قصص وتحقيقات

نفايات لا تحتضنها الأرض.. أخطار فادحة لـ”اللبان” على البيئة والاقتصاد

منذ الرابعة من عمرها، اعتادت هدير حسن مضغ اللبان لأكثر من مرة يوميًا.. تغيرت دوافعها تجاه تلك الحلوى بين الترفيه وصنع الفقاعات في الصغر، أو كوسيلة للتخلص من ضغوط الحياة اليومية في مرحلة المراهقة والشباب.

لم تكن تعلم أن العلكة/اللبان تعد واحدة من النفايات المنزلية الصلبة، وثاني أكثر أشكال القمامة انتشارًا على مستوى العالم بعد أعقاب السجائر، ولم يجر التخلص الآمن من 80% إلى 90% لبقاياها بشكل صحيح.

وتقدر كمية العلكة الممضوغة سنويًا بـ250 ألف طن.. وتعتبر إيران والمملكة العربية السعودية الأعلى في استخدامها على مستوى العالم، فيما يستخدمها 80% من سكان أوروبا والولايات المتحدة بشكل منتظم.

وقد أظهرت البيانات الحكومة البرازيلية لعام 2017 أن كل شاب من البرازيل يستهلك 160 وحدة سنويًا وتضم البرازيل 51 مليون شاب.. وبالجملة يستخدم أكثر من 60% من المراهقين ما بين قطعة إلى أربع قطع علكة يوميًا، وقد بلغت تجارة العلكة في 2019، على مستوى العالم، 30 مليار دولار.

فيما يخص مصر، فلا توجد أي إحصائيات واضحة عن استهلاك العلكة، لكن وفقًا لشركة “جلوبال داتا-Global Data” المتخصصة في أبحاث السوق، سجل سوق العلكة في مصر نموا سنويا مركبا بنسبة 12.91٪ خلال الفترة بين 2014 و2019، بقيمة مبيعات بلغت 143 مليون جنيه مصري في 2019، بزيادة قدرها 7.77% عن 2018.

نفايات اللبان

لماذا اللبان مُضر بالبيئة؟

سجلت العلكة كبراءة اختراع ثم طُرحت في الأسواق لأول مرة عام 1866، وكان المكون الرئيسي للمنتج هو “التشيكل المكسيكي – chicle” وهو عبارة عن صمغ طبيعي يستخرج من شجرة تحمل نفس الاسم.

لكن سرعان ما استبدلت الشركات المصنعة متعددة الجنسيات، الصمغ الطبيعي بمخاليط صناعية مشتقة من البترول، ما نتج عن ذلك العلكة التي تستغرق للتحلل 5 سنوات على الأقل، وتتسبب في أضرار بيئية كونها مصنوعة من البوليمرات والراتنجات الصناعية والمواد البلاستيكية والنكهات والمواد الحافظة، حسبما أورد الموقع الرسمي للبرلمان الأوربي وموقع جامعة بيردو بولاية إنديانا في الولايات المتحدة.

وبيّن التقرير الـ11 الصادر عن البرنامج الوطني الأمريكي لعلم السموم، والذي تناول المواد المسرطنة، أن العلكة مزيج بلاستيكي ضار على البيئة والإنسان، وتحتوي على مادة هيدروكسيانيسول (hydroxyanisol BHA) الحافظة والمدرجة كمواد مسرطنة محتملة.

تحلل اللبان
تحلل اللبان يحتاج لخمس سنوات (دليل الأرض)

التثقيف البيئي

“ماكنتش متخيلة أن موضوع اللبان دا طلع كبير كدا”.. اندهشت هدير حسن (32 عامًا) عندما علمت بالآثار الضارة للعلكة على البيئة، والتكلفة الباهظة لإزالة بقاياها الملقاة على الأرصفة والشوارع، إذ تحتاج كل قطعة يورو واحدا على الأقل للتخلص منها، ما يلزم مئات المليارات سنويًا في الدولة الواحدة، فعلى سبيل المثال تنفق إيطاليا سنويًا 240 مليار يورو للتخلص من نفايات اللبان.

نفايات العلكة

ليست “هدير” وحدها التي تجهل الآثار البيئية الضارة لبقايا العلكة.. وقد شددت عدة أوراق بحثية على أهمية التثقيف البيئي حول أضرار نفايات العلكة، بداية من توعية الصغار والمراهقين بتلك القضية.. من ذلك ورقة بحثية نشرت في المجلة العلمية “MedCrave”، سعت لتثقيف طلاب المدارس بالآثار البيئية الناتجة عن التخلص غير السليم للعلكة الممضوغة، وذلك عبر إشراك هؤلاء الطلاب في متابعة التغيرات الفيزيائية لبقايا 18 قطعة علكة بسكر و18 قطعة دون سكر لمدة 6 أشهر.

توصلت نتائج الدراسة المنشورة في نوفمبر 2018 إلى أن مشاركة الطلاب ساعدتهم على فهم العديد من المصطلحات البيئية والفيزيائية، وزادت وعيهم البيئي فيما يتعلق بنفايات العلكة وخطرها على البيئة.

في سياق متصل، عملت دراسة منشورة في مجلة “International Journal of Development Research” على توعية طلاب المدارس للتخلص الصحيح من بقايا العلكة بدلًا من وضعها أسفل المكاتب والطاولات، وإشراك الجهات الفاعلة للإسهام في تلك القضايا البيئية، وذلك بتطبيق استمارات استبيان تتضمن نفس الأسئلة، توجه للطلاب قبل وبعد الحملة التوعوية المطبقة من قبل معهد العلوم الدقيقة وعلوم الأرض التابع لجامعة Passo Fundo University البرازيلية.

وجدت الدراسة أنه بعد الحملة انخفض معدل استهلاك العلكة لدى الطلاب بنسبة 5%، بينما زاد عدد الطلاب الذين يضعون نفايات اللبان في الحاويات المخصصة لها بنسبة 20%، وانخفض معدل لصقه أسفل الطاولات بنسبة 7%، كما ازدادت معرفة الطلاب بأن العلكة من النفايات الصلبة القابلة للتحلل بنسبة 69%.

هل تنتقل بكتريا الفم لنفايات اللبان؟

درس بحث منشور في مجلة “ساينتيفك ريبورتس” المحتويات البكتيرية لبقايا اللبان الممضوغ، ومن ثم التعرف على التعاقب الجرثومي الذي يحدث بالعلكة من خلال تركها في الهواء الطلق لمدة 3 أشهر.

وبتحليل ثماني عينات من العلكة في كل من إسبانيا وفرنسا وسنغافورة واليونان وتركيا، توصل البحث إلى أن الجراثيم الفموية تظل في العلكة بعد مضغها لعدة أشهر، من بينها أنواع من البكتيريا العقدية والبكتيريا الوتدية.

بكتيريا الفم
تنتقل بكتيريا الفم عبر العلكة الممضوغة

يعلق محمد سباق، الأستاذ بقسم الميكربيولوجي والمناعة في كلية الصيدلة جامعة بني سويف، على البحث، موضحًا أن بعض عائلات البكتيريا التي وجدها البحث في عينات اللبان، تعد أنواعًا خطيرة.. مع ذلك، قال إن ما تمثله تلك الخطورة على البيئة، يعد ضئيلًا.

يشرح الأستاذ الجامعي الحاصل على الدكتوراه من جامعة ستراثكلايد البريطانية، أن نسبة الخطر المحتمل من انتقال البكتيريا الموجودة على العلكة الممضوغة للبيئة، لا تزيد على 3%، لكنه يوصي بشدة بعدم إلقاء العلكة في الشوارع، خاصة في ظل انتشار وباء كورونا.

العلكة الطبيعية.. البديل الآمن

تطرقت بعض الدراسات والأبحاث التي نفذتها شركات مصنعة للعلكة، بالإضافة لمنظمات بيئية، إلى حلول بديلة للتخلص من الآثار الضارة لنفايات العلكة على البيئة. من هذه دراسة منشورة في مجلة “Journal of Polymers and the Environment”، اقترحت تطوير علكة طبيعية تعتمد على مادة الراتنج الطبيعية المستخلصة من أشجار الفستق البري، كمصدر للبوليمرات الحيوية، بديلًا عن المصنعة.

الدراسة المنشورة في يونيو 2018، اختبرت بواسطة مجهر المسح الإلكتروني، تحلل العلكة عبر دفنها في التربة، لتتوصل إلى أن العلكة الطبيعية قابلة للتحلل البيولوجي في البيئة بعد 20 أسبوعًا فقط، كما أنها مضادة للميكروبات، وقابليتها للاتصاق أقل بكثير مقارنة بالعلكة الصناعية التي تبقى في البيئة لسنوات طويلة.

تواصلنا مع محمد حسين، الباحث الرئيسي في الدراسة، والحاصل على دكتوراه في علوم وتكنولوجيا الغذاء من جامعة ساري للعلوم الزراعية والموارد الطبيعية بإيران، ليؤكد أن العلكة الطبيعية المقترحة، طُرحت بالفعل في السوق الإيرانية.

وأوضح أن تلك العلكة تتلف نهائيًا خلال ثلاث سنوات، على عكس العلكة الصناعية التي تحتاج إلى سنوات طويلة، فيما تصبح العلكة الطبيعية قابلة للتحلل البيولوجي خلال 20 أسبوعًا فقط.

صورة من الدراسة عن مراحل تصنيع العلكة العضوية
صورة من الدراسة عن مراحل تصنيع العلكة العضوية

كانت العديد من الشركات المصنعة بدول العالم اتجهت لاستبدال العلكة الصناعية بالعلكة العضوية، واستبدال مادة تشيكل (chicle) الصبغية بمادة البولي أيزوبوتين، وهي نوع من البوليمرات الطبيعية غير المضرة بالبيئة.

بديل آخر للعلكة الصناعية متواجد بالفعل في بعض الأسواق، منها السوق المصرية، يطرحه خالد مصيلحي، الأستاذ المساعد في كلية الصديلة جامعة القاهرة، وهو لبان الداكار المكون من مواد طبيعية كالصمغ والراتنج، ويضاف عليه أحيانًا نكهات طبيعية.

لكن المشكلة الأساسية التي تواجه البدائل الطبيعية، هي ارتفاع تكلفتها، فبحسب مصيلحي، يصل سعر كيلو لبان الداكار إلى 400 جنيه، لذا يحث الأستاذ المساعد في قسم العقاقير، المؤسسات المعنية بالحفاظ على البيئة، ودعم أبحاث لتطوير العلكة الطبيعية لتكون بديلًا مناسبًا للصناعية.

إعادة التدوير.. حل بديل لكن مكلف

حل آخر لجأت إليه بعض المشاريع الخضراء، يتمثل في إعادة تدوير العلكة إلى منتجات عدة.. من هذه المشاريع منظمة “Gumdrop Ltd” البريطانية، التي أعادت تدوير نفايات العلكة إلى أغطية هواتف محمولة وأدوات مكتبية وصناديق متعددة الاستخدامات، كما مولت الشركة، مصممة الأحذية آنا بولس، للعمل على إعادة تدوير العلكة إلى أحذية في عام 2018.

    في مصر، يمثل التعامل مع العلكة كمخلف بيئي، تحديا كبيرا، بسبب التكلفة المرتفعة، كما قال محمد كمال، إخصائي إدارة المخلفات الصلبة.

    لكن ماذا عن حلول إعادة التدوير؟

    كمال، الحاصل على ماجستير في إدارة الصحة العامة من جامعة ليدز البريطانية، يرى أن هذا الحل في مصر قد يصل إلى درجة الاستحالة، موضحًا: “محتاج لجمع طن على الأقل لإعادة التدوير، وهي عملية مكلفة جدًا”.

    لكنه في المقابل يطرح ثلاثة حلول بديلة: الأول تقنين استخدام العلكة كما في سنغافورة.. ومع ذلك يعتبر أن هذا الحل قد يكون تنفيذه صعبًا.

    الحل الثاني خاص بالمصنع، ويتمثل في استخدام البوليمر الطبيعي القابل للتحلل، أما الحل الثالث فهو استخدام جهاز “Materials recovery facility” الذي يفصل المخلفات قبل تدويرها.

    ويشير “كمال” إلى أن هذا الجهاز نادر الوجود في مصر، ولا يستخدم إلا لفصل المخلفات الكبيرة، دون المخلفات الصغيرة مثل أعقاب السجائر وبقايا اللبان.

    بالعودة إلى هدير حسن، التي تعمل في مجال صناعة المحتوى، فقد أعربت عن دهشتها بعد اطلاعها على الأضرار المختلفة للعلكة على البيئة، ومع ذلك، تجد صعوبة في التخلي عن مضغ اللبان، لكنها قررت اتباع أسلوب أكثر أمانًا للتخلص من بقايا اللبان بوضعه في كيس قمامة مخصص، وهو ما اقترحته منظمات معنية بالبيئة، أي تخصيص حاويات لنفايات العلكة، لتفادي التكلفة الاقتصادية لرميها في الشارع.

     


    ينشر هذا التقرير ضمن مشاركة الصحفية سمر حسن في ورشة الصحافة العلمية، من خلال مشروع “الصحافة والعلوم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، وهو أحد مشروعات معهد جوته الذي تموله وزارة الخارجية الألمانية.

    سمر حسن

    صحافية مصرية

    مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى