وجهات نظر

نقدا للاستثنائية الأمريكية (1): الإيمان بالمستقبل يغير مصائر الدول

أنس القصاص

باحث في الشؤون الإستراتيجية والدولية والمستشار السابق بالأمم المتحدة

 

انتهت الحرب العالمية الأولى بعدة دروس قاسية ألهمت فيما بعد النظام العالمي الجديد الذي نشأ في فترة ما بين الحربين وتوطَّد بنتائج الحرب العالمية الثانية.

كان من بين أهم الدروس الأشد قسوة في تلك الحرب أن القوة الميكانيكية الخشنة للدول ليست الأكثر أهمية في بناء دول تصلح للاستمرار وتنافس على قيادة العالم، لكن مشروعًا يرتكز على أسس فلسفية عميقة توازن بين منطق القوة والسلطة والدولة والمجتمع يمكن أن يقوم بهذا الدور، خاصة في عصور الفراغ والتحول.

ويمكن بمنتهى السهولة الوصول لهذه النتيجة إذا ما نظرنا بمقارنة بين نموذجي إمبراطور ألمانيا فيلهيلم الثاني والرئيس الأمريكي وودرو ويلسون.. إنهما يشكلان نموذجين متناقضين ومتشاكسين يمثل كل منهما عالمًا مختلفًا: الأول استمرار لإمبراطوريات أوروبا ما بعد النابليونية التي يشكل فيها قُطر المدفع وحجم الجيش ونظريات الميكانيكا والقدرات التعدينية للدول فارقًا ضخمًا في حسم الصراعات، في حين يمثل مشروع ويلسون المستقبل الذي يريد وضع حد لإمبراطوريات أوروبا المتآكلة، والتي اعتبر نموذجها الأحفوري مثل الإمبراطورية النمساوية الهنجارية، خليفة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي حكمها آل هابسبورج وعبروا بها من قلب العصور الوسطى حتى القرن العشرين، أقرب ما يكون لكبسولة تاريخ مثل تلك المعروفة في سلاسل الخيال العلمي للسفر عبر الزمن.

لقد كانت تلك الإمبراطوريات الأرووبية تنتمي إلى أزمان بعيدة تمامًا عن الزمن الذي وقعت فيها الحرب العالمية الأولى وظهرت فيه أمة المهاجرين تلك التي سعت لتغيير وجه العالم ونجحت في ذلك.

مثل فيلهيلم الثاني وفرانز جوزيف، كان رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو ينادي بتدمير ألمانيا وكسر إرادتها وبعثرت نفوذها بين الدول الأوروبية حتى لا تقوم لها قائمة، في دعوة أقرب لدعوة كليمنس فون مترنيش في مؤتمر فيينا قبل قرن من الزمان.

كان هذا الحل ينتمي إلى نفس المدرسة الفلسفية الأقرب لأفكار النخبة السياسية الأوروبية في القرن الخامس عشر على أقل تقدير.

خسر الجميع وفاز ويلسون بسبب المشروع الجديد القادم من المستقبل.. هذا هو الدرس الأهم من الحرب العالمية الأولى.. مشروع جديد يكسب متعاطفين، خاصة من قبل القوى المجتمعية التي خط لها مشروع ويلسون دورًا رياديًّا في تشكيل هذا المستقبل، جنبًا إلى جنب مع النخب الرسمية.

على غير بعيد من هذه الفترة، آمن جورج الخامس بالإمبراطورية البريطانية وعاش حياة من الإخلاص الجاد للعرش والعائلة وكان سببًا في توحيد الإمبراطورية رغم دعاوى الانفصال، ورآه شعبه وبعض شعوب الإمبراطورية بمسحة صوفية نادرة على أنه تجسيد لميثولوجيا أنصاف الآلهة.

في المقابل، كفر ابنه، إدوارد الثامن، بالإمبراطورية، واختار الحب على العرش فاهتز العرش هزة لم يستطع التعافي منها حتى اليوم.. كان وينستون تشرشل يساعده كثيرًا في صقل مهاراته البلاغية والخطابية، لكن إدوارد كان يفتقد أمورًا أخرى غير الخطب، ومع ذلك، فلم يستطع جورج الخامس مد جسور إمبراطوريته وإطالة أمد وجودها بعد موته، وسرعان ما بدأت الإمبراطورية تتصدع ولم يوارِ جسده التراب بعد.

كان الإيمان عاملاً مهمًّا في بقاء الإمبراطورية أيام جورج الخامس، لكن الإمبراطوريات لا تعيش بالأشخاص بل بالأفكار.

خرجت إمبراطورية لندن، التي لم تغب عنها الشمس لقرون عديدة من لعبة الكبار مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي شكل العالمَ بعدها محوران كان للصراع بينهما العامل الحاسم في تشكيل وجه العالم قرابة أربعة عقود ألا وهما: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

تمامًا كما كان لموت جورج الخامس الأثر الكبير في انتهاء الإمبراطورية البريطانية، كان لموت ستالين ثم خروتشوف الأثر الأبرز في التداعي المبكر للاتحاد السوفييتي مع بدايات بريجنيف، وذلك لعدم قدرة الحزب الشيوعي السوفييتي على تسطير رؤية مغايرة لرؤى زعيم الحزب الذي يحكم الحزب ومن ورائه الاتحاد بقبضة من حديد، ولا يجرؤ أحد كائنًا من كان معارضة الزعيم، وهو ما همّش دور الحزب وسار بالبلاد من شمولية الحزب إلى ديكتاتورية الفرد.

على الجانب الآخر، ومنذ عشرينات القرن الماضي، يروّج ساسة الولايات المتحدة لما يعرف بـ “الحلم الأمريكي”.. هذا الحلم قد سلب ألباب الكثيرين رغم أنه لم يتحقق أبدًا.. لكن وجود الخصم الصلد العتيد كان يعطي الولايات المتحدة كل مرة فرصًا ذهبية لتروّج لحلمها الأقرب ليوتوبيا أفلاطونية محلها الكتب وقاعات السينما.

ومع انهيار الخصم، حدث انكشاف إستراتيجي لهذا الحلم الذي استمر لعقود، ولم تتمكن الولايات المتحدة حتى النجاة بنفسها من براثن الفوضى والصراعات المركبة في أعلى هرم السلطة وحتى طرقات شوارعها، وهو ما ظهر جليًّا مع تولي السلطة شخصٌ من خارج مؤسسات واشنطن ولم تربّه تقاليدُها.

لم يخترع دونالد ترامب الفوضى ولم يجلب الصراعات إلى أروقة الحكم والمؤسسات، فقد كانت الصراعات موجودة لكنها كانت في بعض الأحيان قابلة للسيطرة وفي أحيان أخرى كان هناك السياسيون المتمكنون القادرون على التحكم في مخرجاتها.. ولو لم يأتِ دونالد ترامب في هذه الفترة، فإن نموذجه قابل للتكرار في أي وقت بسبب وجود العوامل الموضوعية التي يعبر عنها ترامب.. مصير إمبراطورية واشنطن ليس بعيدًا عن إمبراطورية رفيقتها الأنجلوساكسونية على الجانب الآخر من المحيط، ألا وهو التحلل الذاتي والخروج التدريجي من دائرة التأثير على المدى الطويل.

رغم ذلك، قد تستمر الولايات المتحدة كثيرًا على رأس النظام الدولي الذي استثمرت فيه قرابة 7 عقود، والغالب أنها ستستمر بسبب غياب الرؤية والسلطة والقوة اللازمة لدى الخصوم (الصين وروسيا) -حتى هذه اللحظة- لتغيير صيغة النظام الدولي الحالية، وكذلك بفضل الدفع الذاتي للقوى المادية الحاسمة للبلاد، خصوصًا القوة العسكرية والمعلوماتية والاقتصادية وليس بسبب وجود مشروع.

فالحلم الأمريكي كان سرابا وانهار منذ أمد طويل وأفلح ترامب في القضاء على بقاياه.
توجد أسئلة مطروحة في هذا السياق: هل سيتمكن أحد داخل الولايات المتحدة من إعادة قراءة موقف واشنطن الإستراتيجي وإنتاج مشروع جديد في إطار مشروع فكري وسياسي يسهم في استمرارها على سدة المنظومة الدولية؟ وهل الموقف الإستراتيجي الحالي للولايات المتحدة يسمح لها بكسر القاعدة والإفلات المؤقت من دوامة التداعي، أم أن الولايات المتحدة قد تثاقلت بها الخطى ولم يعد لديها ما تقدمه بعد ذلك؟ وهل نحن فعلاً في لحظة حقيقة نادرة أم مجرد مرحلة عابرة لتأكيد السيطرة الأمريكية؟ وهل يكسر الشرق احتكار الغرب لقيادة النظام العالمي زهاء 5 قرون؟ وما المعوقات التي تقف أمام بكين في اقتناص تلك الفرصة؟ هل استعدت بكين للحظة الحقيقة؟

سنحاول في الجزء الثاني من هذه السلسلة الإجابة عن هذه الأسئلة.

 

 

أنس القصاص

باحث في الشؤون الإستراتيجية والدولية والمستشار السابق بالأمم المتحدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى