وجهات نظر

نظرة في مرآة التقارب “التركي–المصري”: مستقبل مجهول لجماعة “جولن”

الكاتب الصحفي مصطفى زهران

يزداد الحديث عن التقارب التركي المصري على وقع سد الفراغات والهوى الناجم عن السنوات التي شهدت اضطرابا في العلاقات بينهما منذ أحداث 3 يوليو 2013 في مصر، وما أسفرت عنه من انتهاء حكم الإخوان المسلمين وعزل محمد مرسي، عقب انتفاضة شعبية طالبت برحيلهما، وما أبداه الموقف التركي حيال الأمر، الذي أسهم في خلق العديد من المشكلات والتوترات بين الجانبين.

كانت أولى تلك الخطوات التي اعتزمتها الدولة التركية وأقدمت عليها في سياق التقارب مع مصر، إيقاف عدد من البرامج في فضائيات يتم بثها من إسطنبول ويقدمها مجموعة من الإعلاميين المصريين كانت موجهة بشكل رئيس نحو الهجوم على أداء السلطة السياسية في مصر، وممولة بشكل مباشر من قبل جماعة الإخوان، التي تحظر الدولة المصرية أنشطتها، وتضع عددا من قياداتها الهاربين على قوائم الإرهاب.

انعكاسا لذلك، بات الحديث عن مستقبل وجود أعضاء جماعة الإخوان بالداخل التركي ضبابيا ومحفوفا بالكثير من علامات الاستفهام، ما دفع البعض إلى التكهن بإمكانية أن تكون الخطوة التالية في سياق التقارب مطالبة مصر السلطات التركية بإلزام الإخوان بمغادرة البلاد أو تسليم بعض المطلوبين للقضاء المصري على خلفية اتهامهم بتنفيذ أعمال خارجة على القانون، إلا أن مسارعة عدد من الكتاب والإعلاميين والناشطين الأتراك الناطقين بالعربية للتعليق على هذه الخطوات التي اتخذتها الدولة التركية عمل على وقف مزيد من الأسئلة في الفترة الراهنة، بعد أن نفت إمكانية أن تُقدم السلطات التركية على ذلك في المستقبل المنظور، والاقتصار على قيامها بتحييد عناصر جماعة الإخوان وعدم استخدامهم تركيا كمنصة لاستهداف السلطة السياسية المصرية.

فيما تتمثل المحصلة النهائية لمجمل هذه التكهنات والفرضيات في أن ملف قنوات الإخوان بتركيا أغلق لفترة قد تدوم طويلاً، وأن مصائر الإخوان في تركيا مرتهن بما ستؤول إليه مسيرة التقارب التركي المصري في المرحلة القادمة.

بيد أن هناك ملفا قد يعني الكثير لدى تركيا، أغفله كثيرون في سياق تتبع مراحل التقارب (التركي – المصري)، وانعكاساته على الجانبين في بعض القضايا المشتركة، لا تقل أهميته عن بقية التفاهمات القائمة على عدد من الموضوعات مع مصر، والتي على رأسها غاز شرق المتوسط، ويتمثل ذلك بشكل دقيق في انعكاسات هذا التقارب على واقع ومستقبل جماعة “فتح الله جولن” التركية المعارضة، والتي يتخذ المئات من منتسبيها مصر مستقرا لهم منذ سنوات، هربا من الملاحقات الأمنية للجماعة داخل تركيا.

يمكن القول إن موقف تركيا من حركة الخدمة أو جماعة “فتح الله جولن” أو ما أطلقت عليه بـ”الكيان الموازي” – كما سنبين لاحقا- يتماثل بقدر كبير مع رؤية النظام المصري – الإجرائية – لجماعة الإخوان من حيث اعتبار كل منهما قوى خارجة على النسق الدولاتي، إذ حظرت تركيا أنشطتها ومعاقبة كل من ينخرط في تنظيمها، فضلا عن توقيف الكثير منهم على خلفية قضايا تتعلق بالإرهاب، وملاحقة كثيرين ممن فروا خارج البلاد.

السؤال الذي يتبادر في هذه اللحظة: هل ستسعى تركيا لإقناع مصر بمحاولة إغلاق منافذ جماعة “جولن” التعليمية والإعلامية على غرار ما أقدمت عليه تركيا مع قنوات الإخوان، ووضع خطوط حمراء لا يمكن لأحد من المصريين المقيمين على أراضيها تجاوزها تجاه مصر.

اقرأ أيضًا: تركيا والتقارب مع مصر.. محاولات البحث عن مكسب

جماعة الخدمة “فتح الله جولن”

تأسست جماعة الخدمة على يد الداعية التركي “فتح الله جولن” في بدايات العقد السابع من القرن الماضي، وقدمت نفسها للشارع التركي بصفتها جماعة دينية وحركة مدنية في آنٍ، إذ إنها منذ الثمانينيات، وبجوار ما تقوم به من أعمال وعظية وأنشطة دينية، تمارس العمل السياسي وتنخرط في العديد من المشاريع السياسية والوطنية والتنموية في مجالات شتى، منها التعليم والإعلام والاقتصاد، وما يدلل على ذلك سعيها نحو بناء مدارس ومعاهد تعليمية ونُزُل الطلاب في كل أنحاء تركيا، ومع مرور الوقت زاد عدد أعضائها وصار يُنظر لها خارجيا على أنها واحدة من قوى تركيا الناعمة، ورغم ذلك لا تنشئ أحزابا سياسية خاصة بها.

مع الوقت انتقلت الجماعة من داخل تركيا في تأسيسها لهذه المدارس إلى خارجها، واستطاعت في فترة ليست بالقصيرة في الانتشار والتمدد في كثير من مناطق البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وإفريقيا، وكانت مصر واحدة من تلك الدول التي حطت جماعة الخدمة رحالها عليها، وتحديدا خلال فترة حكم الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك، حيث أنشأ عدد من رجال الحركة -كان غالبيتهم ما بين رجال أعمال وأساتذة جامعيين- سلسلة مدارس خاصة على غرار مدارس الحركة في تركيا وغيرها من البلدان التي نشطت فيها، وأسست داخلها مراكزها التعليمية والثقافية.

ثم انتقلت الحركة في مصر، وبتوجيه من الشيخ “جولن”، الذي يقيم في منفاه الاختياري بولاية بنسلفانيا، إلى تأسيس دار نشر “دار النيل” لإصدار مطبوعاته التي تتضمن كتاباته الوعظية وأعمال بديع الزمان النورسي –الصوفي التركي المعروف- إضافة إلى مجلة حراء الدولية، ومنذ سنوات، عقب تعثر العلاقات التركية المصرية، أخذت الحركة في تنوع منتوجها، حيث عملت على تأسيس مراكز تعليمية لتعليم اللغتين العربية والتركية، ومشروعات اقتصادية أخرى وموقع إخباري يحمل اسم “الزمان”.

الكيان الموازي والانقلاب الفاشل في تركيا 2016

عاشت جماعة الخدمة في مصر طوال العقود السابقة في كمون دائم دون أن يتم تسليط الضوء عليها، أو تتجاذبها أدوات الإعلام المختلفة في الداخل والخارج، إلى أن جاءت أحداث محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016 لتضع الحركة في صدارة المشهد الإعلامي العالمي.

اتهمت السلطة السياسية التركية الحركة، واصفة إياها بالكيان الموازي، بالضلوع في تدبير الانقلاب الذي أودى بحياة العشرات من الأتراك، وخلّف كثيرا من الدمار في المباني والمؤسسات الحكومية، وكان قاب قوسين أو أدنى من استهداف الرئيس التركي أردوغان وعدد من طاقم حكومته، وعلى رأسهم رئيس الحكومة آنذاك “بن على يلدرم” ورئيس الاستخبارات “هاكان فيدان” وآخرون، فضلا عما أصاب البلاد من توقف كامل عن الحركة، وقد جاءت هذه التحركات -كما تصرح تركيا- في مجملها بأوامر من الداعية “جولن”، وهو ما نفاه الرجل جملة وتفصيلاً في أكثر من لقاء عقد معه عقب المحاولة الانقلابية.

سارعت القوى الأمنية التركية في توقيف العديد من أعضاء الحركة على خلفية الضلوع في المحاولة الفاشلة وقدم القضاء لائحة الاتهامات التي كان من بينها:

محاولة التنظيم تأسيس كيان موازٍ داخل الدولة يحقق به أهدافه التي يصبو إليها، يفتقر التنظيم للبنية الواضحة والشفافة رغم تقديم نفسه كحركة اجتماعية “مدنية”، تأسيسه لأذرع اتصال، ويستعملون شفرات لغوية بين أعضائه في الداخل تتجاوز محيطها الجغرافي فيما يشبه بالخلايا العنقودية الاستخباراتية تتخطى الأطر المؤسساتية، سواء للدولة الأم أو الدول المضيفة، أسس لبنية هرمية وروابط أيديولوجية وثيقة الروابط وتخضع تعريفاتها وتقسيماتها لسرية تامة، يتلقون أوامرهم التنظيمية من الخارج وتحديدا من قبل كوادر تنظيمية لا تعيش بتركيا، ويلتقون بممثلي ومسؤولي البعثات الأجنبية دون تنسيق مع الدولة التركية، ما يجعل تحركاتهم دوما، سواء داخل تركيا أو خارجها، مدعاة للريبة والشك.

وعن مسؤولية الداعية “جولن” عن المحاولة الانقلابية، ساق الادعاء التركي تصريحات مسؤول الاستخبارات “فيدان” كدليل دامغ على إدانة الرجل، حيث جاء في سير التحقيقات أنه في عشية الانقلاب تم توقيف رئيس الاستخبارات من قبل اللواء حاقان أوريم، قائد قاعدة (IKINGI إكنجى) العسكرية في محاولة لاستمالته باعتبار أن الانقلاب على السلطة السياسية قد نجح، وقرأ بدوره عليه بيان الانقلاب وطالبه بأن يقرأه ومن ثم يبث تلاوته للشعب التركي من خلال التليفزيون الرسمي، الأمر الذي قابله “خلوصي أكار” بالرفض والإصرار التام على معارضته، ما دفع “أوريم” إلى أن عرض عليه اتصالا من الداعية “جولن” يشرح له أسباب الانقلاب ويوضح له الأهداف ومن ثم يقنعه، وهو ما رفضه رئيس الاستخبارات التركي بشدة، واعتبر فيما بعد أحد الأدلة على تورط “جولن” وجماعته في المحاولة الانقلابية الفاشلة، إضافة إلى قرائن اتهام أخرى.

ملاحقة أعضاء التنظيم خارج تركيا

انتهجت تركيا، في سياق مواجهتها الأمنية لحركة “جولن”، مسارا يستهدف أعضاءها، ليس داخل تركيا وحسب وإنما خارجها أيضا، ولعبت الدبلوماسية التركية دورا هاما في هذا الملف عبر التنسيق مع الدول التي تحتضن التنظيم ومؤسساته العلمية والاقتصادية بهدف وقف أنشطتهم وتحييدهم وتسليم المطلوبين على لوائح اتهام قضائية.

 وبقدر ما نجحت تركيا في هذه المحاولات، فإنها شهدت كثيرا من الإخفاقات، مثل ما حدث في قيرغيزستان بـ”آسيا الوسطى”، ولعل فشلها في إقناع الولايات المتحدة بتسليم رأس التنظيم الداعية “جولن”، مثّل أحد أكبر هذه الإخفاقات وعقبة كبرى في مسار الملاحقات الأمنية لأعضاء التنظيم.

وفي مصر أسهمت العلاقات المضطربة بين تركيا ومصر في أن تمثل مصر مركزا رئيسا لتجمع العديد من أنصار التنظيم داخلها، إلا أن هناك ملاحظتين في هذا السياق يجدر الإشارة إليهما لفهم وجود الحركة في الداخل المصري خلال الفترة الفائتة، أولهما:

أن مصر لم تسمح لهذا الوجود أن يمثل تهديدا لتركيا ومصالحها في المنطقة، وانحصر الأمر بقبول استمرارية وجودهم دون أن يصدر منهم ضجيج يذكر، ولم تسمح لهم بإقامة الندوات أو المؤتمرات أو ورش العمل التي تدعو إلى قلب نظام الحكم التركي، وهو أمر وعته تركيا وثمنته جيدا وترجمته في الإسراع نحو التقارب مع مصر، وفتح صفحة جديدة من العلاقات معها.

فيما تمثل الملاحظة الثانية أن التنظيم استمر في القيام بأنشطته الاقتصادية والثقافية التي دأب على ممارستها في مصر منذ عقود دون أن يضيف عليها شيئا يذكر، اللهم إلا بعض التصريحات والآراء التي تنتقد أداء السلطة السياسية التركية في صحف ومجلات ومواقع إلكترونية مصرية.

سيناريوهات متوقعة في سياق التقارب

لا شك أن تركيا ستضع ملف حركة الخدمة في الداخل المصري على رأس أجندة لقاءاتها مع مصر، وفي ذات الوقت يعي الجانب المصري حساسية نظيره التركي تجاه هذا الموضوع، ومن المتوقع أن تطالب تركيا نظيرها المصري -ولو بشكل مبدئي- بوقف نفوذ حركة الخدمة داخل مصر من خلال وضع القيود على المدارس التابعة لها وأنشطتها التجارية والاقتصادية التي تمارسها بعيدا عن الجانب الرسمي التركي بمؤسساته واستثماراته المختلفة.

وهنا أرى أنه لا يمكن مقايضة الجانب التركي نظيره المصري من خلال الإجراءات التي اتخذتها الأولى بوقف برامج فضائية لعناصر الإخوان بوقف أنشطة حركة الخدمة في الداخل المصري، خاصة أن المعارضة التركية داخل مصر لم تستخدم مصر كمنصة لإطلاق معارضتها على أراضيها –كما بينّا سابقا- في مشهد مشابه لما أحدثته قنوات الإخوان ونظائرها مثل الشرق وغيرها.

لن تدخر تركيا جهدا في سبيل تحقيق هذا الهدف، نظرا لما يمثله وجود القائم بأعمال حركة الخدمة في مصر من بعد استراتيجي تنظر إليه تركيا على أنه خطر كامن ومستمر، خاصة أنها تنظر إلى مدارس الحركة في العديد من البلدان الإسلامية، خاصة مصر، بعين الشك، وأنها واجهة فقط لتمدد نفوذها وإعادة تموضعها مجددا لتحقيق أهدافها ورص صفوفها للانقضاض على تركيا، وبذلك يشكل خطرها وتأثيراته أضعاف ما كانت تحدثه برامج الإخوان في الداخل التركي، وهو ما يفسر تحركاتها النشطة في سياق تتبع الحركة وتجفيف منابعها في شتى الجغرافيات التي تنتشر بها، فهو بمثابة هدف لن تحول تركيا وجهتها عنه.

بيد أنه لا يمكن الجزم بإثبات تلك الفرضية أو نفيها، من خلال القول بقبول مصر بطلب تركيا بتحجيم دور حركة الخدمة في الداخل المصري أو نفي ذلك جملة واحدة، وما يمكن قوله إن ربيع حركة “جولن”، والذي عايشته خلال الفترات السابقة، قد يتحول خريفا في الفترة المقبلة على هامش التقارب التركي المصري، والذي سيأخذ –لا شك- أبعادا استراتيجية تنتقل به إلى مرحلة التحالف والاصطفاف الإقليمي، وإن سار ببطء لكنه حتمي، ما سينعكس بشكل كبير على واقع ومستقبل حركة “جولن” داخل مصر، وهو ما يجعلنا نتكهن بالقول إنه منذ الساعات الأولى، التي كشفت عن تقارب تركي مصري، والحركة تبحث عن مسارات جديدة لمعرفة كيفية مواجهتها الضغوطات الأمنية والسياسية المرتقبة والناشئة عن هذا التقارب.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى