نقد “النكد” السياسي.. في الحاجة إلى يسار مرح!

أحمد الشربيني

ناقد ثقافي مصري

العام هو 1959، أما المكان فحرم جامعة كيمبردج، حيث يقف الروائي وعالم الكيمياء البريطاني تشارلز بيرسي سنو، ليلقي محاضرة قُدِّر لها أن تصبح كلاسيكية، عمّا أسماه “الثقافتين”.

كان “سنو” واحدًا من مثقفي أواسط القرن العشرين الذين انتموا إلى نمط من المفكرين الإنسانيين ذوي الثقافة الجامعة. فَكِّر عزيزي في أسماء مثل أينشتاين وراسل، نوع من المثقفين الذي اندمج فيهم المزاج الليبرالي الكلاسيكي بهمٍّ اجتماعيّ طاغٍ، مع ثقافة شرهة تجترئ على كل حدود التخصص.

قامت محاضرة “سنو” على ملحوظة بسيطة وذكية: في “العالم الغربي”، وفي بريطانيا على وجه الخصوص، شقاق واسع بين ثقافتين، واحدة يمثلها دارسو العلوم الطبيعية والأخرى يمثلها دارسو الفنون والآداب والإنسانيات. كل من هذين الفريقين يتلقى تعليمًا عالي المستوى، وربما أنفق سنين عمره في البحث والتحصيل، لكن كلاً من هذين الفريقين لا يفهم الآخر، بل قلّما وجه حديثه إليه أصلاً أو اعترف بوجوده. كان تكوين سنو، الذي ثبَّت قدمًا هنا وقدمًا هناك، مناسبًا لهذه المناقشة.

المشهد بعد 60 عامًا

وإذا كان سنو قد لاحظ في أواخر الخمسينات أن معسكر العلماء يبدو أكثر ميلاً لليسار، ومعسكر الإنسانيات يبدو أكثر ميلاً للمحافظة، فإن هذا يختلف تمام الاختلاف عن مشهد الثقافة الآن، بعد 60 عامًا من المحاضرة السالفة الذكر.

ولا يعود هذا الاختلاف فقط إلى أن بعض تيارات اليسار قد هيمن -بدرجات- على أقسام الآداب والإنسانيات، والعلوم الاجتماعية بدرجة أقل، لكن لأن أقسام العلوم الصلبة أصبحت أكثر محافظة كذلك، في ما يبدو انقلابًا تامًّا لما رآه سنو. لكن إيراد حجة سنو هنا لا يهدف إلى إعادة استكشاف ثقافتي العلوم والإنسانيات مجددًا، لأن هذا الشرخ بين الثقافتين لم يعد ذا قيمة تذكر. لكني أود الاستعانة بالنموذج نفسه، بين ثقافتين تشتركان في الأصل الاجتماعي والتكوين الثقافي، وتتوزعان على اليمين واليسار بكثافات متباينة، وتعجزان عن التواصل، من أجل إبراز الشقاق الأخطر بين ثقافتين أكثر معاصرةً.

لا يبدو أن الاستقطاب المميِّز للعصر الحالي هو القائم بين الثقافتين العلمية والأدبية كما كان الشأن في الخمسينات، وإنما بين ثقافتين أخريين، أو رؤيتين للعالم متقابلتين، ولنسمِّهما هنا “الرؤية الأخلاقية للعالم” و”الرؤية الجمالية للعالم”، ويمتد الشرخ بينهما عبر أقسام الإنسانيات كامتداده عبر أقسام العلوم سواء، ويمتد عبر اليمين كامتداده عبر اليسار، وعلى جانبي هذا الشرخ تقع توترات قد تكون أعظم أثرًا في عصرنا الحالي من صراع الآداب والعلوم ذاك.

لقطتان دالتان

أود أن أورد هنا واقعتين تمثلان قطبي الشقاق الذي نتحدث عنه، وهاتان الواقعتان شديدتا التطرف للحد الذي يغري بإهمالهما معًا. يقول الناقد عن الواحدة من هؤلاء إنها عبث لا يدل على شيء، ككل غريب قد يحدث على هامش التاريخ. على أن هذا التطرف بالذات هو ما يهب هذه الوقائع قوة كاشفة، ويجعلها نماذج نقية لما نحاول إبرازه.

في الواقعة الأولى، عام 2012، هاجم 3 مراهقين شيخًا عمره 62 عامًا فأردوه قتيلاً، كجزء من لعبة لاقت انتشارًا بسيطًا بين مجموعات صغيرة من المراهقين، على فترات متفرقة في الولايات المتحدة وبعض أوروبا، اسمها «لعبة الضربة القاضية»(knockout game) . قواعد هذه اللعبة شديدة البساطة: تحدد هدفًا، يكون من المارة، رجلاً أو امرأة أو شابًّا يسير مطمئنًا خالي البال، وتحاول أن تسقطه أرضًا بضربة واحدة، ويصور أحد زملائك اللعبة لتحميلها على يوتيوب أو غيره.

إذا فشلت في إسقاط ضحيتك من أول ضربة، يتدخل زملاؤك لإكمال المهمة ويفوز من تنجح ضربته أخيرًا في الإيقاع بالضحية. عادة ما مرت اللعبة دون كبير ضجة، لكن أكثر من حالة وفاة، تبعتها محاكمات، أدت إلى إبراز القضية أمام الرأي العام، مثيرة حالة طبيعية من الهلع الأخلاقي.

أما الحادثة الثانية فأقدم قليلاً، وتعود إلى 1987، حين كتبت الناقدة الموسيقية الشهيرة، ومؤسسة علم الموسيقى الجديد، سوزان مكلاري، أن “لحظة إعادة العرض (recapitulation)  في الحركة الأولى من تاسعة بيتهوفن هي واحدة من أبشع اللحظات في تاريخ الموسيقى، إذ يتعرض التصاعد الموسيقي البطيء لإحباط مستمر، كاتمًا وراءه طاقة هادرة تنفجر أخيرًا في الثورة الجامحة لمغتصب وقاتل عاجز عن إشباع شهوته”.

 وطبعًا كالمتوقع، تلقت “مكلاري” نقدًا عنيفًا من باحثي الموسيقى التقليديين، وكانت هذه لحظة نظرية متطرفة إلى حد أن أصبحت تُستعاد إلى اليوم، كما في سياق هذا المقال، مشوشة على الإنتاج الأساسي لـ”مكلاري”، التي أعادت انتقاء ألفاظها بروية عند نشرها المقال نفسه في كتابها “نهايات أنثوية”. حافظت مكلاري مع ذلك على روح فكرتها الأساسية، التي رأت في الحركة الأولى من السيمفونية التاسعة، بالإضافة إلى غيرها من أعمال بيتهوفن ومالر وغيرهم من الرومانتيكيين خصوصًا، تعبيرات عن الطاقة القضيبية والعنف البطريركي.

إن هاتين الواقعتين على درجة من التطرف تكفي لتجاهلهما كشذوذ ثقافي، بل ربما لا يمكن اعتبارهما دليلاً على أي شيء، فالأولى لعب مراهقين حتى لو تكرر، والثانية تبرأت منها صاحبتها نفسها بأن أعادت صياغة ما كتبت. مع ذلك لا يمكن للمرء ألا يرى في هذا التطرف امتدادًا لظواهر مألوفة، بالطريقة نفسها التي يرى بها إفراط الحركات الإسلامية امتدادًا لمنهج “وسطي” التفكير. ومع أن المسافة بين ما هو متطرف وما هو معتدل تأخذ أحيانًا هيئة الصراع بين الاثنين، يظل الامتداد سهل التتبع، وتظل العلاقات بينة.

اليمين البديل كانتفاضة جمالية

تذكرنا الواقعة الأولى، لأسباب عديدة، بحوادث أقرب للذاكرة، مثل حادث إطلاق النار على المصلين في مسجد النور بمدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا عام 2019 على يد برنتون تارانت، الذي صُوِّر كلعبة فيديو ونُشر على الإنترنت، وصحبه مانيفستو وُصف بأنه نوع من “الشيتبوستنج”، وهو شكل من أشكال الفكاهة الرقمية التي تتلاعب بالحدود بين الجد والهزل، وتزدهر في المساحات الرمادية أخلاقيًّا لتستحث ضحكًا مرتبكًا. وقد خرجت من منتديات اليمين البديل (alt-right) لتصبح ظاهرة ثقافية عامة.

في العام نفسه وقع حادث إل باسو في تكساس، وفيه أطلق باتريك كروسيوس النار على مجموعة من رواد وولمارت من الهيسبانيين. وفي الواقعتين، ترك الفاعلان رسائل على 8chan  قبل الهجمات.

كتب برنتون تارانت، منفذ هجمة كرايستشيرش، في المانيفستو المذكور أن “الميمز قدمت للحركة القومية الإثنية أكثر مما قدم أي مانيفستو”، ويحتوي نص المانيفستو فعلاً على أجزاء مكتوبة باللهجة العابثة نفسها، التي قد يتوقع المرء العثور عليها في تويتر أو أي من المنتديات التي تشتهر باحتضان اليمين البديل.

وعادة ما تحمل السلوكيات المنظمة لهذه المجموعات طابع “التنمر” والمشاكسة، ففي أثناء الصراع الثقافي العنيف الذي جرى بشأن تصوير النساء في ألعاب الفيديو، والذي عُرف على المنتنديات ثم إعلاميًّا باسم “GamerGate”، كانت هذه المجموعات تلجأ مع خصومها إلى حيل وألعاب مثل الاتصال بقوات التدخل السريع (SWAT) منتحلين هوية الشخص المستهدف، ومدعين أن أرهابيين يحتجزونهم، فقط ليستمتعوا بالضحك على الذعر الذي يسببه اقتحام القوات لمنزل الضحية.

روافع أيديولوجية

لكن هذا النوع من العنف والتنمر يقوم على بنى أيديولوجية راسخة، ولا يمكن اعتباره محايدًا أخلاقيًّا، وربما لهذا يصعب إثبات علاقته بلعبة الضربة القاضية التي سقناها مثالاً. مع ذلك فالخيوط المفهومية تظل واضحة: تمثل لعبة الضربة القاضية عنصرًا بارزًا داخل نمط وجود اليمين البديل كله، فهي عبث خام، متجاوز للأخلاق، لا يعرف قيمة إلا للأدرينالين وإثبات الذات واللعب، ويحتوي كذلك مكونًا أدائيًّا، يُقصد منه عادة أن يُصوّر للنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ويشوش استعداء المارة العشوائيين في اللعبة أي خط فاصل بين الجد والهزل.

وفي تصوير واقعة كرايستشيرش مثلاً، الذي يشبه ألعاب الفيديو، كما في اللغة الهازلة لمانيفستو تارانت وغيره، وفي جل وسائط التعبير التي تستخدمها هذه المجموعات الثقافية التي لا يمكن عدها اليوم هامشية تمامًا، نجد جوهرًا مشتركًا من اللعب غير المبالي بالقيمة، والأدائية الاحتفالية، وتثمين المساحات الرمادية والاحتفاء بالارتباك.

كانت هذه الروح سببًا في انتشار هذه اللغة وما صاحبها من نكات وميمز خارج حدود اليمين البديل، فلاقت رواجًا كبيرًا إلى حد أن أصبحت صفحات اليسار الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي تستخدم أحيانًا التيمات نفسها، لكن بعد تفريغها من مصدر قوتها الأساسي، أي الرمادية الأخلاقية وتفاهة الموضوع.

إن التناقض هنا يظهر على أشده بين لعبة الضربة القاضية، وبين رؤية الحركة الأولى من السيمفونية التاسعة تعبيرًا عن نزوع مكبوت للاغتصاب. فيبدو أن أحدهم يفشل تمامًا في رؤية الأخلاق جزءًا من وجود يقوم على اللعب ولو انتهى بقتل شيخ أو عاجز، والآخر يفشل بالكلية في تذوق لحظة من جمال صافٍ بسيط ربما لم يجتمع البشر على شيء كاجتماعهم على الإعجاب به، على الأقل في السياق الذي كتبت فيه مكلاري.

اللعب جوهري؟!

هكذا تكتمل حجتنا الأساسية: “اللعب” جزء جوهري من نمط الوجود المميز للمجموعات الثقافية التي تأخذ مجتمعة اسم اليمين البديل، وهذا اللعب لا أخلاقي أو مجاوز بالجملة لأسئلة الأخلاق، وهو قد شكل نفسه بوعي أو دون وعي كنقيض للتجهم الأخلاقي المميز للخطاب اليساري الأكثر ذيوعًا. بهذا يمثل اليمين البديل نمطًا “جماليًّا” (واللفظة لا تحمل هنا أي مضمون إيجابي) للوجود في العالم، بتثمينه للعب واستهتاره بقواعد الاجتماع. ومن الطريف أن هذا الوجود الجمالي يتقاطع في بعض منطقه مع “الأخلاقيات الإستطيقية” التي دافع عنها “فوكو” في أواخر أعماله.

هذه الطاقة النيتشوية ليست مع ذلك حكرًا على اليمين البديل، وإنما تحمل جاذبية بالنسبة إلى تيار ثقافي أوسع، يعجز بعضه عن تعريف نفسه بمصطلحات اليمين واليسار. ولا يشترك هؤلاء مع اليمين البديل في مجاوزة الأخلاق جملة، أو في أفكار التفوق العرقي أو في الاحتفاء بالعنف، لكن يجدون في أساليبهم التعبيرية أحيانًا رموزًا تُمكِن بها مواجهة التصلب الأخلاقي للتيار المقابل، الذي يمثل نمطًا “أخلاقيًّا” (لا مضمون إيجابيًّا لهذه اللفظة كذلك) للوجود في العالم، ويوجد كذلك على اليمين وعلى اليسار، وهذا في الواقع هو ما أدى إلى الرواج الهائل الذي تلقته أنساق العلامات المميزة لليمين البديل، الذي ازدهر أصلاً في بعض الجوانب المظلمة من الإنترنت.

دعواي أن كثيرًا من المعارك الثقافية للعصر الحالي، لا تمكن الاستعانة في فهمها بالخريطة السياسية التقليدية المكونة من يمين ويسار، وخصوصًا المعارك التي تقوم بشأن الآداب والفنون وحرية التعبير ومسائل الأقليات، ولا يمثل طرفاها عادة خطوط التمترس التقليدية التي نعرفها لهذين التيارين، بقدر ما تعبر عن هذا الشقاق المفترض بين الرؤية الأخلاقية للعالم وبين الرؤية الجمالية للعالم. وقد تبلورت الثانية متطرفة في اليمين البديل كرد فعل على تغول الأولى في أقصى اليسار.

ما هذا الغضب يا مكلاري؟

لا تقوم الحجج السابقة على افتراض أن هاتين الرؤيتين للعالم، أي الجمالية والأخلاقية، متعارضتان بالمعنى الذي يجعل الواحدة منهما تلغي الأخرى. فمعظم الناس يستطيع رؤية الجمال وهو يلتزم أكوادًا أخلاقية في الوقت نفسه، وليس في هذا ما يثير العجب.

أما المقصود فأن بعض الناس سيميل إلى التفتيش عن مواطن اختلال العدالة في أي موضوع يواجهه، غاضًّا بصره بدرجات عن معظم الجوانب الأخرى أو مؤجلاً لها، في حين سيميل آخرون للبدء باستقبال الموضوع نفسه جماليًّا، فيؤجلون إشكاله الأخلاقي المحتمل. وكأي مجال بشري آخر، هي مسألة طيف واسع من تنوع الاستجابات.

وفي العادة لا تنتظم هذه الاختلافات الشخصية وفق خطوط سياسية أيًّا كانت، وليس هذا وضعها اليوم، مع استثناءات بسيطة. هذه الاستثناءات هي أن النمط الأول يمكن العثور على تكتلات متطرفة له أقصى اليسار (خصوصًا الذي نسميه ليبراليًّا)، في حين يمكن العثور على تكتلات متطرفة للنمط الثاني أقصى اليمين البديل (لا اليمين المحافظ)، وعدا ذلك، يخترق النمطان الخلاف السياسي بين الفريقين.

فقد كان الدافع لكتابة هذا المقال مثلاً، هو ما راقبت من تنوع ردود الأفعال بشأن القواعد الجديدة التي أقرتها أكاديمية علوم وفنون الصورة في جائزة الأوسكار لأفضل فيلم، وهي ردود فعل لا تنتظم بحسب أي خطوط سياسية معروفة، على الرغم من أن موضوع النقاش مسألة سياسية بوضوح.

المزاج اليساري

وعلى كل حال، قد يقع المرء على أمورٍ تثير الاهتمام إن حاول دراسة التحولات التاريخية لـ”المزاج اليساري” ذاته، أي أنواع المشاعر التي شكلت الركائز الأدائية للخطاب. وهذه -بالمناسبة- جزء من الخطاب نفسه، وموضوعات محتملة لتحليله، بل ربما محددات مركزية لحركته.

وحتى يبدأ بحث كهذا، سأجرؤ على الافتراض أن مزيدًا من الغم والغضب، مع تغييب شبه تام للعناصر الشكية (skeptic) المميزة للتنوير، وقدرة أقل على إنتاج واستيعاب السخرية (irony) هي بعض نماذج هذه التحولات.

والنتيجة أن حالة من الصلف الأخلاقي ومشاعر الاستحقاق أصبحت شائعة في هذه الأوساط، حتى لَيَظن المرء أن بعض هؤلاء يتحدث بلسان الإنسان الأخير. وكلما اقتربت من المساحات التي تُعتبر “تطبيقية”، أي بمقابلة تلك المعدودة “أكاديمية”، ومع التحفظ على القسمة، تجد نفوذًا أكبر لهذا المزاج المغموم.

ويكفي أن يستدعي المرء صورة الناشطة الطفلة “جريتا تونبرج” ليفهم ما أقصد. فخطابها “الأبوكاليبسي” (نسبة إلى أحداث نهاية العالم) يعزز الشعور بهذا الموقع التاريخي المتأخر والمسؤولية المتولدة عنه. وليس الشعور بالمسؤولية ضارًّا في ذاته بالتأكيد، لكن «مسؤولية الإنسان الأخير» لا تجد حرجًا من مد يدها لتصحيح التاريخ كله، أو إملاء قواعدها شرقًا وغربًا.

لهذا لا تعد المسألة المزاجية شكلية كما قد يُظن. وكمثال آخر، فإن معظم هؤلاء المحسوبين على يسار “ليبرالي” أو “حقوقي” مثلاً لا يقرؤون الأدب إلا لِمامًا، وهذا -كما يعرف أي قارئ للأدب- ليس مجرد فارق في مستوى الترفيه. فلمّا كانت الإنسانوية مثلاً تتغذى غالبًا على الأدب، من السهل إيجاد رابطة بين عزوف المرء عنه وميله ضد الإنسانوية، والتي لا يُعد هذا معرضًا للدفاع عنها، لكن الرابطة متحققة. وعلى العكس من ذلك، يصعب أن تجد ماركسيًّا لا يقرأ الأدب، لأن معظم تيارات الماركسية الممتدة حتى اليوم لم تقطع الصلة مع إرثها الإنسانوي والرومانتيكي.

لا يسع المرء إلا أن يعجب من التفكير في المسار الذي يمكن أن يبدأ عند “فولتير”، ساخرًا ممتلئًا بذاته وحساسًا للهشاشة الإنسانية، وينتهي عند دريدا، سوداويًّا ومذنبًا ومغتمًّا حتى يكاد قارئه ينسحق تحت وطأة الهم الأخلاقي الطاغي على نصه وهو يقرؤه.

ليست المسألة أن واحدًا من الاثنين أصح أو أولى بالقراءة، فكلاهما مركزي في تاريخنا الثقافي (وأنا هنا أمارس سرقة ثقافية [cultural appropriation] ضد فرنسا)، ولكن المسألة أن الاثنين، على الرغم مما اشتهرا به من حب للعب وحساسية للمفارقة، يبديان أمزجة شديدة التباين، وظني أنها تتجاوز شخصيهما.

التسامح مع المُشكِل أخلاقيًا

هناك عدة استنتاجات خاطئة قد تأخذك إليها المناقشة السابقة ويجب التحذير منها، فليس هذا دفاعًا عن اليمين البديل أو العنف أو اللا أخلاقية (amoralism) أو الأخلاق الإستطيقية، ولكنه دفاع عن درجة أعلى من التسامح مع المُشْكِل أخلاقيًّا، والرمادي، والمرتبك، وعودة إلى تواضع التاريخانية الذي ميز اليسار في معظم الأوقات.

وبدلاً من هوس اليسار الليبرالي بالاعتراف (recognition) بالذوات، ورد مجمل النشاط البشري إلى مظلة السياسي باختزال فج، ربما تنبغي استعادة الحكمة الماركسية الأقدم عن كون هذه الذوات نفسها موضوعات تاريخية مؤقتة ومحدودة، والاعتراف (recognition) لمساحات النشاط البشري المختلفة بدرجة أعلى من الاستقلال. هذا إذًا دفاع عن قدر طفيف من الاستلاب، لا أظن العين الأخلاقية المغمومة تقدر على فهمه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram