نقاب اللاجئين لتغطية وجه الهزيمة التركية

إدريس الكنبوري

كاتب مغربي

في كل مرة ترغب فيها تركيا بمخاطبة أوروبا أو ابتزازها تلتفت إلى جارتها اليونان، فهي بوابتها لإيصال الرسائل السياسية المشفرة إلى الاتحاد الأوروبي، لترتفع درجة استجابة الاتحاد للابتزاز التركي تبعا لاستقرار أو اضطراب الأوضاع.

لا توجد أزمة اليوم أكبر من الأزمة السورية التي صدرت إلى تركيا حصة من المشكلات، لكنها صدرت معها أيضا حزمة من الإمكانيات السياسية لمناكفة الأوروبيين.

بعد ما يزيد عن أربع سنوات على أزمة المهاجرين الأولى التي اندلعت عام 2015، حينما حرضت تركيا الآلاف من اللاجئين للزحف نحو الحدود مع اليونان بهدف دخول أوروبا، عادت أنقرت للضغط مجددا عبر استعمال ورقة اللاجئين التي ينص القانون الدولي على أنها ذات طابع إنساني، لكن تركيا حولتها إلى ورقة سياسية لانتزاع مكاسب اقتصادية.

يوجد فوق التراب التركي ما يزيد على أربعة ملايين لاجئ سوري، غالبيتهم العظمى من السوريين. اضطرتهم الحرب إلى مغادرة بلدهم واللجوء إلى تركيا، معولين على تضامن حزب العدالة والتنمية الذي رفع رئيسه رجب طيب أردوغان مع بداية الأزمة في سوريا عام 2011 شعارا إنسانيا للترحيب باللاجئين، قبل أن ينقلب عليهم فيما بعد ويجعل منهم أداة.

ففي عام 2015، مع بدء التحول في الأزمة السورية لجأ أردوغان إلى استخدام ورقة اللاجئين ضد بلدان الاتحاد الأوروبي، الذي يبدو دائما شديد التخوف من الهجرة غير القانونية وغير المحسوبة القادمة من جنوب المتوسط، خصوصا من مناطق النزاع.

والواقع أن الرئيس التركي تعامل بطريقة براغماتية وانتهازية، بدفع اللاجئين المتعبين الذين انتزعتهم الحرب من بلدانهم، نحو البلدان الأوروبية، في الوقت الذي كان اليمين المتطرف في أوروبا يزداد تناميا مع تصاعد الهجمات الإرهابية في أكثر من بلد، وارتفاع نسبة الاعتداءات ضد المسلمين.

وقتها أراد أردوغان ضرب عصفورين بحجر واحد، من ناحية أولى الحصول على دعم مالي سخي من الأوروبيين، المستعدين على الدوام للدفع مقابل تخليصهم من كابوس المهاجرين غير الشرعيين، ومن ناحية ثانية ـ وهذا هو الأهم ـ الحصول على الدعم السياسي الأوروبي بالملف السوري في مواجهة روسيا.

 حصّل أردوغان هدفه الأول، حين قدم له الاتحاد الأوروبي مساعدات مالية قُدرت بنحو ستة ملايين يورو، بموجب اتفاق تم التوقيع عليه في بروكسل عام 2016، ونص على إبعاد اللاجئين الجدد المتدفقين على الحدود مع اليونان إلى تركيا، والإسراع بسداد المساعدات لأنقرة.

بيد أن أردوغان لم يحصل على ما يريد بالأساس، وهو الدعم السياسي، ما دفعه إلى الارتماء في الحضن الروسي، نكاية في الأوروبيين، حيث انخرط مع موسكو في تسوية سياسية انتهت بتوقيع اتفاق الأستانة عام 2017 الذي سمي “اتفاق وقف التصعيد”، وقضى بإنشاء مناطق آمنة داخل الحدود السورية، بما في ذلك منطقة إدلب.

وفي ضوء التحولات الأخيرة في الملف السوري، واختلال ميزان القوة لغير صالح تركيا، التي تلقت ضربة قاصمة، متمثلة في مقتل 33 من الجنود الأتراك بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا (حملت أنقرة المسؤولية في قتلهم إلى دمشق) أرادت تركيا توجيه دفة الأحداث وإثارة أزمة جديدة مع الاتحاد الأوروبي عنوانها اللجوء والهجرة، فتركيا، منذ أن نسجت علاقة تحالف مع النظام الروسي كنوع من الانتقام من الاتحاد الأوروبي، الحليف الطبيعي للأتراك من الناحية النظرية، دخلت أنقرة في عزلة سياسية حقيقية، وزاد الأمر استفحالا بعد تيقنها بأن روسيا تساند النظام السوري ولا تريد التفريط في بشار الأسد، ما جعل جميع رهانات أردوغان تسقط تباعا كحبات السبحة.

هكذا دفعت تركيا بعشرات الآلاف من اللاجئين السوريين وغير السوريين إلى الحدود مع اليونان وقبرص، وهدد أردوغان الاتحاد الأوروبي علنا حين قال إنه على الأوروبيين أن ينالوا حصتهم من الأزمة، غير أن الاتحاد الأوروبي هذه المرة كان أكثر صرامة وحسما، فقد رفضت البلدان السبعة والعشرون للاتحاد استعمال اللاجئين ورقة سياسية للضغط، وأعلن وزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي، الذين عقدوا لقاء طارئا قفي “زغرب” هذا الأسبوع، أن الحدود الأوروبية مغلقة في وجه المهاجرين ولا داعي للمحاولة.

يرمي النظام التركي بمثل هذه المحاولات إلى جلب التأييد الأوروبي له في موقفه من النزاع السوري، والدعم في مواجهة روسيا، والتغطية على الهزائم المتوالية التي تراكمت من جراء التدخل العسكري في سوريا، فقد فضح مقتل الجنود الأتراك في إدلب على يد القوات السورية حدود القوة التركية، وكشف زيف ما كان يلوح به أردوغان من انتصار سريع على الجبهة السورية، وهشاشة المبررات القومية التي كان يدغدغ بها مشاعر المواطنين الأتراك للموافقة على تورط بلادهم في حرب كلفتهم الكثير، اقتصاديا وسياسيا وديبلوماسيا.

 يبدو النظام التركي اليوم على أعتاب أزمة قاسية على الصعيد الإقليمي والدولي، كما أصبح مستقبل حزب العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان على المحك بسبب المغامرات العسكرية والسياسية التي جر إليها البلاد في الأعوام الأخيرة، إلى جانب التخبط في انحيازاته السياسية، من دعم داعش بطريقة غير مباشرة عبر السماح لمقاتلي التنظيم الإرهابي بدخول الأراضي التركية بكل حرية والمرور عبرها إلى التراب السوري، لينقلب في الأخير ويبدأ في محاربة الجماعات المسلحة بدعوى محاربة الإرهاب.

نتيجة لذلك لا أحد يثق حقا في أنقرة، إذ ليس مفهوما ما إن كانت حربه تلك لمواجهة الإرهاب حقا أم للتوسع واستعمال الجماعات المسلحة ذريعة للغنيمة، بمثل ما يفعل في قضية المهاجرين.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram