فنمختاراتملفات خاصة

“نمط غير شائع” “توم هانكس” ليس دائمًا مبدعًا

 

يعرف غالب متابعي حركة السينما العالمية “توم هانكس” كممثل وصلت شهرته إلى أقاصي العالم، فقد حصد جائزة الأوسكار مرتين إلى جانب 4 جوائز جولدن جلوب وجائزة إيمي، وعدد كبير من الترشيحات لجوائز لم يحصل عليها، في مسيرة مليئة بأفلام وُصفت بأنها “شديدة التميّز والمتعة مع أدوار لا تنسى”.

لكن المتابع الأكثر اهتمامًا بـ”هانكس” بات يعلم أكثر عن الممثل العالمي الذي يقدم إلى جانب التمثيل كتابة السيناريوهات والإخراج والإنتاج أحيانًا، ويمارس كذلك الكتابة الصحفية في “نيويورك تايمز” و”فانيتي” و”نيويوركر” وغيرها.

قبل 3 أعوام توغّل هانكس أكثر في عالم الصحافة، والأدب خصوصًا، وفوجئ المجتمع الأدبي والسينمائي في هوليوود والعالم بخطوة جريئة أخرى يصنعها قلب توم هانكس الجريء المقامر بإصداره كتابه القصصي الأول  Uncommon Typeأو “نمط غير شائع”، كما ترجمه هذا العام إلى العربية المترجم المصري مجدي عبد المجيد خاطر، عن دار “روايات” ومن توزيع دار “الكرمة”.

توم هانكس

تعليقات غير قليلة هاجمت القصص، بالإضافة إلى اشتباكات نقدية خاب رجاؤها فيه على اعتبار أن قصص توم “كُتبت بركاكة ودون فهم واسع للكتابة الأدبية”، وكان الأكثر قسوة من بين التعليقات من جانب ناقدة صحيفة الإندبندنت الثقافية، لوسي سكولز، التي كتبت: “قراءة قصص توم هانكس أشبه بعملية خلع الأسنان التي تزعج أي فرد، فهي بمثابة قصص مؤلمة في أثناء قراءتها أو التفاعل معها”، حتى إنها أبدت استغرابها من الموافقة على نشر المجموعة.

يعطينا هذا انطباعًا بتسرع هانكس نوعًا ما في نشر مجموعته الأولى، لكن هذا لم يقلل من أهمية التفاعل مع المجموعة ولا يمنع من مقاربة مجازفة هانكس المغرية.

ثمة تساؤلات أولية يمكن طرحها للحديث عن المجموعة القصصية: ما الذي يجبر ممثلاً تصل شهرته إلى أقاصي العالم هنا وهناك على معاناة الكتابة وصعابها ومآزقها غير المنتهية؟

وهل يرجع الأمر إلى حب الكتابة فقط ببساطة؟ وهل يمكن لحركة “عنترية” سببها حب الكتابة فقط أن تقوده ليحوّل وجهته نحو الكتابة الأدبية، الأكثر صعوبة من مجرد الخواطر الخفيفة التي كان ولا يزال ينشرها في الصحف على نحو متقطع؟

أحدث كتب توم هانكس

ثرثرة قصصية

في نحو 440 صفحة من القطع المتوسط قدّم هانكس مجموعته القصصية الأولى التي تحوي 17 قصة، ما يعطي انطباعًا ظاهريًّا مبدئيًّا بفرط ثرثرة كتابية صنّفت خطأ كـ”قصص قصيرة”.

يمكن التقاط تيمة ما تجمع بعض القصص دون غيره، تتعلق بتأقلم الإنسان بعد “الفشل” والمرور بأزمات في الماضي: امرأة تحاول العيش جيدًا مرة أخرى بعد طلاقها من حبيبها، ومهاجر يُعيد ترتيب حياته بعد دمار مدينته بسبب الحرب، ورجل يحكي عن حكاية سفره وأصدقائه إلى القمر، ورجل تُخيَّل إليه العودة بالزمن مرة بعد أخرى، ومحارب قديم يحاول علاج ذاته من أثر الحرب.

جاء غالب عناوين القصص مرتبطًا أكثر بالزمن والوقت، من قصته الأولى “ثلاثة أسابيع مضنية” إلى “عشية عيد الميلاد” و”شهر في شارع جريني” و”نهاية أسبوع استثنائية” و”الماضي مهم بالنسبة إلينا”.

يتجول خلالها توم بين حكايات من زمن الحرب العالمية الثانية وأخرى في المستقبل، وبين حكايات خارج الأرض والزمن، حتى إنه يحتفي بعودة البطل بالزمن في “الماضي مهم بالنسبة إلينا”.

هوسه بالآلة الكاتبة القديمة جعله يلوي سياقات قصصه الأولى ليضع آلات كاتبة بين يدي أبطاله الأساسيين أو الفرعيين، وهو وضع مفتعل غير مبرر، تمامًا كأبطال قصصه الأربع الذين يعملون ككتّاب، وضعهم في قصص مختلفة، لكنه يؤكد الحرية التامة التي يتعامل بها مع الكتابة، حرية تامة في الثرثرة والحديث دون اعتبارات لأي شيء آخر.

يقول الكاتب مارك لوسن الذي قدّم نقدًا لاذعًا لقصص هانكس: “السؤال الأكثر شيوعًا للكتّاب في المهرجانات الأدبية هو ما إذا كانوا يفضلون التأليف باستخدام قلم أم كمبيوتر محمول أم آلة كاتبة، لكن هذا التساؤل يبدو محسومًا لدى هانكس المهووس بالآلة الكاتبة”.

في النهاية، وخارج سياق القصص، نحن أمام رجل تكتب عنه الصحافة الأمريكية باستمرار أنه من المبشرين بالصحافة الورقية و”نوستالجيا” الورق والحبر عمومًا.

لكن المحصلة أن المجموعة القصصية مجرد محاولة متواضعة من مُحب للكتابة ومهووس بوجود الآلة الكاتبة في منزله، إلى حد عمل المخرج جون واين فيلم وثائقي شخصي عن الأمر.

هانكس مهووس بالآلة الكاتبة

بعضُ العزاء

في القصة الأولى من مجموعة “ثلاثة أسابيع مضنية”، والتي يمكن اعتبارها من أفضل القصص عمومًا، يسرد حكاية رجل وسيدة في بداية علاقتهما، يحاولان التأكد من صلاحية ارتباطهما العاطفي من عدمه: “هل يمكن أن تصل هذه العلاقة إلى الزواج؟”

سيدة رشيقة رياضية لا تطلب سوى شريك حياة عاطفي على القدر ذاته من اللياقة والصحة، لا تحلم بالثراء الفاحش أو القوة الخارقة، فقط تحاول ترويضه لممارسة تمارين رياضية منتظمة ونظام غذائي صارم ومفيد لا تقطعه حفلات سُكر ماجنة أو وجبات غذائية من الشارع.

نخوض مع الشخصيتين الرحلة على مدار 21 يومًا يحكيها هانكس على شكل يوميات.

في أحد الأيام الأخيرة بينهما، يمرض البطل فتسهر حبيبته على رعايته، يستقيظ من نومه ليجد ورقة فيها تعليماتها الخاصة بالتمارين وتناول الطعام الصحي حتى تعود هي من العمل بعد الظهيرة.

بعدها يقرر أن يعيش كرجل حر، ويمزق ورقة التمارين، ويذهب إلى الثلاجة لتناول كل ما يشتهيه، ويتصل ليخبرها أنه ليس الفتى المثالي لها، تكتب إليه قائلة: “كنت أعلم هذا، لكني كنت أحاول”.

ربما هي أكثر القصص قربًا من أسلوبه الكتابي: خفيف وبسيط ومتحرر وشديد الرقة، تتداخل في حكاياته أشياء كثيرة دون هدف،  لكن مع نهاية حالمة.

في أنضج قصص المجموعة “ستيف وونج لاعب مثالي” يحكي عن الشاب “ستيف” محترف لعب البولينج الذي يملك ضربة مثالية يمكنها أن تُسقط كل القطع في كل مرة بنفس الإتقان، بمفارقة أنه هو ذاته لا يفهم أنه يملك مهارة خاصة، يُبدي استغرابه من شدة إعجاب المتابعين به، ويقول: “إنجاز أي شيء بإتقان 6 مرات متتالية يغدو ذكرى راسخة”.

يلفت الأنظار إليه مرة بعد أخرى، ولكن هذا الإعجاب يزعجه، وعندما يلتفت الجميع إلى الموهبة الاستثنائية إلى حد ترشيحه لحصد البطولات على نحو احترافي أكثر يزداد ضيقًا، يقول: “ينبغي أن يكون البولينج للمرح فقط، لانتزاع الضحك في عقد اجتماعي غير رسمي، نرمي الكرة حين يأتي دورنا ولا يكترث أحد بالنتيجة.. حين تحولت إلى رياضة مكتوبة؛ تملأ استمارة وتوقّع نتائج التقارير، لم تعد اللعبة ممتعة، بل صارت مرهقة”.

حب الكتابة وليس الموهبة هو ما دفع هانكس لإنجاز مجموعته القصصية


متواضعة وجريئة

كان المتوقع أن هانكس لا يملك مهارة كتابية احترافية تجعله يقدم ما هو استثنائي للأدب، حتى إنه لم يهتم كثيرًا حتى بالقالب المناسب لحكاياته.

فهذه المجموعة القصصية والثرثرة الكتابية تؤكد منذ البداية أنها رواية ضلّت طريقها إلى القصص؛ حكيٌ متحرر وفضفاض أكثر من اللزوم، فشخصيات القصص نفسها متكررة بين أكثر من قصة في سياقات مختلفة، ما يعني استدعاءها في النهاية، وإجمالاً، كرواية متقطعة.

مثال ذلك شخصية “مداش”، الذي يسعى في القصة الأولى للحصول على الجنسية الأمريكية، ثم نجده في آخر قصة يحتفل بمرور عام على حصده الجنسية.

أنطون تشيكوف، كواحد من رواد القصة القصيرة في العالم، كان يقول إن الكاتب إذا ذكر سيرة سكين أو رصاص في بداية القصة، فإن ذلك يستلزم موت أحدهم في النهاية، أي أن كل كلمة في القصة القصيرة يجب أن يكون لها سبب ما. تطبيق هذه القاعدة على نموذج هانكس القصصي، يقول إننا أمام محاولة متواضعة للسرد الثرثار الذي هو أشبه بحكّاء متعطش للكتابة ومهووس بها، لكنه لا يملك حكي قصة بإحكام؛ يمكنه طرد توهان القارئ وتشتته، إلا أنه يملك حبًّا غير مشروط وطُموحًا استثنائيًّا للتجريب.

 

حسام الخولي

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى