زوايا

نقدًا للاستثنائية الأمريكية (2): عالم ماركو بولو وفوضى النظام الدولي

منتصف القرن الـ19، سافر الفيلسوف الفرنسي أليكسيس دو توكفيل للولايات المتحدة الأمريكية لدراسة النظام الاجتماعي والسياسي بها، وألف كتابه “الديموقراطية في أمريكا“، عدّد فيه خصوصيات تميزها عما سواها، حيث شكلت هذه الخصوصيات التي ذكرها توكفيل، المنطلقات الأساسية لما عرف فيما بعد بـ”الاستثنائية الأمريكية”.

مع مرور الأيام، لم يمعن كثيرون النظر في النقاط التي رأى توكفيل أنها تشكل هذه الاستثنائية. وشاع المصطلح بين النخب السياسية داخل الولايات المتحدة التي يميل كثير منها نحو المركزية الأمريكية أو “Americocentrism” (اعتبار الولايات المتحدة محور العالم)، وكذلك في أوساط حلفاء الولايات المتحدة الذين لا يرغبون في تصديق جدية التغيرات الحالية في المنظومة الدولية.

الفيلسوف الفرنسي أليكسيس دو توكفيل

قوة إمبراطورية تبرر دعاوى الاستثنائية

لكن الذين يذهبون إلى استثنائية تاريخية للولايات المتحدة، لديهم العديد من الأسباب الوجيهة التي ترسخ من قناعتهم لتلك الفكرة.

فالولايات المتحدة كانت القوة الوحيدة في التاريخ المكتوب، التي تسيدت النظام الدولي لمرحلة ما بمفردها، وهندست نظامًا دوليًا أحادي القطب للمرة الأولى في التاريخ، وهو ما دعا مؤرخ مثل فوكوياما، إلى اعتبار هذه اللحظة الفاصلة “نهاية التاريخ”.

الولايات المتحدة هي صاحبة أضخم قوة عسكرية في التاريخ البشري، مع فارق أسطوري بينها وبين خصومها

والولايات المتحدة هي صاحبة أضخم قوة عسكرية في التاريخ البشري، مع فارق أسطوري بينها وبين خصومها، فيكفي القول إن البحرية الأمريكية تمتلك 12 حاملة طائرات، تعمل جميعها بالطاقة النووية، في حين لا يمتلك جميع خصومها وحلفاؤها سوى ست حاملات فقط، بعضها مُسيّر بالديزل، ناهيك عن زوايا مقارنة أخرى على نفس النحو.

والولايات المتحدة أيضًا هي صاحبة العملة الأكثر تداولًا في العالم، ومنظومتها المالية تسيطر على الأنظمة المالية، بل والعمليات اليومية في العالم من أقصاه لأقصاه، وإلا فعقوبات الخزانة الأمريكية حاضرة للضرب بقسوة.

كما أن الولايات المتحدة هي صاحبة أكبر إسهام في الناتج المحلي الإجمالي العالمي في العصر الحديث، بما يجعلها في مصاف الإمبراطوريات.

إضافة إلى المنظومة الثقافية التي ورّدتها الولايات المتحدة للعالم، في إطار العولمة، منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي جعلت من الثقافة وشكل الحياة الأمريكي مرغوبًا ومحببًا لدى الكثيرين حول العالم، خاصة أبناء الطبقات الوسطى والوسطى العليا والعليا، ما شكل للولايات المتحدة جيشًا متعديًا للأقطار، يدافع عنها وعن نهجها السياسي والاقتصادي بلا أي تكلفة.

الدولار الأمريكي

بكين والتحالفات العقابية

لكن على الرغم من كل هذا، فالحقيقة الأبرز أن النظام الذي هندسته الولايات المتحدة يواجه خطرًا وجوديًا يهدد استمراره. هذا الخطر يتشكل وفقًا لقواعد اللعبة الدولية التي حددتها واشنطون بنفسها؛ فالصعود الاقتصادي والسياسي للصين كان وفقًا لقواعد اللعبة الأمريكية من أجل تحويلها عن الشيوعية، وكذلك من أجل القضاء على المجاعات المتكررة التي عانتها البلاد زهاء عقود، وكادت تفتك بالاقتصاد الدولي، وقد أدت بالفعل إلى تباطئه لعقود.

لذلك دعمت الولايات المتحدة الصعود الاقتصادي للصين منذ خطة الإصلاح الاقتصادي على يد دينج شياو بينج في أواخر السبعينيات، والتي سارت على الطريق التي مهد لها منذ أوائل السبعينيات بقرار تطبيع العلاقات بين واشنطن وبكين، واسترضاء بكين بالقرار 2758 الذي قضى بأحقيتها في مقعد جمهورية الصين بالأمم المتحدة بدلًا من تايوان، وطرد الأخيرة من المنظمة الأممية.

لكن ما لم تضعه الولايات المتحدة في الحسبان، هو النجاح المذهل للحالة الصينية، وتحولها من اقتصاد نامٍ يعتمد نماذج اقتصادئية بدائية وسلاسل توريد كثيفة للصناعات العكسية في أغلبها، هدفها الأسمى التشغيل وخفض معدلات البطالة وبأدنى حد من الابتكار؛ إلى النموذج الاقتصادي الحالي المعتمد على أوليجاركية عريضة، تلقت تعليمًا متميزًا، وتتضافر جهودها اليوم نحو مزيد من الابتكار واقتصاد المعرفة.

لكن الحقيقة التي لم تكن في خاطر صانعي السياسات بالولايات المتحدة، أن انهيار الاتحاد السوفييتي سيكون محفزًا لآخرين من أجل النهوض، وكانت الصين أولى تلك القوى، حيث زاد طموح النخبة الحاكمة في بكين، بالاستفادة من حالة العولمة، في حجز موقع داخل الفراغ الذي نجم عن سقوط الاتحاد السوفييتي.

نزاع شديد التعقيد

تنازع الولايات المتحدة مع الصين على السيادة الدولية، هو أمر شديد التركيب والتعقيد؛ فالتعايش بينهما في ظل الأفكار والمعتقدات السائدة لدى نخبة البلدين، شبه مستحيل، كما أن الصدام بينهما يصعب تصديقه.

تمسك الولايات المتحدة بتلابيب النظام المالي والاقتصادي العالمي، وبإمكانها كسح الاقتصاد الصيني في أيام. لكن الولايات المتحدة، ولكونها صاحب المصلحة الأكبر في استمرار تلك القواعد، ستكون المتضرر الأكبر، وستمنح الصين فرصة ذهبية للانقضاض وتأسيس واقع موازٍ تتسيد فيه النظام العالمي الجديد، دون إطلاق صاروخ واحد، وستحصل على تأييد دولي واسع.

كذلك، فإن الولايات المتحدة لها الهيمنة الكبرى عبر قواتها وحلفائها في الباسيفيك، على المجال البحري الصيني بأكمله، وقادرة، حتى الآن، على تطويق الصين بحريًا، من خلال ما يقرب من ربع مليون جندي أمريكي وأسطولين بحريين وغواصات نووية من طرازات مختلفة قادرة على كسح الصين عن بكرة أبيها في لحظات (راجع مقال: استراتيجية الخروف الأسود).

فطنت الصين لذلك، فالتفت حول الاستراتيجية الأمريكية، وطرحت خطة “الحزام والطريق”، التي تحاول بها إحياء الشراكات القديمة مع أوروبا عبر القوقاز، وكذا مع أفريقيا عبر الحزام البحري الذي سينطلق من موانئ شرق الصين، وكذلك من خليج البنغال، كخطة بديلة إذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفائها من تضييق الخناق عليها في مضيق ملقا.

وصول الصين إلى أوروبا وشراكاتها المتعددة معها، يُعد بمثابة خصم حقيقي من الوجود الأمريكي في أوروبا، وإعادة ترسيم للمعادلة الأمنية في العالم بأكمله، والتي لا زالت تتمتع الولايات المتحدة فيها بالسبق والقدرة على تحقيق انتصارات كبيرة.

وقد عبّر روبرت كابلان عن الخطة الصينية لربط العالم القديم بريًا وبحريًا، بوصفها “عودة لعالم ماركو بولو”.

علما الصين وأمريكا

لكن الأزمة السياسية التي تواجهها الولايات المتحدة أعمق مما يبدو، فالسياسات الحدية غير المدروسة التي انتهجتها إدارة ترامب حيال أمن أوروبا وحلف الناتو، فتحت أعين الدول الكبرى بالاتحاد الأوروبي، خاصة ألمانيا وفرنسا، نحو ضرورة الاستقلال عن الولايات المتحدة في رسم معادلة الأمن في القارة بمعزل عنها، وأن ما فعله ترامب لا توجد ضمانة حقيقية لعدم تكراره، خصوصًا مع اضطراب الوضع السياسي في الولايات المتحدة.

يضع هذا بلدان وقوى كبرى عالميًا، في مهب الريح، بما يتيح إمكانية تدمير النظام الدولي الحالي، ودخول العالم حرب طويلة قد تستمر سنوات.

عودة عالم ماركو بولو، ستستدعي كل صراعاته ومشكلاته، بل قد يصدق في هذه الحالة قول كارل ماركس: “التاريخ يعيد نفسه مرتين: الأولى كمأساة والثانية كمهزلة”، فعلى سبيل المثال، مناطق مثل القوقاز ووسط آسيا، لم تتغير كثيرًا عن الصورة التي رصدها ماركو بولو في القرن الـ14، كما أن الصين ستوطد علاقاتها بأوروبا، مضمرة أزمتها القديمة معها في حروب الأفيون، حيث يرى جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، أن رغبة الثأر من أوروبا لم ولن تنفك عن نخبة بكين، وستظل عائقًا أمام الصين في تطوير علاقاتها بأوروبا.

أما القول بأن التواصل عن طريق مبادرة الحزام والطريق، سيقلل أو يحد من حالة التوجس والريبة، فهو قول يحتاج لنظر، فعالم ماركو بولو لم يكن يعلم عن بعضه شيئًا، وكان هذا أمرًا إيجابيًا إلى حدٍّ ما، مقارنة بعالم الاتصال الآن، والذي ينقل للبشر في أرجاء المعمورة، مخاوف متعددة بين عشية وضحاها.

رغبة الثأر من أوروبا لم ولن تنفك عن نخبة بكين، وستظل عائقًا أمام الصين في تطوير علاقاتها بأوروبا

وبحسب نظرية أثر الفراشة فإن أي وتر يهتز في أي ركن من أرجاء الأرض، سيكون له أثر في باقي المناطق على أقدار متفاوتة.

هذا الشعور، يهز البشر مع كل أزمة تحدث، وقد تكون هذه المخاوف أكبر من مخاوف الشعوب التي عاشت عالم ماركو بولو، ما يجعل المجتمع الدولي الحاضر أكثر هشاشة، وإن كان أكثر تنظيمًا.

وكل هذا القدر من عدم الطمأنينة والقلق والأرق، سيصب بطريقة أو بأخرى في غير صالح السيادة الأمريكية على العالم القديم على الأقل، إذ إنّ مستقبل الصين في منطقة الاتصال الأوراسي، أكثر ضمانًا على المدى الطويل من مستقبل الولايات المتحدة، وقد تعمق خطوط التجارة الصينية في أوروبا من هذه الضمانة، وتجعلها حقيقة مع مرور الأيام.

وفي الحرب العالمية الثانية لنا عبرة ومثل، فالاتحاد السوفيتي استطاع سحب ثلثي أوروبا من تحت أقدام الحلفاء الذي احتاجوا سنوات لإعادة ترميم القارة العجوز ودحر السوفييت.

هذه القارة، أوروبا، لم تعد تكِن نفس القدر من الاحترام لواشنطن، ما سيجعل مستقبل الناتو على المحك.

تقول لنا كل هذه المخاوف، إن الاستثنائية الأمريكية أمر أقرب للتفكير الرغبي، بعيدًا تمامًا عن التفكير العلمي المنضبط، والقابل للقياس بالضرورة، فلا الأوضاع الاجتماعية والسياسية في الداخل الأمريكي تؤهلها لاستثنائية، ولا حال سياساتها الخارجية التي تفقدها الكثير يومًا عن يوم، وكأن قدرها الخسارة بالأسباب وضدها.

يمكن القول إذًا، إننا بصدد نظام دولي انتقالي تتنازع عليه قوى متعددة، ولن يُحسم لأيٍّ منها بسهولة ودون تضحيات. وفي هذا السياق، فالحرب محتملة، والمستقبل غير متوقع.

اقرأ أيضًا:

نقدا للاستثنائية الأمريكية (1): الإيمان بالمستقبل يغير مصائر الدول

أنس القصاص

باحث في الشؤون الإستراتيجية والدولية والمستشار السابق بالأمم المتحدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى