“نولان” و”شكسبير”.. عن الماضي الذي يصنعنا

حسام الخولي

كاتب مصري

في فيلمه الأخير “tenet” (عقيدة)، عاد كريستوفر نولان إلى تيمته المفضلة (إنقاذ العالم)، فدارت أحداث الفيلم حول بطل يسعى إلى إنقاذ البشرية، لكن هذه المرة من حرب عالمية ثالثة ستؤدي لهلاك البشرية، عن طريق التحايل على الزمن (ماضي العالم ومستقبله) وتداخلات الزمن مرهقة الفهم والاستيعاب.

ثمة تساؤل يحضر في حوارتنا وأفكارنا الشخصية، الآن على ما يبدو أكثر من أي وقتٍ مضى، عن جدوى المستقبل كطوق النجاة من شرور الحاضر، وخطورة حضور الماضي في حياتنا؟ فالكثيرون يتطلعون إلى المستقبل، ويفكرون من خلاله كمصدر أمان محتمل بدلًا مما نعيشه اليوم، بينما يرى آخرون في الماضي فرصة النجاة الوحيدة.

هذا ما يُشكِّل هوّس نولان الدائم: أن فهم الماضي يُعجّل بانتصار البطل، ومن هنا تطغى مركزية الزمن على أي عنصر فني آخر لديه، بغض النظر عن اختلاف قصته السينمائية، ولذلك لا يعوّل جمهور نولان، المعتاد على طريقته، كثيرًا على المنطق والواقع والحبكة، ويتجاوزون عن كل ذلك نحو فكرته الأثيرة التي تعنيهم أكثر من غيرها: الزمن.

على النقيض من ذلك، هناك فكرة مبتسرة عن اهتمام نولان مرةً بعد أخرى بمركزية الماضي في حياتنا، الماضي الذي لا ينتهي بانقضائه، وضمن هذا الموقف يتم اختزال مشروع نولان السينمائي، الذي شارك أخوه جوناثان نولان في بعض محطاته، في اعتباره “تمشية في الزمن دون جدوى، وعلى قدر من الافتعال والتحذلق”.

تمشية في الزمن؟

شكسبير واحد من أعظم كتّاب التاريخ يمكن تلمّس تناوله للزمن مجازًا خلال كتاباته الأدبية والمسرحية المتعددة؛ فـ”هاملت” أصغر شخصياته التراجيدية يمكن تتبع أفعاله من وحي سيطرة الماضي عليها، وبالتالي كان الزمن هو المحرك الرئيسي لحياته بالكامل، فمثلًا حين يخبره صديقه بحزن أنه “لن يبقى له من الحياة إلا نصف ساعة” يجلس “هاملت” ليتأمل “ماضيه” جيدًا.

وما يحدث مع “هاملت” يتكرر مع “الملك لير” أكبر شخصياته، والأشهر والأقرب للجمهور، أما بطله الآخر “ماكبث” فيقول في (مسرحية شهيرة بنفس عنوان الشخصية) إن “المستقبل هو اللحظة الراهنة وعلينا النظر جيدًا إلى ماضينا”.

و”الملك جون” كان ملكًا متوّجًا لكنه ابن زنا. هذا ماضيه الذي لا يمكن الفرار منه، وهو “ماضٍ” يحرمه من العرش، وبالتالي يُشكّل شخصيته الساخرة الأنانية. وكذلك السيد “أركايدن” في رواية “كما تهوى” الذي لديه شبهة “زنا محارم” مع ابنته، وهكذا يؤثر هذا “الماضي” في قراراته المستقبلية.

وفي الرواية نفسها عندما سُئل أحد أبطاله “كم الساعة؟” قال بدافع الملل: “لا وجود لساعة في الغابة”. حيث ينتهي الإحساس بالزمن تمامًا ولا يبقى سوى الحاضر يتأمل ماضي الشخصية.

يمكن استخدام تلك الأمثلة كمقدمة لفهم تناول نولان للزمن، فالنضج المبكر هو رفض علني للطفولة، كمجاز وحقيقة، أي للماضي وهو ما يريده نولان، ويُقدمه على ألسنة أبطاله باختلاف سياقات ومآزق وتكوينات هؤلاء الأبطال، فالماضي يعطي الإنسان ما عليه الآن، وصناعة واقع جيد يأتي من فهمٍ وافٍ لهذا الماضي الأبدي. وأي محاولة لتجاوز الزمن دون الوعي بالماضي ينطبق عليها وصف شكسبير للأمر: “المرء بذلك يغتصب حياته”.

 

الزمن لحظة والمكان بعيد

في “momento” أول أفلامه كمخرج نشاهد بطله “الكاتب” الذي يبحث في كل مكان عن قصة يكتبها مما يتسبب في دخوله في عالم لم يعرف عنه شيئًا بتأثير من “ماضيه” الخاوي، على أمل صناعة مستقبل/ماضٍ مليء بالحكايات.

في “momento” أيضًا نشاهد رجلًا مُصابًا بفقدان جزئي للذاكرة، يحاول الانتقام لزوجته، ونرى أفعال ماضيه تحكم مستقبله دون وعي كامل منه في كل مرة، ونرى أن قدر نجاح هدفه يتوقف على التوفيق بين واقعه وماضيه.

وباستثناء فيلمي “Batman” “the prestige” اللذين استخدم خلالهما أبطالًا خارقين، قدّم نولان في 2010 ربما أشهر أفلامه بعد اختمار فكرته الأثيرة عن أهمية الزمن أو الماضي (لو شئنا الدقة) وهو فيلم “inception” الذي يحاول خلاله البطل من خلال تقنيةٍ ما أن يزرع فكرة معينة في رأس الهدف عن طريق الدخول إلى ماضيه/أحلامه.

بعدها بأربع سنوات قدّم نولان فيلم “interstellar” الذي يسافر أبطاله في الزمن ليضمنوا ماضي البشرية، بينما يضيع ماضيهم الشخصي بمجرد اختلاف الزمن، ويرى البطل ابنه الرضيع ربما في مثل سنّه، ويبدو عليه الحزن الشديد على ضياع ماضيه الشخصي.

وفي “Dunkirk” اقتنص نولان لحظة من الزمن قدم خلالها معركة “دينكرك” التي صورها على اعتبارها مشهدًا واحدًا/لحظة واحدة من الماضي مؤثرة على العقول إلى الآن، مثل تأثير ماضي أبطال فيلمه “insomnia”.

وأخيرًا وصل بنا نولان إلى قصة بطل فيلمه الحالي الذي يسير في خطوط متوازية في الزمن داخل معركة لا يمكن الانتصار فيها دون فهم ماضي الخصم، وبالتالي الانتصار عليه كوسيلة وحيدة يمكن النجاة من خلالها.

لا يفكر نولان في اللعب بالزمن مثل مارتن سكورسيزي كما يظهر في فيلم “الأيرلندي” وقصته الأخيرة عن العجوز الذي يجلس على كرسيه ليحكي عن زمن مضى، وبتقنية تعديل السن رقميًا يُمكِّن بطله من تغيير سنه وشكله وإتاحة ذلك لمن حوله، في سياق أكبر منهم لخدمة القصة ذاتها، لكن الأمر على ما يبدو يصبح معكوسًا لدى نولان، فالجميع يخدمون الزمن الذي تُبنى عليه تصرفاتهم.

يتحسر أبطاله على الزمن المفقود دون جدوى، ودون إدراك مدى أهميته على قراراتهم ومعاركهم في الحياة، فإدارك الماضي لدى نولان شرط النضوج: ثمة أشياء حدثت ولا يمكن الفرار منها دون مسئولية، وثمة أشياء أخرى غير ضروري فهمها في ذاتها، بينما ضروري الرجوع لماضيها لاستيعابها والنجاة منها.

في هذا السياق، يشبه ماضي أبطال نولان، بعض الشيء، ماضي أبطال شكسبير، فكلاهما يجعلان مستقبل أبطالهما مبنيًا بشكل مركزي على الماضي، مع اختلاف وسيلة عرض الأفكار المكتوبة والمرئية.

ينتج عن نولان صورة فخمة متباهية يصنعها مستغلًا ما يُتاح له من موارد مالية وتقنية لعرضها، كأعمى لا يرى أمامه سوى الزمن الذي يلعب بالجميع، وفي سبيل هذا يتسامح مع حبكة تبدو باهتة وتصرفات تبدو أولية وغير مبررة ومؤثرات تُفسّر باعتبارها “استعراضية”، لينتصر للزمن ومن خلاله فقط.

فبطل “tenet” يسعى لإنقاذ البشرية من حرب عالمية بمعرفة “ماضي” خصمه للانتصار عليه، تمامًا كأبطاله السابقين، في فيلم مُرهق، كثير التفاصيل، ليظهر عقب عرضه اتهامات لنولان بـ”الاستعراض” و”التعقيد” في حين أن تلك التفاصيل يصنعها من وحي إدراكه العميق للزمن ومعرفتنا به وعلاقته بالسينما. ضمن هذا المسار المعقد والطويل يظل نولان في رحلة البحث عن الزمن المفقود.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram