“نقد التلاوة”.. ضرورة تفرضها الأزمة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

منذ بداية عصر التسجيلات، وتبلور معالم المدرسة المصرية الكبرى في تلاوة القرآن، ثم بلوغ هذه المدرسة ذروتها مع عصر الإذاعة، وظهور عدد من القراء من أصحاب الأصوات العبقرية، والأداء الفذ، ثم مع انحسار “المد العبقري” أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، ثم بدايات مرحلة التراجع أوائل السبعينات، ووصولا إلى الأزمة الكبيرة التي تعيشها تلاوة القرآن الاحترافية اليوم.. افتقد فن التلاوة دائما لأي شكل من أشكال النقد العلمي، وبينما وجدت فنونا أخرى كالشعر والأدب والرواية والغناء والتلحين عملية نقدية مجاورة، فإن فن تلاوة القرآن في مصر لم يعرف يوما أي شكال من أشكال النقد العلمي، مما كان له أثر بالغ في حالة التردي التي هوى إليها هذا الفن الشريف.

ربما كان وجود عدد من أعظم أعلام هذا الفن في وقت متقارب من أسباب الغفلة عن أهمية النقد، فحين تكون الأصوات المسيطرة على الساحة هي من طبقة محمد رفعت وعبد الفتاح الشعشاعي ومصطفى إسماعيل وأبو العينين شعيشع وطه الفشني ومحمد صديق المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد ومحمود علي البنا وكامل يوسف البهتيمي، فإن الكتابة والتناول سيغلب عليهما الطابع المناقبي المديحي، فهذه الأصوات وغيرها من أعلام عصرهم بلغت ذروة عليا في روعة الأداء وجمال التلاوة، حتى اعتبر كثيرون أن المقامات الشرقية، والأداء الكلاسيكي، سيظل محفوظا طالما بقي فن تلاوة القرآن بهذا المستوى من القوة والازدهار، فالتلاوة عبر أصوات هؤلاء مصانة مما طرأ على الغناء العربي من تراجع بدخول العناصر الأجنبية، وهيمنة الموسيقى الهجين، التي لم ترق أبدا لا إلى الكلاسيكيات الأصيلة التي سادت فيما يعرف بالحقبة الحمولية، واستمرت حتى أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، ولا إلى الكلاسيكيات الغربية، التي خلفها أعلام الموسيقيين الأوروبيين.

ومما ساهم أيضا في انعدام النقد تجاه فن التلاوة، أن الأخطاء في تلاوات الأعلام الكبار كانت محدودة جدا، ومطموسة في جلال الأداء وعظمة الصوت.. فمن سيقرر –حينها- أن ينظر بعين النقد إلى تلاوة الشيخ محمد رفعت، أو مصطفى إسماعيل، أو المنشاوي، ربما لن يجد مادة كافية ليكتب مقالا كاملا، لأن الالتزام بأحكام التلاوة، ومراعاة ما يعرف في كتب التجويد برونق القراءة، كان السمت المهيمن على أداء هؤلاء الأعلام.

لكن الأيام أثبتت أن النقد في غاية الأهمية، بل هو ضرورة لازمة، فالسكوت عن الأخطاء المحدودة في تلاوات الأعلام، نقل هذه الأخطاء في تلاوات الجدد من الهامش إلى القلب، ومن الاستثناء العارض، إلى الأصل الدائم.

خذ مثلا.. خطأ تكرار نفس الكلمة في نفس واحد، سواء بقراءة أخرى أو بنفس القراءة.. هذا خطأ لا شك فيه، ولا صلة بينه وبين ما يسمى بـ”جمع القراءات”، وقد وقع فيه أكثر من مرة كل من المشايخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل والمنشاوي وعبد الباسط وغيرهم من هذا الجيل الفذ الذي لا يُعوض.. فلما وجد القراء الجدد أن الكبار قد فعلوها، وأنها مرت دون نقد أو لوم، جعلوها ميدانا للتفاخر، وسبيلا لإظهار الدراية بالقراءات المختلفة، أو حتى لإظهار طول النفس عند القارئ.

وفي السبعينات ظهر عنتر مسلم، يقرأ سورة التكوير بهذه الكيفية (إذا الشمس كورت كورت (بترقيق الراء في الثانية) وإذا النجوم انكدرت- وإذا الجبال سيرت سيرت (بترقيق الراء في الثانية) وإذا العشار عطلت- وإذا الوحوش حشرت حشرت حشرت- (بترقيق الراء في الثانية وتشديد الشين في الثالثة- وإذا البحار سجرت سجرت سجرت (بترقيق الراء في الثانية وتخفيف الجيم في الثالثة… إلخ.
ثم انفتح المزاد.. فجاء من يقرأ “أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها” فيستوفي ما في لفظة “السماء” من قراءات، بل ومن أوجه للمد، يكرر الكلمة وحدها منفردة، كأنهل لفظة “ياليل” في موال بلدي.. ثم جاء من يكرر “ولله الحمد” 16 مرة في نفس واحد.

ومما ساعد على افتقاد أي كتابة نقدية لأداء القراء، المفهوم العامي المنتشر لمعنى “أهل القرآن” أو “حامل القرآن”، فقد أصبح الذهن العامي يتوجه عند سماع عبارة “أهل القرآن” إلى المشايخ المعممين المحترفين للتلاوة بأجر، فأضفوا عليهم هالة من القداسة والتبجيل والعصمة عن الأخطاء، مع النظر إلى منتقديهم نظرة دونية: من أنت لتنتقد الشيخ فلان؟.. يكفيه أنه من حملة القرآن.. حتى لو كنت أنت ممن يحفظون القرآن وقراءاته.. فأنت لست صاحب عمة بيضاء وطربوش أحمر لتقول إن فلان أخطأ أو إن علان تجاوز.

وقد استغل بعض محترفي القراءة في المآتم، ممن يحبون هذه التجاوزات التي ترضي العوام، حالة التقديس هذه، فأطلقوا أنصارهم ليشتموا ويسبوا كل من يتعرض لهم بالنقد، فهو حاسد حاقد إن كان قارئا يعمل بنفس “الكار”، وهو جاهل إن كان من غير القراء المحترفين، فيصرخون في وجه: من أنت؟ ليس من حقك أنت نتنقد الشيخ فلان لأنك لست في علمه ودرايته.. إنه يحمل إجازات وشهادات!!
وقريبا انبرى أحدهم دفاعا عن قارئ معين، فزعق بنفس العبارات المستنكرة أن يوجه أحد نقدا لقارئه المفضل، ثم شاهدت فيديو لهذا الشاب، وهو يهلل في أحد السرادقات أمام القارئ، مقسما بصوت يظهر في الميكرفون أن الشيخ هو أعظم قارئ في العالم، وأن تلاوته هي الأفضل بلا منازع، وان القراء بجانبه يتصاغرون، ثم عرفت أن المسكين كان مطربا ممن يحيون الأفراح بالمهرجات الشعبية التي يتطوح فيها الحشاشون والسكارى.. وأنه لا يقدر على قراءة الفاتحة قراءة سليمة، لكنه سمح لنفسه أن يحكم على القارئ الذي يحبه (أو ربما يدفع له)، وأن يصفه بأنه الأعظم والأفضل، وأنه فوق الجميع… ونحن بدورنا نسأله: من أنت؟ بل ما أنت؟ لتحكم على قارئ سلبا أم إيجابا؟.. لكنهم ولإفكهم يظهرون سؤال “من أنت” عند النقد ولو كان علميا، ويخفونه عند المديح ولو كان كاذبا فارغا.

وكان من أهم آثار كارثة انعدام النقد في عالم التلاوة، أن انطلق السوقة والجهلاء وأصحاب الفراشات يبجلون قراءهم، ويضفون عليهم ألقابا وهمية مضحكة، من نوع: ملك القراء، حكمدار القراء، جينرال القراء، قيصر القراء، أستاذ الجيل، قارئ العالم الأول، سلطان المقارئ، ملك الخشوع، العملاق، الصاروخ، ريحانة التلاوة، أستاذ الوقف والابتداء.. وغيرها من الألقاب الفارغة التي لا دليل عليها، ولا دلالة لها إلا الشعور بالنقص والضآلة.

وعلى ذكر الوقف والابتداء، فإن القراء هذه الأيام مغرمون بالوقوف الغريبة، مهما كانت مخالفة لقواعد اللغة والنحو، ما دامت ترضي الجمهور، ويهلل لها رواد السرادقات.. بل إن لقب “أستاذ الوقف” أصبح يطلق غالبا على الأردأ والأسوأ والأشنع في وقفه وابتدائه. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram