نهاية مشروع الوطن الأزرق التركي

المهندس نبيل عامر

خبير طاقة دولي

أهم ملف على طاولة أي رئيس في العالم هو الطاقة؛ سبب الصراع الأساسي الخفي بين أمريكا وروسيا، وصراع السيطرة الذي يحرك سياسات الدول الكبرى، وهو ما جعل روسيا تقف على أرجلها ولديها نفوذ كبير في أوروبا، ولتكون محورًا لعبور الطاقة إلى بلدان أخرى.

كثير جدًّا من الأحداث التي رأيناها بعد ثورة يناير 2011، وربما قرار الإخوان بالمشاركة في الثورة، كان مرتبطًا بقصة الغاز، وتحت وطأة الأحداث والمتغيرات التي مرت بها مصر، لم تكن الظروف وقتها متاحة لتعرف إلى أي مدى وصل المخطط الجديد للمنطقة ككل، ولماذا انغمسنا في الأحداث لدرجة أننا لم نكن نرى الصورة الأكبر والأهم على المستوى الشعبي.

5 زيارات من مسؤولين أتراك لمصر، منها واحدة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد يناير وعقب وصول الإخوان للحكم، والناتج عزم الجماعة إلغاء اتفاق ترسيم الحدود، الذي وقعته مصر مع قبرص عام 2003 حتى يُتاح لتركيا وسفنها التنقيب كما شاءت وفي أي بقعة شاءت ضد القانون الدولي. 

كانت تركيا تريد أن تصبح دولة المرور لغاز شرق المتوسط إلى أوروبا، وتحقيق خطة أردوغان المسماة “الوطن الأزرق” التي تمنح أنقرة جزءًا كبيرًا من المياه الاقتصادية التي يقرها القانون لقبرص اليونانية ولجزر اليونان المتاخمة لشواطئ تركيا.

هذا المشروع، “الوطن الأزرق”، مرتبط كليًّا بما يسمى “خريطة الميثاق الملي”، وهي أصل مشروع تركيا 2023، ونُشِرت عام 2011 مع تقديم أردوغان لهذا المشروع إلى البرلمان التركي.

حدث هذا بعد إعلان هيئة المساحة الأمريكية التقديرات الضخمة لمخزون شرق المتوسط من الغاز، فتحركت تركيا وأعلنت الخريطة في الجريدة الرسمية، وكانت تضم جزر اليونان المتاخمة للشواطئ التركية وجزيرة قبرص وشمال العراق وشمال سوريا، على أساس أن كل تلك المناطق إرث تاريخي لتركيا، ومن دونها لا يمكن لتركيا أن تنقل غاز إسرائيل، الذي اكتشفته في أواخر 2010، إلى أوروبا، أو تنقب في حصة قبرص الواسعة من البحر تبعًا للقانون الدولي. وكانت العقبة الرئيسة لتركيا هي مصر وليست قبرص، لأنه لا سبيل مطلقًا أن يجعل هذا التعدي يأخذ الصبغة القانونية دون إلغاء اعتراف مصر كدولة كبرى بحقوق قبرص المائية، تبعًا للقانون الدولي الذي تم بناءً عليه الترسيم، فقبرص دولة صغيرة بالنسبة إلى تركيا، تحتل منها نصفها الشمالي.

وكان عقبة رئيسة لتركيا أيضًا في نقل غاز قطر إلى أوروبا أن تصبح عضوًا في الاتحاد الأوروبي، لتستفيد ماديًّا من مصاريف العبور وتؤمّن مصدر غاز آخر لها غير الغاز الروسي. وعند رفض  الرئيس السوري بشار الأسد مرور هذا الخط، صارت خطة تدمير سوريا حتمية، وقد كان. لكن الوضع مع مصر مختلف، فلديها جيش قوى وليس من السهل مطلقًا تدميرها كما حدث في سوريا، رغم كل المؤمرات والدسائس، والتمويل الذي اشتركت فيه تركيا وقطر لمحاولة إيقاع مصر عن طريق الإرهاب في سيناء، التي كان مخططًا لها دور مهمّ بعد تولي الإخوان الحكم.

تقابلت مصالح إخوان تركيا مع إخوان مصر، وتم الاتفاق بينهما على إلغاء اتفاقية الترسيم الموقعة مع قبرص، وجيّشوا إعلاميًّا للتشكيك في مصداقية الاتفاقيه لتهيئة الرأي العام لقبول إلغاء الاتفاقية للأسباب الخطأ، وأرجعوها لمجلس الشورى الإخواني للتصويت على إلغائها في إبريل 2013، وأوقف قيام ثورة 30 يونيو تنفيذ المخطط.

وفور تولي الرئيس عدلي منصور مسؤولية إدارة البلاد مؤقتًا، تمت اتفاقية الهيدروكاربونز مع قبرص، وهي التي تحدد تقسيم أي حقل غاز مشترك بين البلدين على حدودنا المائية المتقاطعة.

تعزيز اتفاقية ترسيم الحدود باتفاقية الهيدروكاربونز مع قبرص، أعطى نيقوسيا الحق والقوة في رفض مرور خط غاز ينقل غاز حقل تمار الإسرائيلي إلى جيهان بتركيا، لأن هذا الخط لا يمكن المرور به إلا من خلال المياه الاقتصادية القبرصية تبعًا لاتفاقيتها مع مصر، وحال عدم احترام مصر لتعهداتها الدولية مع قبرص وإلغاء الاتفاقية، إن تم تنفيذ الاتفاقية الإخوانية، فإن ذلك كان سيجعل البحر مشاعًا تتصرف فيه كيفما شاءت حتى يتم اتفاق آخر بديل، ولم يكن لأى شركة تنقيب أن تقبل أن تنقب في المياه الاقتصادية المصرية دون تلك الاتفاقية التي تحدد حدود مصر المائية الحقيقية.

بعد توقيع اتفاقية الهيدروكاربون أعلنت شركة “إيني” عن حقل “ظُهر”، ومعروف حجمه وقيمته التي تتعدى 240 مليار دولار، ثم تم الاتفاق الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان، الذي تطور بعد هذا إلى منتدى غاز المتوسط، ومنه إلى منظمة عالمية مقرها مصر مؤخرًا.

بقي أن يقال إن قبرص واليونان كانتا أول من شعر بالخطر في 2011 بنشر خريطة الميثاق الملي ومشروع تركيا 2023، الذي تم الترويج له بمجموعة أكاذيب مصاحبة لإقناع الرأي العام التركي بأنه في 2023 تنتهى اتفاقية لوزان، إذ يمكن لتركيا إلغاء تعدهداتها للجزر اليونانية المتاخمة لشواطئها، ولذلك تنبه الرأي العام هناك إلى خطورة ما هو قادم، وما تنويه تركيا للسطو على حقوق اليونان وقبرص التاريخية. 

استبق أفراد مخلصون في هذا الوقت المبكر التفكير، ونفذوا مصلحة مصر وقبرص واليونان في اتفاق ثلاثي بينهم، ومن هنا كانت فكرة هذا الاتفاق، الذي تم تنفيذه عبر الممرات السياسية بين مصر وقبرص أولاً، لتكون حائط صد أمام المخطط التركي الذي بات واضحًا بكل الأحداث التي جرت.

(الجون الكبير) الذي تحدث عنه الرئيس السيسي

1- منع تركيا من نقل غاز إسرائيل وقبرص من شرق المتوسط إلى أوروبا وتحطيم حلمها لتكون بوابة عبور الطاقة، وبالتالي تفقد أي ثقل سياسي للتأثير في أوروبا والضغط عليها، وهذا ما كانت تطمح إليه عن طريق إلغاء اتفاقية الترسيم بين مصر وقبرص.   

2- بعد تلك الضائقة المالية التي تسببت فيها ثورة يناير، كان من أولويات حكومة ما بعد 30 يونيو دفع المستحقات المتأخرة لشركات التنقيب بالدولار، ومن ثم إعادة العمل بالتنقيب الذي كان من نتائجه إيجاد حقل ظُهر الذي قلب ميزان المخزون لدول شرق المتوسط.

3- أصبحت مصر هي مركز الطاقة بين كل دول شرق المتوسط بما تمتلكه من بنية تحتية قوية للغاز.

4-  تم الاتفاق على تسييل جزء من غاز إسرائيل وقبرص لدى مصر، وبالتالي استفادة البنية التحتية المصرية من مصانع تسييل الغاز، واستخدمت مصر هذا للتفاوض مع إسرائيل لخفض غرامات التحكيم الدولي التي حُكِم فيها لتل أبيب بما قيمته 1.7 مليار دولار، انخفضت إلى نصف مليار دولار فقط.

5-  اكتسبت مصر ثقلاً سياسيًّا مضاعفًا كنتيجة مباشرة لكل ما سبق، وهذا أفاد مصر في مِلفّي التسليح والاقتراض من البنك الدولي.

6-  اكتفت مصر من الغاز وأصبحت قادرة على التصدير.

مصر احترمت تعهداتها واحترمت القانون الدولي؛ ورفضت أن تعمل لصالح تركيا على حساب دول أخرى في الاتحاد الأوروبي (قبرص واليونان) لأن هذا كان سيسبب لها مشكلات جمة. وكان احترام مصر لتعهداتها سببًا رئيسًا لتغيير الوضع السياسي في أوروبا من تقبل ما حدث من ثورة شعبية أطاحت بنظام الإخوان في 30 يونيو، الذين مثلوا حلمًا لتركيا على الأراضي المصرية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram