دراسات

نظرية “القصف الاستراتيجي”.. كيف تستغل التنظيمات الطائرات المسيرة؟

ظهر مصطلح “حروب الجيل الرابع” أول مرة عام 1989 في الولايات المتحدة، على يد مجموعة من المُحللين والعلماء، وذلك تزامنًا مع تفكك الاتحاد السوفييتي، وكأنهم يشرحون كيف نجحت واشنطن في تفكيك الاتحاد السوفييتي بتكتيكات حديثة.

ومع تنامي خطر التنظيمات الإرهابية وتوسعها في استخدام مختلف التكتيكات العسكرية والأيديولوجية والإعلامية لتنفيذ أهدافها ودعم مصالحها، أطلقت الولايات المتحدة هذا المصطلح على استراتيجيات التنظيمات الإرهابية، كواحدة من أخطر الجهات الفاعلة غير الحكومية، لا سيما أنه حتى وقت قريب كان استخدام القوة الجوية مقصورًا على الجيوش التقليدية التابعة للدول، إلا أن الجهات الفاعلة غير الحكومية، وعلى رأسها الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، صارت تلعب دورًا أكبر في النزاعات المسلحة، خاصة مع انتشار “الطائرات دون طيار، المسيرة” على نطاق واسع، وهو ما يُنذر بتهديدات مُتصاعدة في المستقبل من قبل تلك الجهات.

انطلاقًا من هذا نستعرض أهم محاور الدراسة التي نشرتها “مبادرة بحوث الإرهاب” في نوفمبر 2020 في مجلة Perspectives on Terrorism”” تحت عنوان “هل نُقلت حروب الجيل الرابع للسماء؟: استكشاف تجريبي لاستخدام الجهات غير الحكومية للمركبات الجوية المسلحة بدون طيار”. وقد حاولت هذه الدراسة الإجابة على تساؤل رئيسي مفاده: ما الذي يُميِّز استخدام الجهات غير الحكومية للطائرات المسيرة المسلحة في عملياتها؟ وبالتبعية تتعرّض الدراسة لثلاثة أسئلة فرعية حول عمليات التنظيمات الإرهابية كنموذج للجهات الفاعلة غير الحكومية، الأول: هل يتم تحديد الأهداف بشكل عشوائي؟ والثاني: هل هناك تركيز على حجم الخسائر المُستهدفة؟ والثالث: هل تُفضِل الأهداف السهلة عن الصعبة؟ 

تصاعد التهديدات

قدم “مارتن فان كريفيلد” في كتابه “The Transformation of War” عام 1991 تصورًا مختلفًا للحروب عن ذلك الذي قدمه المؤلف العسكري الكلاسيكي “كارل فون كلاوزفيتز” حول الحروب الدائرة في الأساس بين الإمبراطوريات والأمم.

أكد كريفيلد أن النزاعات المسلحة في المستقبل ستكون غير وطنية، وعبر وطنية، وهو ما تشهده بالفعل ساحات الصراع والحروب المعاصرة، بانخراط شركات الأمن الخاصة والميليشيات المختلفة والجهات الفاعلة غير الحكومية (الدينية والأيديولوجية) التي تستخدم التكتيكات التقليدية وحرب العصابات في عملياتها المسلحة.

استخدام داعش للطائرات المسيرة في قصف القوات العراقية- إصدار سابق للتنظيم

وقد دعا العلماء العسكريون دولهم لتكييف قواتها التقليدية وفق مُستجدات وتطورات العصر مع استراتيجيات “حروب الجيل الرابع” والاستغناء عن الحروب قصيرة الأجل لمواجهة خطر تصاعد تهديدات الجهات غير الحكومية، خاصةً مع تكييف الأخيرة لتكتيكاتها مع تلك الاستراتيجيات.

تُشير الأدبيات السابقة إلى أن استخدام الجهات الفاعلة غير الحكومية للطائرات المسيرة يعود إلى عام 2006، بدايةً من استخدام حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) لها، لتتوسع في استخدمها بعد ذلك تنظيمات أخرى، كـ”حزب الله” و”الحوثيين” و”جبهة الشام” و”القاعدة” و”داعش”، خاصة بعد أن تحولت هذه الطائرات إلى مُنتج تجاري لا تتجاوز تكلفته المبدئية -قبل تطوير قدراته الهجومية- الألف دولار أمريكي، لا سيما مع تميزه بفاعلية في المراقبة والعمليات الدفاعية والهجومية، لما يوفره للمستخدمين من أمان بسبب مسافته البعيدة عن الأهداف، مما يُسهِم في الحد من الخسائر البشرية، ويضمن التوسع في نطاق الهجوم.

يُشار في هذا السياق إلى أن الجهات الفاعلة غير الحكومية -كالتنظيمات- كانت سابقًا تستخدم الطائرات المسيرة لأغراض المراقبة والاستطلاع فقط، كونها أقل تقدمًا من تلك التي تستخدمها الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكن في السنوات الأخيرة أقبلت الجهات الفاعلة غير الحكومية على التسلح بتلك الطائرات بقدرات وإمكانيات أعلى، للتحرك بشكل أسرع والانتشار بصورة أوسع، بما يساعد في إسقاط المتفجرات والصواريخ وإطلاقها جوًا على الأهداف، حيث شهد أواخر عام 2018 تصاعدًا ملحوظًا في عمليات الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، الشاملة للمجال الجوي باستخدام سلاح الطائرات المسيرة.

نظرية “القصف الاستراتيجي”

قدّم الضابط والاستراتيجي العسكري الإيطالي “جوليو دوهيت” في عام 1929 دراسة بعنوان: “قيادة الهواء”، والتي ادعى فيها أن التفوق العسكري في السماء أمر حاسم وسيؤدي إلى النصر، سواء بتدمير الروح المعنوية للعدو، أو البنية التحتية، أو الاقتصاد، أو كل ذلك.. فهذه النظرية، التي تُسمى نظرية “القصف الاستراتيجي”، تفترض أن السكان المُعرضين لتهديدات القصف الجوي سوف يطالبون حكوماتهم بتغيير سياستها لإزالة هذا الخطر وحمايتهم، مما سيؤثر بشكل غير مباشر في صنع القرار السياسي.

إلا أن العديد من الأحداث التاريخية قد أثبت خطأ تلك النظرية، حيث لم تتحقق نظرية “القصف الاستراتيجي” في حرب هتلر ضد بريطانيا، ولم تتحقق كذلك عندما قصفت الولايات المتحدة وبريطانيا ألمانيا، فقد أنفقت بريطانيا على حملة القصف الاستراتيجي ضد ألمانيا أكثر ممّا تكبدته ألمانيا من خسائر جرّاء القصف.

وفي حين لم تتوفر إلا أدلة تاريخية قليلة على مدى نجاح نظرية “القصف الاستراتيجي” بالنسبة للقوى التقليدية، تُركز هذه الدراسة على استكشاف تلك النظرية، لكن هذه المرة بالنسبة للجهات الفاعلة غير الحكومية.

وفيما يلي سيتم تقديم الإحصائيات الوصفية لمجموعة البيانات الكاملة الخاصة بـ(440) عملية قامت بها الجهات الفاعلة غير الحكومة، وتم رصدها من عدة مصادر، أبرزها وأهمها قاعدة بيانات الإرهاب العالمي (GTD)، ومجموعة “نيك ووترز” المحلل في صحيفة Bellingcat، إضافة إلى سلسلة من البحوث الواسعة الإلكترونية عبر الإنترنت عن المقالات والتقارير الإخبارية المُتاحة بشكل دوري عن تلك العمليات، وذلك على النحو التالي:

أولاً: الموقع الجغرافي

ثانيًا: طبيعة الأهداف

  1. نوع الأهداف

2 – مستوى مستوى تأمين الأهداف

رغم صعوبة رسم الخط الفاصل بين الأهداف الصعبة والأهداف السهلة، فإنه بصفة عامة تُعتبر الأهداف الصعبة هي محل التركيز من الجهات المهاجمة، فهي الجهات الأكثر تأمينًا كالقواعد العسكرية والمطارات، بينما تُعتبر الأهداف السهلة، كالأسواق والمؤسسات التعليمية وغيرها، أقل استهدافاً، فهي الأقل تأمينًا وتتميز بارتفاع احتمالية وقوع إصابات جسمية بين المدنيين في حالة نجاح الهجوم، والاعتداء عليها غالبًا ما تحركه دوافع أيديولوجية ودينية.

ثالثًا: الخسائر البشرية

رابعًا: الجهات الفاعلة غير الحكومية المسؤولة عن تنفيذ العمليات

خامسًا: عدد الطائرات المسيرة التي قامت بالعمليات

سادسًا: نتائج العمليات

بالنسبة لهذا المُتغير، تم استخدام كلمة “نجاح” للإشارة إلى ما إذا كانت الطائرة المسيرة قد وصلت إلى هدفها، أم أسقطتها الدفاعات الجوية.

استنتاجات وملاحظات

  1. وقع ما يُقارب 98.9% من الهجمات بين أغسطس 2016 ومارس 2020، مما يجعل استخدام الجهات الفاعلة غير الحكومية للطائرات المسيرة ظاهرة حديثة في ساحة الصراعات والحروب الدولية.
  2. تختار العديد من الجهات الفاعلة غير الحكومية أهدافًا بشكل تمييزي عند استخدام الطائرات المسيرة، ويفضلون الأهداف الصعبة عن الأهداف السهلة، لذلك لم تتسبب العمليات في خسائر جسيمة، لا سيما بين السكان والمدنيين.
  3. تُشير النتائج الإحصائية التي توصلت لها الدراسة إلى أن عمليات الطائرات المسيرة المسلحة ليست مُنتشرة أو مُدمرة بالقدر الذي يكفي لدفع السكان المُتضررين إلى المطالبة بالتغيير السياسي من حكامهم لضمان البقاء، ومن ثَمَّ، تم دحض نظرية “القصف الاستراتيجي” -مرة أخرى- لكن هذه المرة بالنسبة للجهات الفاعلة غير الحكومية وليس من قبل القوات التقليدية فقط.
  4. في حين لا تزال هناك اختلافات تقنية بين الطائرات المسيرة التي يتم استخدامها من قبل الولايات المتحدة وروسيا والقوى الكبرى الأخرى، وتلك التي تستخدمها الجهات الفاعلة غير الحكومية، إلا أن الاختلافات العملية آخذة في التقلص بشكل ملحوظ، مما يُعيق مواجهة سلاح الطائرات المسيرة، خاصة من قبل القوات البرية، والقوات المُكلفة بحماية المنشآت العسكرية والبنى التحتية المدنية وغيرها من الأهداف، سواء الصعبة أو السهلة.
  5. تعتمد النتائج الواردة في هذه الدراسة على التقارير “المتاحة” بشأن عمليات الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تضمنت استخدام الطائرات المسيرة، ويُعرف هذا بمشكلة “استخدام المصادر المفتوحة في أبحاث الإرهاب”، خاصة فيما يتعلق بصحة البيانات وموثوقيتها. فالحوادث التي تتسبب في أكبر عدد من الضحايا أو الخسائر، تحظى باهتمام إعلامي أكبر من غيرها، وهو ما قد يتسبَّب في تضليل تقارير وسائل الإعلام، وبالتالي التأثير على دقة النتائج والتحليلات، ناهيك بتحيزات بعض المصادر وتعمدها نشر معلومات مغلوطة تمس مصادقية البحوث والإحصائيات.
  6. تُثير النتائج التي توصلت إليها الدراسة مزيدا من الأسئلة حول مدى إسهام الطائرات المسيرة في تشكيل “حروب الجيل الرابع” مستقبلا، ومدى قدرة الجهات الفاعلة الحكومية على الدفاع عن الأهداف، الصعبة أو السهلة، ضد الطائرات المسيرة، داخل وخارج مناطق الصراع النشطة، وبأي تكلفة يمكن أن يتم ذلك.

ختامًا، تواجه المؤسسات العسكرية ووكالات مكافحة الإرهاب تحديًا جديدًا، بشأن كيفية وقف انتشار ظاهرة استخدام الطائرات المسيرة المسلحة من قبل الجهات الفاعلة غير الحكومية، لا سيما أن السعر المنخفض والتوافر واسع النطاق لتلك الطائرات يفتحان المجال بسهولة أمام الجهات الفاعلة غير الحكومية، خاصة التنظيمات الإرهابية منها، للوصول إلى هذه التكنولوجيا الحديثة. فعلى الرغم من أن هجمات تلك الطائرات إلى الآن لم تؤد إلى وقوع خسائر جسيمة، إلا أن حجم تأثير تلك الظاهرة على الرأي العام، وعلى سياسات الدول الاستراتيجية، يتوقف في المستقبل على إمكانية تغير نمط تفضيلات تلك الجهات من حيث جغرافيا الأهداف وطبيعتها، وعلى مدى قدرة تلك الجهات على التكييف مع التقنيات التكنولوجية المتطورة لسلاح الطائرات المسيرة.

المصدر: (اضغط هنا)

آمنة فايد

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى