وجهات نظر

نموذج “الموصل” و”بالما”.. كيف تُخضِع “داعش” الأرضَ لسيطرتِها؟

شهدت مدينة “بالما” الساحلية الواقعة في مقاطعة “كابو ديلجادو” بشمال غرب دولة موزمبيق، هجوما عسكريا هو الأعنف والأكثر دموية منذ أن صعدت حركة أنصار السنة الموالية لـ”داعش” مواجهاتها وصداماتها في الثلاث سنوات الأخيرة ضد القوى الشرطية والعسكرية في البلاد، التي أسفرت حصيلتها حتى اللحظة عن مقتل المئات وتشريد ما يقرب من 670 ألف شخص، وفق إحصائيات الأمم المتحدة.

وجاء الهجوم، الذي شنه مقاتلو “تنظيم الدولة الإسلامية في وسط إفريقيا” ليمكن لهم بسط سيطرتهم الكاملة على المدينة، وإخضاع كل مرافقها لحوكمتهم لأيام متواصلة، الأمر الذي نجم عنه نزوح مئات السكان عنها برا وبحرا إلى مدن أخرى وبلاد مجاورة، بعد أن تزايد أعداد المصابين والقتلى الذين افترشت بهم طرقات المدينة، ووجدت جثث لقتلى منزوعة الرأس بعد استهداف “داعش” لأعداد كبيرة من القوى الأمنية والمسيحيين، فضلا عن الأجانب العاملين في حقول النفط بالمدينة، وذلك وفق روايات الفارين والنازحين منها.

وضع مقاتلو التنظيم أيديهم على المنشآت الحيوية والمرافق الخدمية كافة، خاصة المصارف البنكية، وتم استهداف الفنادق والنزل التي يقطن فيها الكثير من الأجانب، عززه عدم قدرة القوى الشرطية والعسكرية في المدينة على حمايتها والصمود في مواجهة مقاتلي التنظيم بعد أن تنكرت مجموعات منهم في ملابس عسكرية كانوا بمثابة فرق استطلاع تمهيدا للهجوم، وبدا كأنهم قد خططوا له بشكل جيد وأعدوا له منذ وقت طويل.

تم الهجوم على أربع جهات وبأعداد كبيرة غير مسبوقة على المدينة الاقتصادية الأهم في المقاطعة، وبدا من المقاطع المرئية المصورة التي أعقبت سقوط المدينة في يد التنظيم كأنه قد تم حشد المقاتلين من كل الجغرافيات الإفريقية وغيرها، ما يعني أنها كانت حربا حقيقية خاضها التنظيم في “بالما” في مشهد أعاد للأذهان سقوط “الموصل” العراقية عام 2014م، الأمر الذي كان بمثابة إعلان واضح بحجم القوة التي أصبح عليها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بأفرع ولاياته المصطنعة في قلب إفريقيا.

المقاربة التي تقوم عليها هذه المقالة، من خلال منهجية مقارنة بين حدثين الفارق بينهما ثماني سنوات في جغرافيتين مختلفتين “الموصل” العراقية 2014 – “بالما” في موزمبيق 2021، تذهب إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” نجح خلالهما في إحكام سيطرته على الأرض، واستحواذه على المدينتين بشكل كامل، وإن كان قد خرج منهما بعد ذلك بفعل تدخل القوى العسكرية الغربية، إلا أن اللافت في هذين الحدثين هو أنهما مثلا نقطتين مهمتين في مسيرة التنظيم وتحولاته، سواء كان في المشرق العربي أم في قلب إفريقيا.

فإذا كان سقوط “الموصل” إيذانا بصعود نجم تنظيم الدولة في الشرق الأوسط، فيمكن النظر إلى سقوط “بالما” على هذا النحو المشابه لنظيرتها العراقية، باعتباره تأكيدا من قبل التنظيم على نجاحه في ترسيخ أقدامه بقلب إفريقيا بعد انقضاء بضع سنوات من خساراته لأماكن تمركزاته القديمة في الرقة والموصل، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، عكس هجوم “بالما” حجم التحولات التي أفضت بالتنظيم إلى شكله القائم والنتيجة التي وصل إليها، وذلك من خلال تتبع أطواره التكوينية في إفريقيا من اللا مركزية عبر جماعات تعيش على التخوم والأطراف إلى المركزية من خلال تطويع الجغرافية لحوكمتها التنظيمية، ومنها إلى إعلان القدرة على خلق واقع جغرافي مغاير قد يكون “بالما” أولى هذه الخطوات التي قد تشهد تمركزا جغرافيا يخضع مساحة أرضية يكون فيه هو الحاكم الفعلي لها.

ويبقى السؤال الأهم، الذي يسعى المقال للإجابة عنه من خلال هذه المقارنة: لماذا نجح تنظيم الدولة الإسلامية في كل من “الموصل” و”بالما” في الاستحواذ على “الأرض” وإخضاعهما بشكل كامل لسيطرته؟ ولعل التقاط “الموصل” بشكل خاص دون الرقة يرجع بالأساس إلى أن المدينتين ضمن دولتين لهما كامل السيادة على أراضيهما، وهو ما لم يكن متوافرا في الرقة على سبيل المثال، وإن كان هناك بعض التقاطعات بين هذه المدن الثلاث.

في الواقع هناك جملة من الأسباب والعوامل السياسية، الاقتصادية والمجتمعية التي كانت سببا رئيسا فيما آلت إليه الأوضاع في موزمبيق، التي كانت “بالما” إحدى ضحاياها، التي مهدت للبروز الجهادي الداعشي داخلها، تقترب بشكل كبير لما كانت تعايشه “الموصل” العراقية قبل سقوطها في أيدي مقاتلي”داعش”.

سياقات سياسية ومجتمعية مولدة للعنف

تعايش دولة موزمبيق في السنوات الأخيرة واقعا سياسيا ومجتمعيا قلقا للغاية، شهد انتهاكا لحقوق الإنسان، من اعتقالات تعسفية واسعة النطاق، واتهامات بالقتل خارج نطاق القضاء، فيما تشير أصابع الاتهام إلى عدد من رجال السلطة وآخرين عاملين في دوائر حكومية يديرون عددا من شبكات الفساد والتهريب، خاصة في الشمال الساحلي، بعد أن أصبح مركزًا رئيسيًا لتهريب العاج والأخشاب والهيروين والياقوت، في ظل غض الطرف عنهم من قبل الرئيس “فيليب نيوسي”، ما يثير حفيظة الكثيرين في الداخل الموزمبيقي.

وكان لهذه الممارسات السياسية الأثر على الأقلية المسلمة هناك خاصة في الأجزاء الشمالية التي تحوي أماكن تمركزهم، فهي تحيا وقعا مجتمعيا صعبا للغاية يتحدث بعضهم عن عدم احترام التقاليد الدينية للأقلية المسلمة والعبث بالمظاهر التعبدية والشعائر الإسلامية هناك، وعدم الاكتراث بالمقدسات الدينية من قبل السلطة الأمنية، ما أسهم في تغذية الشعور بالمظلومية لدى الأقلية المسلمة، فيما تعد المظالم الاجتماعية مركزية في عملية نمو التطرف في “كابو دلغادو”، ومع الوقت أصبحت سببا رئيسا في لجوء بعض منهم إلى حمل السلاح، وتجنيد الجماعات المتشددة لأبنائها.

الهيمنة الغربية والاستحواذ على حقول الغاز

كان من المتوقع مع ظهور الاكتشافات المتتالية لحقول الغاز في مناطق الشمال، وتحديدا في مقاطعة كابو ديلجادو بين عامي (2010-2011) أن تسهم في نقل موزمبيق إلى مساحة مغايرة اقتصاديا ومجتمعيا، خاصة مع تخطيطها لبدء تصدير الغاز الطبيعي من المقاطعة إلى الخارج ابتداء من العام القادم 2022 .

وعلى إثر تلك الاكتشافات، تنشط في شمال موزمبيق العديد من الشركات الأجنبية التي تعمل في هذا القطاع، منها شركة الطاقة الأمريكية “أناداركو” التي عملت على اكتشاف احتياطيات كبيرة من الغاز في حوض “روفوما” تحت المياه العميقة البحرية في المحيط الهندي، وشركة الطاقة الإيطالية “ENI”، التي عثرت هي الأخرى على حقل غاز ضخم في المنطقة، وتزاحمها في ذلك شركة توتال الفرنسية العملاقة للطاقة التي تستثمر ما يقارب 20 مليار دولار “16.9 مليار يورو” في استخراج الغاز الطبيعي في ذات المقاطعة.

وتمثل مدينة “بالما” قاعدة رئيسة للعديد من المقاولين الأجانب الذين يعملون في مشروعات الغاز الطبيعي بمليارات الدولارات، وعلى رأسهم شركة الطاقة الفرنسية توتال.

كان من الطبيعي أن تحقق هذه الطفرة في اكتشافات حقول الغاز ارتقاء اقتصاديا للمجتمع الموزمبيقي عامة ومجتمع مسلمي الشمال الذي شهد ظهور حقول الغاز على أراضيه، ولكن فشلت الدولة في أن توظف ذلك في تحقيق الرخاء للمجتمع المحلي، ومارست هذه الشركات التي نظر إليها كونها إحدى أدوات الاستعمار والهيمنة الغربية على مقدرات البلاد آلية أخرى زادت من حنق مواطني الشمال تجاههم، من خلال استقدامهم لعمالة من دول الجوار الإفريقي مستثنية مواطني موزمبيق.. جلبتهم من زيمبابوي المجاورة، في محاولة منها لتهميش المجتمع الموزمبيقي، فضلا عن شركات أمن أجنبية لحماية هذه الشركات، ما كان له أثر في ارتفاع معدلات البطالة وتعزيز السخط تجاه الوجود الأجنبي وهيمنته على أهم قطاع في البلاد، وذلك كله تحت أعين السلطات الحكومية.

ما بين “بالما” و”الموصل” من تقاطعات

إن صيرورة الأحداث السياسية والمجتمعية والاقتصادية لدولة موزمبيق عامة ومدينة “بالما” خاصة، والتي تعاني منذ سنوات جملة من المشكلات الداخلية نتيجة الفساد السياسي والحكومي وتردي الأوضاع الاقتصادية رغم اكتشاف الغاز وانتشار البطالة والهيمنة الغربية على المؤسسات وغياب سلطة الدولة في مقابل بروز سلطة القبيلة والمجتمع المحلي والجماعات الراديكالية، فضلا عن تعزيز الطائفية وممارسة الاضطهاد الممنهج للأقلية المسلمة في الشمال، يشبه في مجمله حد التطابق ما كانت تموج به الدولة العراقية، خاصة مناطق ذات الأغلبية السنية من إجراءات تعسفية وتضييق على الحريات وتهجير ديموغرافي لحساب الطائفة الشيعية، وترك المجال استنزاف إيران للاقتصاد العراقي وتحويل الدولة بكافة أطرها السياسية والمجتمعية والاقتصادية إلى جهة تابعة للدولة الإيرانية، وذلك كله في عهد رئيس الوزراء “نوري المالكي”.

كل هذا دفع المشهد العراقي في نهاية المطاف إلى الانفجار ونجحت “داعش” في إسقاط “الموصل” عام 2014 بعد أن خلق المالكي بسياساته الطائفية بيئة حاضنة للتطرف، وهو ما استنسخ بشكل كبير في مدينة “بالما” في دولة موزمبيق التي يعايش مواطنوها سياقات سياسية ومجتمعية واقتصادية مشابهة لنظيرتها العراقية قديما، دفعت تنظيم “داعش” بوسط إفريقيا إلى استثمارها والعزف على وترها من خلال تجنيد مزيد من الساخطين والناقمين والمضطهدين جراء سياسات السلطة السياسية الطائفية والانتقائية هناك.

كيف تسقط المدن في يد داعش؟

تخترق التنظيمات الجهادية وتتسلل من خلال الشروخات المجتمعية والمسببات السياسية لها، وتعبُر من خلال استخدام آليات التمييز العنصري في التعامل والتعاطي مع المجتمع المسلم “السني” في مختلف الجغرافيات التي تستهدفها، إذ تسهم هذه العوامل التي سقناها آنفا في تكريس المظلومية التي تسعى “داعش” إلى توظيفها بحيث تطرح في مواجهة ذلك بدائلها الأيديولوجية، وعلى رأسها الخلافة الإسلامية التي لا يظلم فيها أحد وفق مخيالهم الجهادي، وما يعطي لها مزيدا من البريق الذي يجذب كثيرا من هؤلاء المهمشين والمنبوذين جراء التمييز الديني والعنصري.

ما يعني أن هؤلاء الساخطين والناقمين وأصحاب المظلوميات يشكلون مع الوقت بيئة حاضنة تمثل داعما رئيس في نجاح “داعش” في بسط سيطرته على الأرض، وأن الرؤى الأيديولوجية التي يطرحها ومن ثم ممارسته لها فعليا القائمة على توفير الأمن والمال وفرص العمل وإعطاء الفرص كاملة لأصحابها كما هو الحال في مناطق التعدين –الذهب وغيرها- الخاضعة لسيطرة التنظيم في عدد من جغرافيات إفريقية أخرى تسهم في خلق بيئة جغرافية مهيأة للنفوذ الداعشي، فيتم تفضيل هذا الوجود وسلطته من قبل البعض ليحل بديلا لسلطة لا تراعي هذه الأمور ولا تحقق له ما يسهم في ارتفاع مستوى معيشتهم على كل الأصعدة، فضلا عن تذمره من ممارسات الوجود الغربي وهيمنته على مقدرات البلاد، ما يجعله يذهب طواعية إلى من يقف معارضا لكل هذا ويخلق واقعا مغايرا، حينها فقط يمكن لـ”داعش” أن تسقط المدن وتستولي على الأرض إضافة إلى قدراتها العسكرية وخبرتها في ذلك.

اقرأ أيضًا

أرض الجهاد الإفريقية.. طيور المقاتلين الأجانب تحط في موزمبيق

تكتيك جديد لـ”داعش موزمبيق”: “جذب القلوب”.. بوابة لخلافة إفريقية

داعش موزمبيق.. إرهاب على هامش الفساد والانشغال بكورونا

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى