زوايا

نظرة إلى “قارة الفُرص”.. “بايدن” أمام تحدي الصفحة الإفريقية

أعلن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” التزامه باستعادة القيادة الأمريكية للعالم من جديد، ولكن بعد وقوع حادث اقتحام الكابيتول الأمريكي يوم السادس من يناير الجاري (2021)، صارت تلك المهمة أكثر تعقيداً، وعلى الرغم من ذلك فإن ما حدث سيُترجم إلى سياسة أمريكية تحترم الأفراد والحكومات داخل القارة.

فاحترام الديمقراطية المؤسسية -والتي قال عنها بايدن إنها ليست فقط العامل المؤسس لمجتمعنا، لكنها أيضاً مصدر قوتنا- سيكون على رأس أجندة سياسات بايدن، فالجهود التي بذلها ترامب لإسقاط الانتخابات وممارسة العنف في مبنى الكابيتول، جعلت إدارة بايدن في حاجة للحديث بشكل أكبر عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في الداخل الأمريكي وحول العالم أكثر من ذي قبل، وقد أشار توماس رايت في دورية Brookings Colleague إلى تلك النقطة.

عوضا عن ذلك، فإن الرغبة في العيش في ظل الديمقراطية المؤسسية، تشكل نسيجاً مشتركاً بين الشعب الأمريكي والشعوب الإفريقية، فقد أظهر مؤشر “أفرو بارومتر” أن 7 من كل 10 مواطنين يعيشون في إفريقيا يتطلعون للعيش تحت مظلة الديمقراطية المؤسسية، وأن الغالبية العظمى يرفضون السلطوية والحكم الديكتاتوري، ويرفضون كذلك الرؤساء الذين يحكمون طوال حياتهم وكذلك الحكم العسكري. (ويمكن الاطلاع على مزيد من إحصاءات أفرو بارومتر في الفصل السادس من التقرير والذي أعده جيماه بوادي عبر هذا الرابط).

واجهت المؤسسات الديمقراطية الأمريكية ضغوطاً غير حادة خلال انتخابات 2020، بل ووقعت تحت الحصار أثناء عملية التحول، ويمكن اعتبار تلك التحديات التي واجهناها خلال الانتخابات موجبة لتحول الولايات المتحدة لأن تشارك وتسمع وتتعلم من شركائها داخل القارة الإفريقية، وفي الوقت نفسه تعمل على إرساء أرضية واضحة لتجديد أجندة السياسات الأمريكية تجاه إفريقيا، وذلك لتأسيس مجتمعات ديمقراطية مرنة.

تلك هي الاستراتيجية المناسبة، فعلى سبيل المثال جاءت أول مكالمة تهنئة للرئيس جو بايدن من إفريقيا عبر رئيس جنوب إفريقيا “سيريل رامافوزا”، الذي تعرضت ديمقراطيته لاختبار قوي من الشارع الجنوب إفريقي، بفعل 8 أعوام من حكم سلفه “جاكوب زوما”، صاحب سياسة “أسر الدولة” للمصالح الخاصة، وذلك طبعاً دون ذكر النضال المستمر للتغلب على ميراث التفرقة العنصرية.

تشكل خبراتنا المشتركة في مساندة الديمقراطية المؤسسية والعمل على تحديد ميراث التفرقة العنصرية فرصة فريدة لإعادة هندسة سياساتنا مع جنوب إفريقيا ودول القارة الأخرى.

الرئيس الأمريكي جو بايدن

الأرضية المشتركة

لم تعكس نتائج الانتخابات في إفريقيا العام الماضي تطلعات شعوبها، كما كان الحال في غينيا وتنزانيا وبروندي، وغيرها من البلدان. بجانب ذلك فقد أظهر مؤشر “إبراهيم” للمؤسسية الإفريقية عن عام 2020 أن انطباعات الجماهير العامة عن المؤسسية هي الأقل في الوقت الحالي منذ عقد مضى، وأن سرعة معدلات التدهور تضاعفت خلال الأعوام الخمسة الماضية.

وفي حين أشار مؤشر “إبراهيم” إلى ارتفاع معدلات التدهور، أشار كذلك إلى ارتفاع معدلات المؤسسية العام الماضي، كما لفت إلى أن مجمل الأداء المؤسسي شهد ارتفاعاً طفيفاً خلال العقد الماضي، لنجد أنفسنا أمام حقيقة أن الديمقراطية في إفريقيا تشهدا تطورا نسبيا، كما هو الحال في الولايات المتحدة وفي أي مكان آخر، متمثلة في بعض البلدان التي تعيش تقدماً أكثر من غيرها في ذلك السياق.

في الوقت نفسه، الذي صنّفت فيه مؤسسة Freedom House سبع دول إفريقية فقط ضمن تصنيف “دولة حرة”، وهو الرقم الأقل منذ عام 1991، إلا أن معدلات الدول ذات تصنيف “غير حرة” شهد انخفاضاً كبيراً، فقد جعلت “مؤسسة تحدي الألفية” الأمريكية “MCC” الاستثمار في البنية التحتية بإفريقيا قائماً على معايير صارمة من مؤشرات الحوكمة، وقد بدأ البرنامج في 25 دولة إفريقية، برنامجان منها فقط تعرضا للإنهاء، أولهما في مدغشقر 2005 ومالي 2006، وفي عام 2016 أُوقف البرنامج في تنزانيا.

تشير تحليلات الحوكمة تلك إلى أن غالبية الدول الإفريقية تشغل أرضية مشتركة مع الحكومات الديمقراطية وغير الديمقراطية، فعلى الأقل يمكن القول إن وجود الخلفية الديمقراطية في إفريقيا صار أمرا واقعيا.

قمة عالمية للديمقراطية

أظهر جو بايدن، الذي تُمثِّل الديمقراطية بالنسبة له قيمة أساسية، اهتماماً واضحاً خلال حملته الرئاسية بعقد قمة عالمية للديمقراطية في سنته الأولى من الرئاسة.. تبدو تلك القمة العالمية الآن ملائمة للانعقاد أكثر من أي وقت مضى، فهي تهدف إلى دعم المؤسسات الديمقراطية، وإلى تشكيل أجندة مشتركة، يمكن من خلالها جعل الديمقراطية مؤثرة في حياة الناس، وتأكيد أن تلك المؤسسات تستجيب بأقصى طاقاتها للتعامل مع أزمة “كوفيد-19”.

لن تكون هذه القمة مجرد ندوة للحديث، وسيكون متوقعاً أن تحضر الدول المدعوة بعدة التزامات، أولها مكافحة الفساد، وثانيها مواجهة السلطوية، وثالثها تحسين الأوضاع الإقليمية، سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي، وستكون مؤسسات المجتمع المدني، التي تعمل على ترويج الممارسات الديمقراطية، ضمن الحاضرين في هذه القمة.

كما أن ممثلي مؤسسات القطاع الخاص، وتحديدا شركات التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، ضمن حاضري القمة، وذلك لأهمية دورهم في تسيير المؤسسات الحيوية والأنماط الديمقراطية.

 

القمة الأمريكية-الإفريقية في 2014

استعادة العلاقات الأمريكية-الإفريقية

يمكن لالتزام بايدن بالديمقراطية أن يُعمِّق من الشراكة الأمريكية مع الحكومات الإفريقية، فنحن نستطيع التعلم من التجارب الإفريقية فيما نُشارك أسباب الهجوم على الكونجرس الأمريكي، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل الديمقراطية الأمريكية.

إن اتّباع نهج ديمقراطي في عمليات الحوكمة يمكن أن يخلق أرضية إيجابية، يسهل من خلالها بناء علاقات اقتصادية ديناميكية وخلق موارد للحد من أزمة تغير المناخ، وتحسين وضعية المرأة والأطفال والفقراء، ودعم الجهود الساعية لإحلال السلام والأمن.

يمكن لذلك النهج أن يخلق تحديات جديدة للولايات المتحدة والقارة التي تحمل خلفية ديمقراطية، أمّا عن آليات القيام بذلك، فإن عقد اجتماعات قمة منتظمة مع القادة الأفارقة، كقمة الولايات المتحدة وإفريقيا عام 2014، من شأنها أن تُوفِّر فرصة للتركيز على العديد من الأولويات المشتركة، بما في ذلك النهوض بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة الفعّالة.

العلاقات الصينية-الإفريقية

وماذا عن الصين؟

سيُقارن بالطبع التزام بايدن بتجديد الديمقراطية بدور الصين في القارة، فتجارياً يمكن تصنيف دور الولايات المتحدة بـ”المتراجع بشدة”، فما بين عامي 2017-2018 تزايد التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وإفريقيا من 55.4 مليار دولار إلى 61.8 مليار دولار، في حين تزايد التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا في المدة نفسها من 155 مليار دولار إلى 185 مليار دولار.

وفي حين أنه من الصعب للغاية أن تصل الولايات المتحدة إلى ذلك الرقم في أي وقت قريب، إلا أن هناك دوراً هاماً للولايات المتحدة بالشراكة مع الحكومات الإفريقية، فالقادة الأفارقة يسعون لجذب المزيد من الشركات الأمريكية، لاهتمامها بالاستثمار في العنصر البشري ونقل المهارات الضرورية، وتحسين قدرة العمالة الإفريقية.

الشركات الأمريكية تعمل أيضاً على الامتثال لأفضل الممارسات العالمية في مكافحة الفساد والممارسات المهنية وحماية البيئة، ويُشكِّل ذلك تناقضاً صارخاً لممارسات الشركات الصينية، فالولايات المتحدة استثمرت بشكل كبير وفعّال في تنمية شباب إفريقيا، على الرغم من أنه ما زال ينتظرها المزيد للقيام به.

فمنذ إنشاء منظمة القادة الشباب الأفارقة “YALI” عام 2014، تلقّى ما يقرب من 5 آلاف شاب وفتاة من أفضل وألمع الشباب، تدريباً على المهارات القيادية في الجامعات الأمريكية، كما أن آلاف الشباب يُمارسون تدريبات افتراضية على القيادة في مؤسسة YALI.

يمثل التحدي بالنسبة لإدارة بايدن ضرورة النظر إلى إفريقيا بـ“حكمة” باعتبارها قارة الفرص، فالإدارة الجديدة أيضاً بحاجة لتجديد العلاقات الأمريكية الإفريقية بطريقة تشارك من خلالها واشنطن كافة خبراتها لدعم التطلعات الإفريقية، سواء في مجال الديمقراطية المؤسسية أو الوصول لحالة الازدهار.

المصدر: Brookings

إسلام كفافي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى