الذي تتسيد الولايات المتحدة معظم مؤشراته الحيوية، من اقتصاد، وتكنولوجيا، وتقدم علمي وعسكري. لقد تعددت الأضرار التي صاحبت كورونا وضربت معظم القطاعات الحيوية في كثير من الدول الكبرى، وتَعَطّل الاقتصاد الدولي للمرة الأولى منذ “الكساد الكبير” في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي وعلى نحو أكثر حدة من ذي قبل. لكن أزمة كورونا لم تكن “بجعة سوداء” كما يتخيلها البعض، فهي على الرغم من عدم التوقع بكنهها وتوقيتاتها وحجم تأثيراتها؛ إلا أن الانتشارات الفيروسية وبشكل عام ليست أمورًا مفاجِئة وخارج التوقعات، لا سيما مع بدايات اندلاعها بسبب تقدم مؤشرات الإبلاغ، وتقدم المرافق المدنية والعسكرية في هذا الإطار، وهو ما تشير إليه خطة قدمتها القيادة الشمالية للجيش الأمريكي في عام 2017 للاستجابة لما أسمته بالاحتمال “العالي والحقيقي” لكارثة بيولوجية قد تتضرر منها الولايات المتحدة قريبًا، ودعت إلى رفع كفاءة المرافق الصحية من كمامات جراحية وأجهزة تنفس وغيرها من مرافق العناية المركزة.

جون سويني

لذا، فإن الإطار الأنسب لفهم جائحة كورونا هو ما أطلق عليه علماء المستقبليات وإدارة الأزمات “القنديل الأسود Black Jellyfish”. فبحسب تعريف “جون سويني” الذي أورده “ضياء الدين سردار” في كتابه “التوقع بالأزمان ما بعد العادية” للظواهر المصنفة تحت إطار “القناديل السوداء”؛ فإنها تكون ظواهر محتملة غير معروفة المعالم “Unknown Knowns” (على غير ظواهر البجع الأسود Unknown Unknowns غير المحتملة ومجهولة المعالم)، حيث لا تُعرف تفاصيل وقوع هذه الظواهر ومدى تأثيرها، ومن ثم تضطرب -عادةً- طرق وخطط الاستجابة له، على الرغم من إدراجها في بعض خطط الطوارئ المؤسسية أو القومية التي لا تقوم فقط سوى بتحديد الأطر العامة للتعامل معها. وبشكل عام، تعرف الأزمان ما بعد العادية Post-Normal Times، حسب تعريف عالم المستقبليات وإدارة الأزمات “جون سويني”؛ بأنها تتميز بمزيج من التعقيد والفوضى والتناقض.

يُحيط كثير من القناديل السوداء بالمنظومة الدولية، ويستهدف معظمها النقاط الرخوة في بنية النظام الدولي، لا سيما الاقتصاد والأمن، ويندرج معظمها تحت ما بات يُعرف في عالم تحليل النظم بـ”الحساسية للأحوال الأساسية Sensitivity To Initial Conditions”، وهو ما سيتم شرحه والتفصيل فيه في هذا المتن. لكنه بغية الوصول إلى تحديد ماهية هذا الخلل، يجب توصيف هذه المنظومة التي أصابها هذا الاضطراب.

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه

 كيف تسيّدت الولايات المتحدة النظام الدولي؟

بعد الدمار الذي حل بأوروبا جراء الغزو النازي، والمشاركة الأمريكية المحورية في عمليات تحرير أوروبا وحروب الهادئ ضد الإمبراطورية اليابانية؛ فقد استطاعت الولايات المتحدة الاستفادة من الحالة المزرية للقارة العجوز (يُجادل كثيرون بأن سياسات واشنطن كان لها نصيب كبير في دفع أوروبا للوصول لهذه الحالة)، وكذلك الانقضاض على الوجود الياباني بالمحيط الهادئ حتى دمرته وغيرت من التوجهات الاستراتيجية لنخبة طوكيو (حتى هذه اللحظة).

عندما انتهت الحرب، كانت الولايات المتحدة قد حققت رواجًا اقتصاديًّا كبيرًا جراء مشروع الانتصار الذي مكّنها من الفوز بالحرب العالمية، مما مكّنها من فرض سطوتها على الجغرافيا العالمية بطريقتين:

1- الأداة الاقتصادية: خطة مارشال لتنشيط الأسواق الأوروبية (أصبحت فيما بعد أكبر مستهلك للبضائع الأمريكية) والآسيوية، لا سيما اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين والهند وبعض دول الشرق الأوسط.

2- الأداة العسكرية: في سبيل المواجهة الحاسمة مع روسيا الستالينية ومنظمتها الشيوعية الدولية؛ ربطت الولايات المتحدة أمن أوروبا بأمنها القومي، واستمرت كثير من القواعد الأمريكية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، وأصبح القوام الرئيسي للقيادة الأوروبية للجيش الأمريكي USEUCOM، كما أصبحت القواعد الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين هي القوام الأساسي للقيادة الأمريكية في الباسيفيك USPACCOM ومراسي قيادة الأسطول السابع في المحيط الهادئ، وهي التي تشكل خط الحصار الأمريكي الأول للصين في الوقت الحالي.

فعن طريق الاقتصاد والأمن، سيطرت الولايات المتحدة على الجغرافيا والديموغرافيا والطبوغرافيا الأوروبية بأكملها، وحلت محل إمبراطوريات القرون الوسطى الأوروبية التي كسحتها جميعًا وقذفت بها من ركام جغرافيا ما بعد الحرب إلى غياهب التاريخ.


بهذه الطريقة استطاعت الولايات المتحدة السيطرة والتأثير حتى في سلوكيات خصمها الأكبر (الاتحاد السوفيتي) الذي فَقَدَ الوجهة مع بداية عصر “ليونيد بريجنيف” الذي تلقّى الاتحاد في عهده هزائم متكررة، وضربت الولايات المتحدة كثيرًا من تحالفاته في الشرق الأوسط وشرق أوروبا والهند الصينية. من بين تلك التأثيرات التي تثبت تفوق الولايات المتحدة وصياغتها لسلوكيات عدوها ما عرف بعد ذلك باستراتيجيات الوفاق التي دُشنت في أحلك فترات الحرب الباردة مع نهاية الستينيات، وهي التي أدت لاحتواء الاتحاد السوفيتي بشكل رسمي داخل العملية السياسية، لا سيما مع اتفاقيات هلسنكي، وتطور إطار هلسنكي بعد ذلك ليشمل أطرًا واتفاقيات أخرى طوال السبعينيات والثمانينيات، وهو ما بدا جليًّا في الموقف السوفيتي من الأزمة السياسية في بولندا وعدم التدخل فيها لحسم المعركة لصالح حكومة وارسو الشيوعية مقارنة بما فعلت من قبل في براج 1968.

لقد لعبت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي لعبة جديدة غير مألوفة على النظم والهياكل السياسية الدولية من قبل: إنها لعبة الاستدامة والحوكمة المؤسسية في مقابل النزعة الفردية، حيث تبدّل الكثير من الرؤساء السوفيت وتغيرت خطط الاتحاد ومجلس السوفيت الأعلى مرات ومرات، لكن صلب الخطة الأمريكية لم يتغير، واستفادت كثيرًا من كل هذا الذي مر في صياغة عالم جل مفرداته ومعطياته وأحلامه وطموحاته وأفكاره ومنطلقاته أمريكية، مما أدى إلى سقوط الاتحاد السوفيتي بين عشية وضحاها بدون أن تتكلف الولايات المتحدة رصاصة جندي واحد.

 الحلم الأمريكي.. صعود قوي وخفوت سريع

لقد حاربت الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتي بتركيبة تجمع بين النفوذ والحلم. فالنفوذ الأمريكي هو الذي يعبر عنه هيكل القوة الشاملة للدولة، أما الحلم الأمريكي الذي داعبت به الولايات المتحدة مخيلة العالم فهو مجموعة الأفكار والتصورات التي تسعى لنشرها من أجل تبوؤ المكانة الدولية. ويعتبر الحلم الأمريكي حالة قديمة منذ الحرب العالمية الأولى ظهرت بشكل أو بآخر على الساحة الدولية في شكل مبادئ “ويلسون” الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس الأمريكي “ويلسون” مع إسدال الستار على الحرب العالمية الأولى، وتتضمن رؤية أمريكية لعالم ما بعد الحرب. وطوال فترة ما بين الحربين والحرب الباردة كان الحلم الأمريكي يلمع فترة ويخبو فترات بسبب الدعاية الشيوعية وخطاب مناهضة الاستعمار.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأت الولايات المتحدة مرحلة تصدير حلمها لعالم القطب الأوحد الذي أضحت على سدته مع بداية عقد التسعينيات وسقوط الاتحاد السوفيتي، حيث دشنت الولايات المتحدة عصر المعلومات، وحركة العولمة، وقادت حركة تنشيط للتجارة الدولية هي الأنجح في التاريخ الإنساني، مما أدّى إلى مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي الدولي مرة ونصف المرة في أقل من ثلاثين سنة.

 

وتلازمًا مع تنشيط حركة التجارة، أوجدت الولايات المتحدة المبرر للانتشارات العسكرية الاستراتيجية في بحار ومحيطات العالم من أجل حماية حركة التجارة لتقوم برضى أو غير رضى بدور الشرطي العالمي. ليس هذا فحسب، بل وقادت الولايات المتحدة حركة الرقمنة والحوسبة، وطورت من قدراتها المعلوماتية، مما أضاف سلاحًا آخر للسيطرة على المنظومة الدولية إلى جانب القدرات العسكرية. خلال هذه الفترة راكمت المزيد من عناصر القوة الاستراتيجية الشاملة، وأقامت تحالفات سياسية وعسكرية واقتصادية مع مختلف الدول وفقًا للاستراتيجية الوطنية الأمريكية، وهذا النشاط في وقت الانتصار هو ما أعطاها ميزة نسبية عن خصومها حتى هذه اللحظة.

فرضت الولايات المتحدة نموذجها الاقتصادي والثقافي والعسكري، وترددت مقولات نهاية التاريخ، وأنه ما عاد بالإمكان أن تُزحزَح الولايات المتحدة عن قيادة العالم، وسادت مجددًا نظريات العبء الحضاري للحضارة الغربية من أجل إضفاء الجانب القيمي والأخلاقي على عمليات الولايات المتحدة الخارجية، لا سيما وأن كثيرًا منها لم يكن أخلاقيًّا بالمرّة، وكان في إطار سعي حثيث لإمبراطورية فتية لإحكام قبضتها مهما كانت التكاليف.

لكنه ومع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتصاعد خطاب الحرب ضد الإرهاب، وإنهاك الميزانية الأمريكية في حروب السراب في أفغانستان والعراق، والأطروحات الفجة لبعض المحافظين الجدد ممن كانوا في إدارة “جورج بوش”، ومع الانهيارات الضخمة التي أحدثتها النيوليبرالية في أمريكا اللاتينية؛ بدأت الدعاية الأمريكية لنظامها العالمي تفقد بريقها المتوهج كثيرًا في فترة التسعينيات، وبدأت النظرة المتفائلة للمستقبل في الخفوت، على الرغم من الاختراقات التكنولوجية التي دفعت بالعالم لمزيد من التقدم.

أحداث 11 سبتمبر

تعددت أسباب ضعف التفاؤل بسبب كثرة التناقضات التي تحملها المنظومة الدولية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة، لا سيما وأن هذه المنظومة التي تُركز على الاقتصاد والعسكرة ليست الولايات المتحدة أفضل مَن فيها بهذه المعايير، وأن الفرص التي تتيحها هذه المنظومة للأنظمة السلطوية مثل الصين أكبر بكثير من المتاحة للولايات المتحدة، لا سيما وأن العولمة التي تعتبرها الولايات المتحدة ميزتها الثقافية الأكبر بات أكبر المنتفعين منها الحزب الشيوعي الصيني الذي يراكم الثروة بمعدلات غير مسبوقة، ويطور الاقتصاد بعيدًا عن الليبرالية. ومنذ الحرب على الإرهاب، لم تعد الإدارات الأمريكية المتعاقبة تهتم بخطاب الحلم الأمريكي، وباتت تهتمّ بتكديس القوة وتحقيق الفوارق مع الخصوم، وهو ما أدى بعد ذلك إلى عسكرة النظام الدولي في إطار محاولة القوى الأخرى المتنافسة اقتناص مكاسب إضافية على نحو تراكمي حتى يحين الوقت للانقضاض على الأسد الأمريكي. 

تأثير أزمة كورونا على المنظومة الدولية

لقد مرت المنظومة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة على مدار الخمسة والسبعين عامًا المنصرمة بأزمات كثيرة، وظلال كثيفة، كاد بعضها أن يقود لأزمة نووية تدمر الحياة على وجه الأرض. نجحت كثيرًا وخسرت في أحيان، وتلقت تهديدات وجودية كادت أن تطيح بها من على سدة النظام الدولي يومًا ما، لكنها استمرت وراكمت قوة وثروة تفوق أعداءها بكثير. واجهت هذه المنظومة التي تقودها الولايات المتحدة أزمات وتحديات كثيرة بعضها اقتصادي وجلها أمني، لكنها نجحت في تخطيها بسبب بعض مفاهيم ومنظومات الإدارة الاستراتيجية الحديثة، مثل: المرونة الاستراتيجية Strategic Resilience، وتخطيط الطواري Contingency Planning، واستراتيجيات الاستمرارية Continuity Strategies.

لكن كل نظم الاستجابة هذه لم تفلح في الاستجابة لقناديل كورونا السوداء. فبداية أزمة كورونا في الاستفحال مع انتقال مركز العدوى لأوروبا في منتصف مارس الماضي كانت مؤشرًا على أزمة دولية كبرى تتكون بشكل “أُسِّي exponential” تماشيًا مع استفحال المرض وتزايد أعداد الضحايا، وكان واضحًا أن كافة نظم الاستجابة لن تجدي وليس أمام العالم سوى الانتظار. لكن مع إعلان منظمة الصحة العالمية الولايات المتحدة الأمريكية مركزًا للوباء في 26 مارس الماضي، ومع هذا التسارع في الإصابات والضحايا، وعدم قدرة القطاعات الاستراتيجية في الولايات المتحدة أو غيرها على الاستجابة اللازمة للجائحة؛ أصبحت جائحة كورونا أزمة عالمية تشكل تهديدًا وجوديًّا لهذه المنظومة الدولية، وستؤدي إلى جنوح النظام الدولي عن الاستمرار في مساره ومداره قبل حدوث تلك الأزمة، وذلك لجملة من الأسباب؛ أهمها أن هذا الوباء قد أدى إلى تعطلٍ شبه كامل لمنظومة العمل والإنتاج في الاقتصاد الدولي للمرة الأولى منذ قرابة القرن، مما أدى إلى تكون ركود اقتصادي عميق قد يطول أمده ويتجاوز عام 2020 ليكون كسادًا عالميًّا أعمق من سابقه في عشرينيات القرن الماضي. 

هذه الأزمة الاقتصادية المتلازمة مع كورونا لها علاماتها الواضحة على الهياكل الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية، منها ما يلي:

  1. أن أزمة كورونا عطلت كثيرًا من القطاعات الاستراتيجية حول العالم وبشكل شبه كامل، لا سيما قطاع الطيران والسفر والسياحة والترفيه وبعض القطاعات الصناعية والخدمية كثيفة العمالة.
  2. ستؤدي الأزمة إلى فقدان الكثير من الوظائف قَدَّرَتها منظمة العمل الدولية بحوالي 195 مليون وظيفة في الربع الثاني فقط من 2020.
  3. تقرير أبريل لبرنامج الأغذية العالمي حذر من تعرض 35 دولة عام 2020 لمجاعات بسبب توقف الاقتصاد الدولي، بما قد يشمل نصف مليار إنسان.
  4. بحسب تقديرات منظمة أوكسفام، ستقذف أزمة كورونا في عام 2020 فقط بحوالي نصف مليار من سكان الأرض تحت خط الفقر.
  5. وصول مؤشرات البطالة في الولايات المتحدة إلى أرقام غير مسبوقة (25 مليون عاطل).
  6. تقديرات دولية تشير إلى أن الكورونا والأزمة الاقتصادية التي تدفع باتجاهها ستكون محرِّكًا كبيرًا باتجاه كثير من الثورات الاجتماعية في مناطق كثيرة من العالم.
  7. تقديرات البنك الدولي التي تشير إلى التأثيرات القاسية لأزمة الكورونا على الدول النامية وأنظمتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في آنٍ واحد، وإقرار 150 مليار دولار بالتعاون مع مجموعة العشرين كمعونات لمداواة هذه الآثار.
  8. احتمال عدم جدوى أكبر خطة إنقاذ اقتصادي في تاريخ الولايات المتحدة (2.2 تريليون دولار) إذا ما زحفت أزمة كورونا إلى الربع الثالث من عام 2020.
  9. خسارة الاقتصاد الأمريكي 40% من العمليات التجارية في الربع الثاني من 2020 مقارنة بالعام الماضي، وفقًا لتقرير جي بي مورجان.
  10. بداية الركود العالمي بفعل أزمة كورونا، حسب تقديرات صندوق البنك الدولي، ومؤشرات مورجان ستانلي، ومورجان فريمان للأسواق.
  11. تخارج 150 مليار دولار من الاستثمارات في صناديق الاستثمار الأمريكية خلال الأسبوع الأول من أبريل فقط، حسب تقرير معهد الاستثمار الدولي.
  12. خسارة مؤشرات البورصات العالمية لكثير من أسهمها، لا سيما مؤشرات بورصة نيويورك التي تكبدت أكبر خسائرها منذ “الكساد الكبير” في الثلاثينيات من القرن الماضي.
  13. اعتبار هذه الأزمة من قبل الدول والحكومات والمنظمات الدولية هي الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية (تصريحات رئيس وزراء اليابان، وإيطاليا، وألمانيا، والأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس منظمة العمل الدولية).
  14. التوقف الكلي والجزئي للكثير من سلاسل الإمداد والقيمة الأهم في العالم، خصوصًا التي تربط جنوب شرق آسيا بأوروبا.
  15. إصابة معظم قطاعات الرعاية الصحية في العالم بالشلل، حتى الأكثر عراقة وتنظيمًا فيها.
  16. تهاوي أسعار النفط، لا سيما مؤشرات الخام الأمريكي، لمعدلات قياسية وغير مسبوقة بسبب إغراق المملكة العربية السعودية لأسواق العالم بالنفط بسبب خلافها مع روسيا وعدم التزامها بمقررات “أوبك بلس” ودخولها في مفاوضات مع الولايات المتحدة لتقليص الإنتاج، وبالكاد تم التوصل إلى اتفاق بعد إقناع المكسيك، لكن تم التوصل إليه بعد فوات الأوان، وأُغرقت الأسواق العالمية بالنفط، مما أدى إلى أزمة في عقود مايو ويونيو على الخام الأمريكي وكذلك عقود برنت لشهر يونيو.
  17. تهاوي أسعار النفط أدى إلى إفلاس شركات كبرى تعمل في استخراج النفط الصخري بالولايات المتحدة، وأدى إلى تضخم معدلات الديون لمستويات قياسية، وهو ما جعل هذا القطاع أحد الأركان المهمة التي ستحصل على جزء من مخصصات خطة الإنقاذ.
  18. تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي وإجبار الشركات الأمريكية الكبرى -مثل: جنرال إليكتريك، وفورد- على تدشين خطوط إنتاج للمعدات الطبية، مما أثّر على مؤشرات البورصة الأمريكية.

 

وإعمالًا لنظرية الدومينو، فإن هذه الآثار الاقتصادية لن تظل في خانة الاقتصاد ولا تتعداه. فقد أحدثت أزمة كورونا شحًّا وندرة وطلبًا متزايدًا على بعض القطاعات، لا سيما قطاع الخدمات الطبية ومنتجات الرعاية الصحية وغيرها من القطاعات ذات الصلة بالأزمة. وهذا الطلب المتزايد على قطاعات بعينها أثر في تكوين أنماط غير متوازنة داخل الاقتصاد العالمي ستؤثر على قطاعات وأنشطة غير اقتصادية، منها: تزايد الطلب على السلع الاستراتيجية خوفًا من الانتشار الوبائي، واهتزاز أسواق الأسهم، وإفلاس قطاعات كبرى كقطاعات الطيران والسفر والسياحة والنقل البحري وغير ذلك. وكل هذا سيؤدي بشكلٍ أو بآخر إلى إبجاد دور للقوة الخشنة، لا سيما للدول الكبرى ومراكز الهيمنة الإقليمية regional hegemons، من أجل ضمان البقاء واستمرار الدور الوظيفي لتلك الدول داخل المنظومات الإقليمية والدولية. وهذا لن يؤدي بالضرورة إلى حروب مباشرة، لكن توظيف القوة الخشنة في التخويف Sabre-Rattling سيؤدي بعد ذلك -في الغالب- إلى نشوب حروب إقليمية كثيرة من أنماط: حروب الإنابة، والحروب البديلة Surrogate Wars، وقد يتطور بعضها إلى حرب دولية، لا سيما مع استمرار الأزمة الاقتصادية وتفاقمها، كما سيتم اللجوء للتكنولوجيا كقوة حادة في المنظومة الدولية من أجل تحقيق مكاسب.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل كل هذه التغيرات عبر القطاعية التي حدثت بسبب أزمة كورونا ستؤدي إلى تغيير النظام الدولي؟

هل سيتغير العالم بسبب أزمة كورونا؟

من أجل استيعاب هذه التغيرات عبر القطاعية ومدى ومجال تأثيراتها، والنظر في احتمالات أن يدخل النظام الدولي International Order والمنظومة الدولية International System في مجال تأثير هذه الأزمة، أو أن يطول تأثير أحدهما دون الآخر؛ فإنه ينبغي علينا النظر في النظريات التي تدرس التحولات الكبرى من حالة النظام إلى الفوضى من أجل الوصول إلى إجابة تُقرّبنا من حقيقة الأوضاع ومآلاتها.

مع بدايات القرن العشرين، ظهرت نظريات عديدة تعارض النظرة الميكانيكية للنظام الدولي والسياسة العالمية، وهي النظرة التي كانت ترتكز على قوانين “نيوتن” في الحركة وميكانيكا الكم وتطبيقها على كل الأمور، وتفسير كافة الظواهر الحياتية بناء عليها، بداية من قياس درجات الحرارة وتوقعات الطقس، وصولًا إلى التنبؤ بمدارات النظام الشمسي والحسابات المترتبة على ذلك.

ترسخت النظرة الميكانيكية للكون مع غلبة التكنولوجيا الصناعية، وازدهار الميكانيكا مع منتصف القرن التاسع عشر، وسيادة السلام الأوروبي الذي أدى لتكون نظرة متفائلة للعالم وسيطرة الإنسان على محيطه. لكنّ هذه النظرة زلزلتها أحداث عام 1914، حيث أدى اضطراب طفيف في البلقان إلى إبعاد نظام عالمي بالكامل عن مساره وإلى الأبد.

فراند فرديناند

فقد أدى ضم الإمبراطورية النمساوية الهنجارية للبوسنة إلى زيادة التوتر مع صربيا التي أوعزت لشباب بوسني متحمس باغتيال ولي عهد النمسا “فراند فرديناند” خلال زيارته لسراييفو، وهو ما حدث بالفعل عن طريق “جافييرلو برينسيب” أحد أفراد هذا التنظيم، وأعلنت النمسا الحرب على صربيا، ثم أعلنت روسيا حامية السلافيين التعبئة العامة تضامنًا مع صربيا، ثم بعد ذلك أعلن إمبراطور ألمانيا “فيلهيلم الثاني” الحرب إلى جانب حليفه “فرانز جوزيف” إمبراطور النمسا، وقام بغزو فرنسا عن طريق بلجيكا ودخل في حرب مفتوحة مع روسيا وفرنسا وبريطانيا، ثم أعلنت الإمبراطورية العثمانية دخول الحرب إلى جانب ألمانيا، واشتعلت الحرب في كل الأرجاء الأوروبية في أقل من 40 يومًا.

هذه الحرب لم تكن في توقع أي أحد، وأدت إلى ارتباك المقتنعين بهذه النظرة الميكانيكية بسبب غرابة تلك التطورات التي يبدو أنها اشتعلت من لا شيء، وكان بالإمكان إخماد نيرانها أكثر من مرة، لكن الدوافع كانت أكبر من الكوابح.

لكن في هذا العصر ظهرت بعض النظريات التي يمكن أن تفسر لنا ما الذي حدث في عام 1914 لكي يتغير النظام الدولي المستقر لأكثر من نصف قرن وينزوي عن مساره. فقد ظهرت نظرية لعالم الرياضيات الفرنسي “هنري بوانكاريه” ترى بأن حدوث أي اضطراب أو القيام بأي تعديل طفيف على أي نظام ديناميكي يؤدي إلى إحداث فوارق شاسعة بعد ذلك في مخرجات وسلوكيات هذا النظام، وهو ما يؤدي بالقطع إلى تغيير مراكز اللاعبين في هذه المنظومة، ومن ثم إحداث فوضى داخل هذا النظام Order قد تقود إلى تغيير حالة النظام ذاتها إلى نظام آخر أو إلى نظام الفوضى Chaos، وفي كلا الحالتين يُعتبر النظام السائد قبل حدوث تلك العاصفة من باب الماضي (وهي النظرية التي استفاد منها فيما بعد “إدوارد لورينز” في صياغة نظرية تأثير الفراشة Butterfly Effect).

أطلق “بوانكاريه” على هذه النظرية ” الحساسية للأحوال الأساسية Sensitivity to Initial Conditions”، حيث رأى “بوانكاريه” أن الأحوال الأساسية لكل هيكل وبنية مهما كان إحكامها فإن بها عناصر ضعف وانزواء مهما كانت جيدة الضبط، وأن عناصر الضعف هذه تسمح للكثير من التعديلات الهيكلية الطفيفة، والتي تستمر بشكل ملحوظ أو غير ملحوظ في بنية النظام حتى يأتي حدث ما ليشكّل “نقطة تحول Turning Point” في مسيرة ومسار تلك المنظومة، ويضطرب نظامها على نحو جذري وغير مسبوق.

ألكساندر ليابونوف

في السياق ذاته، يرى “ألكساندر ليابونوف”، في خضم أطروحاته حول نظرية الاستقرار، أن معدل التحولات مرهون بمعدل التغيرات، وهو ما يعني أن حدة نقاط التحول مرتبطة بحجم التغير الذي يعصف بالنظام، وكلما كان التغير عنيفًا كان التحول بنفس مقدار ذلك العنف.

هاتان النظريتان يمكنهما أن تقولا لنا ما الذي حدث في عام 1914، وما هو المستقبل الذي ينتظرنا. فبكل تأكيد لم تكن الطلقات التي أودت بحياة ولي عهد النمسا “فرانز فرديناند” وحرمه الكونتيسة “صوفيا شوتيك” هي التي قضت على النظام العالمي المستقر وأتت بنظام الحرب، لكنها كانت هي نقطة التحول تلك لنظام مضطرب بالفعل وينتظر فتيل الانفجار (تمامًا كالحجارة على قمة التل لا تحتاج سوى مجهود ضئيل لكي تنحدر بسرعة فائقة نحو القاع).

مقاربة بين النظام الدولي الحالي ونظام ما قبل الحرب العالمية الأولى

بالملاحظة، وُجد تقارب كبير بين حالة النظام الدولي (International Order) قبيل الحرب العالمية الأولى والنظام الدولي الحالي (وإن تباعدت الفروقات بين المنظومتين) وذلك التقارب من وجهين:

 

 

الأول: طول أمد السلام قبل الحرب العالمية الأولى بمرور خمسين عامًا على آخر حرب أوروبية لأسباب كثيرة بعضها يتعلق بحالة العروش الأوروبية التي كان بينها نسب ووشائج دم، لا سيما إنجلترا وألمانيا وروسيا، حيث كان الملك “جورج الخامس” ملك إنجلترا والقيصر الروسي “نيكولاس الثاني” وإمبراطور ألمانيا “فيلهيلم الثاني” أولاد عمومة وأحفادًا للملكة “فيكتوريا” وينتسبون جميعهم إلى بيت واحد هو بيت “هانوفر” الألماني الذي تنتمي له جدتهم الملكة “فيكتوريا”. لذا، كانت التوقعات تستحيل اندلاع صراعات بين عروش تنتمي لعائلة واحدة، وتستطيع العائلة دائمًا تسوية الخلافات العالقة. في المقابل، فقد مر على النظام الدولي الحالي قرابة ثلاثة أرباع القرن على آخر حرب دولية، ويسود السلام بشكل عام على الرغم من وجود مناوشات إقليمية بين فينة وأخرى، إلا أن الأصل هو وجود السلام.

الثاني: أن الثورة الصناعية الثانية (أو ما يعرفه البعض بالثورة الكهربية) مع منتصف القرن التاسع عشر أدت إلى وفرة إنتاجية كبيرة تَلَازم معها فتح الأسواق واتحادها، وشهدت هذه الفترة بدايات ما عرف بعد ذلك بسلاسل القيمة وسلاسل الإمداد، وتم تدشينها بين الدول الأوروبية المتحالفة في أحلاف استراتيجية، لا سيما فرنسا وروسيا من جانب، وكذلك ألمانيا والإمبراطورية النمساوية الهنجارية والإمبراطورية العثمانية وإيطاليا من جانب آخر. تجاوزت العروش الأوروبية الخلافات السياسية، لا سيما حول قضايا البلقان والقرم والشرق الأوسط، وقامت بتدشين حركة انفتاح عولمي، لا سيما في وسط وغرب أوروبا، مع الأخذ طبعًا باختلافات الظرف الزماني والإمكانات اللوجستية. والمقابل للثورة الصناعية الثانية الآن هي ثورة الاتصالات والمعلومات التي قفزت بالاقتصاد الدولي إلى آفاق غير مسبوقة، بالإضافة إلى حركة العولمة الكبرى الموجودة الآن بفعل ثورة الاتصالات. 

أنشأ هذا النظام السياسي والاجتماعي في أوروبا أوائل القرن العشرين مجتمعات وفرة غير مسبوقة في كثير من الحواضر الأوروبية (كما هو الحال الآن في كثير من البلدان)، وأصبح السلام خيارًا استراتيجيًّا من أجل توسيع نطاق هذه الرفاهية، وتوسع الإيمان بالعقل والمنطق في حسم الصراعات، وسادت نظرة شديدة التفاؤل للمستقبل بسبب الطفرات العلمية، وتحسن مستويات السيطرة على الطبيعة، وجودة الحياة على سطح الأرض (وفقًا لتصوراتهم) كما هو الحال الآن.

لكن الذي حدث في عام 1914، ودخول هذه الممالك في حرب شعواء مع بعضها بعضًا؛ لم يكن محض صدفة. كان اغتيال ولي العهد النمساوي فقط نقطة تحول لكثير من التراكمات والخطط والنوايا بحيث تظهر على السطح، ويتم التعامل معها باعتبارها واقعًا. فلقد كانت هنالك مشكلات بنيوية داخل تلك المنظومة تم تأجيلها للحظة المناسبة إلى أن حانت تلك اللحظة، وخصوصًا النظرة لألمانيا ورغبتها في مقاسمة فرنسا وبريطانيا جزءًا من كعكة المستعمرات، لا سيما مع الاستراتيجية الألمانية لمنافسة بريطانيا في البحار عن طريق بناء أسطول ينافس الأسطول البريطاني، وهو ما بدأ فيه “فيلهيلم الثاني” بالفعل قُبيل الحرب بسنوات. 

وكانت ألمانيا تعلم أن هذه الخطة لن تمر بسلام، وكانت هناك خطط حربية للتصرف وقت اندلاع الصراع مع بريطانيا وفرنسا منها “خطة شليفن” التي تم اعتمادها في الحرب العالمية الأولى، وتم وضعها والموافقة عليها قبيل الحرب بإحدى عشرة سنة. كما قامت فرنسا بتدعيم حلفها مع قيصر روسيا “نيكولاس الثاني” من أجل احتواء ألمانيا، وكسر خطة المستشار الألماني “بسمارك” بالعمل الدائم على كسر أي تحالف بين سانت بطرسبرج وباريس.

كورونا.. نقطة تحول في مسار النظام الدولي

 

مثلما كانت حادثة اغتيال ولي عهد النمسا نقطة تحول، وفقًا لتفسيرات نظرية الاستقرار والانتقال من النظام إلى الفوضى لأليكساندر ليابونوف، في نظام ما قبل الحرب العظمى إلى نظام آخر سطرت أوراقه مخرجات هذه الحرب؛ فإن أزمة كورونا التي يمر بها النظام الدولي الحالي بدأت في تشكيل زاوية حادة في وجه عالم ما قبل كوروناـ وشيئًا فشيئًا سيندثر ذلك العالم الذي كنا نعرفه في خضم انزلاقنا / صعودنا نحو واقع جديد بدأ يسطر واقعه مع بدايات أبريل من هذا العام. ووفقًا لنظرية ليابونوف، فإنه كلما طال أمد الوباء وتأخرت فرص الحصول على لقاح له؛ كان ذلك التغيير في النظام الدولي أكثر عمقًا وراديكالية. فعلى سبيل المثال، لو أن أزمة كورونا تم حسمها في مارس لما حدثت أزمة النفط في أبريل ومايو، ويحتمل أن تمتد حتى نوفمبر المقبل حسب توقعات “مايك بومبيو” وزير الخارجية الأمريكية. وكذلك، فإن حسم مشكلة كورونا وما نتج عنها من شلل الاقتصاد العالمي في يونيو أو في يوليو ربما يوفر على النظام العالمي أزمات أخرى آتية في الطريق. لذا، فإن “جون سويني” يرى أن هذه القناديل السوداء تحتاج سرعة في الاستجابة Responsivity أكثر من أي شيء آخر من أجل احتواء الأزمات في مهدها وعدم تفاقمها، وإلا صارت فوق طاقة أي منظومة لمعالجتها.

يرى الواقعيون الجدد أنه كلما زادت أزمات الدول زادت شراستها وارتفعت غريزة البقاء لديها، وهو ما يعني أن الحلول الجذرية والحادة تبقى مطروحة وعلى مائدة الخيارات في معظم الأحيان. في هذه الأوقات تزيد كذلك الأطروحات القومية والشوفينية، ويقل التعاون بين الدول التي عادةً ما تنشأ بينها تحالفات جديدة بناء على الحقائق التي تُرسخها تلك الأزمات. من بين الحقائق الصعبة التي رسّختها هذه الأزمة أن الكيانات والمنظمات العابرة للحدود (كهيئات الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من منظمات التنسيق العالمي والتكامل الإقليمي) باتت عبئًا، ولم تعد النظرة إليها أو للدور الذي تقوم به كما كان في السابق لأسباب لها علاقة بسلوكيات وتصرفات تلك المنظمات خلال أزمة كورونا التي تتهمها دول (كالولايات المتحدة في حالة منظمة الصحة العالمية، وكحالة وموقف بعض دول الاتحاد الأوروبي من الاتحاد) بالتواطؤ والفساد الإداري وفساد الرؤية، بل وأنه بات من المحتوم عدم استكمال هذه المنظمات لمسيرتها قبل أزمة كورونا لتباين حدة المواقف منها خلال هذه الفترة.

ستؤثر كورونا على هيكل الاقتصاد الدولي بكل تأكيد. فبسبب أن قوانين التباعد الاجتماعي تعتبرها بعض الحكومات أشد فتكًا بالمجتمعات من الانتشار الفيروسي نفسه، ومع تواتر المؤشرات على طول هذه الأزمة حتى الخريف المقبل على الأقل؛ ففي الغالب سيتم تخفيف قواعد الحظر والعزل بداية من مايو في كثير من الدول. وفيما يتعلق بسلاسل القيمة والإمداد، سيتم وضع قواعد جديدة لتشغيل خطوط الإنتاج مع ضمان حدٍّ أدنى من المخاطر الصحية، كما أن فرص العمل والتعليم عن بعد ستزداد، وسيقوم الاقتصاد الخدمي بإعادة هندسة مساره على نحو يتوافق مع قواعد العمل الجديدة. كما سيكون في الفترة المقبلة للمؤثرات التكنولوجية أثر كبير في صياغة الحياة على وجه الأرض حسب السياسات التكنولوجية المتّبعة في كل بلد. كذلك، فإن أزمة كورونا ستؤدي إلى تشكيل طبقي عالمي جديد، حيث ستزيد معدلات الفقر والمجاعات حسب برنامج الأغذية العالمي، كما ستؤدي إلى فورانات اجتماعية واقتصادية في أكثر من مكان حول العالم حسب تقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية خلال الأشهر المقبلة.

ترامب وشي جين بينج

هذه التغيرات على مستوى الاقتصاد والاجتماع والديموغرافيا ستتلاحق معها تغيرات أخرى على مستوى السياسات الخارجية والدفاعية. فالعالم الذي أتى به كورونا سيكون أكثر خوفًا وقلقًا من ذي قبل، مما سيستلزم حشدًا للطاقات الدفاعية والعسكرية لدى الدول (الكبرى على الأقل)، لا سيما مع تصاعد الاتهامات للصين بتسببها عن عمد أو تقصير في الانتشار الوبائي لكورونا. هذه الاتهامات ستزيد من سخونة المواجهات بين الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية، والصين وحلفائها من ناحية أخرى، وتحديدًا كوريا الشمالية وإيران.

لكن على الرغم من التشابهات الكبيرة بين نظامنا الدولي الحالي والنظام الأوروبي قبيل الحرب العالمية الأولى؛ فإن هذا لا يعني بالضرورة أن منظومتنا الدولية الحالية على شفير حرب شاملة، أو على الأقل حرب في المدى القصير (وإن كان لا يخلو ذلك من تحرشات أو حروب إنابة بينها فواصل زمنية قصيرة)، وذلك لأسباب كثيرة، أهمها أن هيكل القوة الشاملة الحالي هو في صالح الولايات المتحدة، وبفارق كبير عن أقرب منافسيها وهي الصين.

فمن الناحية العسكرية، تتمتع الولايات المتحدة بقوة بحرية تتفوق من ناحية الكم على البحرية الصينية بنحو 3 ملايين طن من السفن، ومن الناحية النوعية أيضًا حيث تمتلك الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات نووية (مقابل حاملة طائرات واحدة للصين تُدار بالديزل) موزعة على إحدى عشرة مجموعة حاملة طائرات قتالية Carrier Strike Group (كل مجموعة بها 20 قطعة بحرية من حاملة طائرات، وطراد، ومدمرتين، وسفن هجوم برمائي، وتحمل هذه السفن قرابة 70 طائرة وحوالي 4500 فرد مقاتل).

البحرية الأمريكية

في حين تمتلك الصين مجموعة قتال واحدة فقط وبتسليح أقل من النصف. وقد تخدع القوة البحرية الصينية البعض من حيث عدد القطع البحرية، حيث تتعدى من ناحية العدد قطع الأسطول الأمريكي، لكنّ هذا أمر غير واقعي، حيث إن معظم قطع البحرية الصينية تنتمي لفئة الفرقاطات والكورفيتات، في حين أن البحرية الأمريكية تعتمد على الفئة الأعلى، مثل المدمرات والطرادات، وهو ما يُحدث فوارق عملاقة في أي مواجهة بحرية محتملة.

ومن ناحية سلاح الجو، تمتلك الولايات المتحدة قوة جوية تتفوق بها على الجيوش العشر التي تليها من حيث العدد والكفاءة. كذلك فإن الولايات المتحدة، وحسب أحدث تقارير مكتب المحاسبة الفيدرالي GAO، تدير الولايات المتحدة ما يناهز 800 قاعدة عسكرية حول العالم موزعة على كل القارات، مع قدرات نقل وهجوم استراتيجي ضخمة للغاية. وفي هذه النقطة تحديدًا، يكفي أن نذكر أن الانتشارات البحرية الأمريكية في الباسيفيك (سواء عن طريق قطع الأسطول السابع أو عبر القواعد التابعة لقيادة الباسيفيك) قادرة وبشكل كبير على تحجيم الصين عن السيطرة على محيطها في بحار غرب الباسيفيك (وتحديدًا بحر الصين الجنوبي)، ناهيك عن القدرات العسكرية والبحرية الكبيرة لحلفاء الولايات المتحدة الآسيويين، وتحديدًا اليابان والهند وكوريا الجنوبية وأستراليا. لكن كل ذلك بالطبع لا يدفع الولايات المتحدة أو حلفاءها لتجاوز الخطوط الحمراء الصينية في الباسيفيك، مثل السيطرة على مضيق تايوان أو جزرها الصناعية في بحر الصين الجنوبي.

 

كذلك، فإن الصين رغم ارتفاع مؤشراتها التنموية في ربع القرن الماضي، وقيامها بمعجزة اقتصادية كبرى؛ إلا أنها تتخلف كثيرًا عن الولايات المتحدة في أدوات الدولة السيادية والأدوار المنوطة بها، مثل عملة الدولار، ودور بنك الاحتياطي الفيدرالي في السيطرة على المنظومة المالية العالمية، وكذلك دور الخزانة والكونجرس في منظومة العقوبات الأمريكية التي تعمل بشكل أكثر كفاءة من هيئات الأمم المتحدة المعنية، بالإضافة إلى تفوق البحث العلمي في الولايات المتحدة ومرافقه، وكفاءة الكوادر ومستوى التعليم، بالإضافة إلى حالة الليبرالية الاجتماعية التي تتيح مساحات وحقوقًا أكبر للأفراد مما يمنحهم مساحة على الإبداع وخلق نماذج اقتصادية ورأسمالية فريدة وقائدة.

لذا، فإن الحديث عن حرب عالمية في هذه الآونة هو بمثابة نحر أو انتحار للصين وحلفائها بسبب التفاوت الضخم بين الفريقين وقدراتهما، مما يحمل فرصة جديدة للولايات المتحدة للتأكيد على هيمنتها على العالم لقرن جديد.
وعلى الرغم من ذلك، فإن أزمة هيكل القوة الأمريكية ستظل كما هي. فالنظام الدولي منذ ازدهار حركة التجارة العالمية منذ التسعينيات يقتطع دورًا استثنائيًّا للولايات المتحدة لحماية حركة التجارة والملاحة البحرية، بما للولايات المتحدة من أساطيل بحرية عملاقة تتخطى تقريبًا كل بحريات الدول العظمى مجتمعة. لكن مع ازدهار التجارة الدولية تم شَق طرق تجارية جديدة، وزاد عدد السفن التجارية طرديًّا مع ارتفاع حجم التجارة العالمية، مما يستدعي مهام تأمين إضافية. والآن، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على مواكبة تلك الطفرة التجارية بما يتطلب قوات بحرية إضافية لتأمين البحار، وممارسة أعمال الضبط والسيطرة. كما أن القوى الكبرى الأخرى ليست لديها القدرة نظريًّا أو عمليًّا في المستقبل المنظور لأن تحل محل الولايات المتحدة. فالبحرية الصينية تحتاج نظريًّا إلى 15 عامًا على الأقل للوصول إلى القدرات البحرية الحالية للولايات المتحدة ومثلها لليابان (على افتراض تغيير اليابان لتموضعها الاستراتيجي داخل الخريطة الدولية). أما البحرية الروسية والهندية والبريطانية والفرنسية فهي خارج إطار المنافسة أصلًا.

وكل ذلك يقودنا -في الغالب- إلى حقبة جديدة من التعددية القطبية Polyarchy تكون فيها الولايات المتحدة القطب الأكبر غير المسيطر، مع وجود طيف من الإرادات المتنافسة والمتصارعة على قلب وسدة النظام الدولي. ستقود هذه الحالة بشكل أو بآخر إلى صعود السلطوية والشوفينية، وتآكل العولمة، وإحلال الاضطرابات والتوترات الجهوية والعابرة للأقاليم مكانها، مما سيؤثر بشكل مادي وجوهري على التجارة الدولية ونموها، وقد تقودنا تلك الحالة إلى أجواء من الحروب البديلة Surrogate Warfare واسعة المدى (لا سيما عبر الاستعانة مجددًا بالجماعات المسلحة في تلك الحروب، واحتمال تكرار سيناريو السوفيت في أفغانستان مع الصين في إقليم شينجيانج، وقد تكون تهدئة الأمور مع طالبان مؤشرًا على ذلك)، وكذلك الحروب الجديدة (مثل: الحروب السايبرية، وحروب المعلومات، وكذلك حروب الاستخبارات). هذه الحالة قد تقود في النهاية إلى حرب عالمية لوضع حلول حاسمة أو لا تؤدي إلى ذلك، وحدوث تحلل وإنهاك للطرف الآخر يدعوه للاستسلام والانزواء مؤقتًا، والاستعداد لمعركة أخرى فاصلة.

دينج شياوبينج

لكن هذا النمط من التحالفات لن يكون قائمًا على الأيديولوجيا كما كانت الحرب الباردة، فقد انتهت الشيوعية تمامًا رغم استمرار الحزب الشيوعي الصيني، لكن مع التنازلات الاقتصادية التي دشّنها منذ السبعينيات على يد “دينج شياوبينج” لم يعد يملك من الشيوعية سوى تسميتها. في الأغلب، ستكون التحالفات تحالفات مصلحية أقرب لتحالفات الدول الأوروبية في الحروب النابليونية وحروب العصر الفيكتوري، حيث يتفق شكل الدول والمجتمعات والاقتصادات لكن المصلحة القومية هي الراجحة في المقام الأول.

لقد جاءت أزمة كورونا لتسرع من عملية التغيير في النظام الدولي الذي كان مقبلًا على تغييرات -إن عاجلًا أو آجلًا- بسبب أزماته الهيكلية التي يحملها في تركيبته الجينية منذ ظهوره مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتطورت معه حتى أصبحت أحد أكبر معوقات استمراره، وهذه الأحوال الأساسية للنظام ستؤدي به -كما كل النظم السابقة واللاحقة- إلى أن يكون ذكرى من ذكريات الماضي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

أنس القصاص

باحث في الشئون الاستراتيجية ومستشار سابق بالأمم المتحدة

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

Start typing and press Enter to search