مانويل نوير

صار الأفضل لأنه ذهب للتمرين متأخرًا !

حتى تكون حارس مرمى مميزًا يجب أن تمتلك جانبًا مازوخيًّا في شخصيتك ولو قليلًا. فالحقيقة التي لا تغيب عن ذهنك في المباراة أن شباكك ستتلقى هدفًا، وذلك حدث لا يجلب السعادة بكل تأكيد. ومع ذلك تنتظر المباراة القادمة لك بكل شغف لتشعر الشعور ذاته.

قد يبدو للوهلة الأولى أن التصريح لفيلسوف، أو لطبيبٍ نفسي، أو حتى لأديب لكرة القدم نصيب ليس بالقليل من متابعاته. لكن دعني أخبرك أن تلك الكلمات لأسطورة حراسة المرمى الإيطالية «جيانوليجي بوفون».

قد يُفسّر ذلك المنظور نُدرة أساطير حراسة المرمى بتاريخ كرة القدم كما يقول الكاتب الإنجليزي بصحيفة “الجارديان” جوناثان ويلسون. فالأمر -وفقًا لرؤية “جيجي”- لا يتلخص في التدرب جيدًا ولساعات طويلة فحسب؛ بل هناك شيء خفي آخر هو ما يصنع الأساطير. ذلك الشيء الذي يسمح لك بمعرفة على أي بُعد تقف بين العارضتين دون أن تستعين بعينيك، وفي أي جزء من المرمى سيسدد المهاجم من حركة قدمه أو عينيه، وفي أي منطقة ستسقط كرة صانع الألعاب لزميله المهاجم في اللحظة ذاتها التي تخرج من قدمه.

ذلك الشيء يسميه البعض “الإحساس بالمركز”، وينعته آخرون بالموهبة، بينما يطلق عليه أناس آخرون العبقرية في الأداء، لكن ماذا يسميه «مانويل نوير»؟

لماذا “مانويل نوير”؟ بسبب الصورة ذاتها التي تكونت في الأذهان عنه، ولأنه الرجل الذي أحدث تغييرًا في مبدأ اللعبة من «فقط اجعل الكرة تتوقف» إلى «أَبْدِع كي تظل الكرة تتحرك».

حارس مرمى يقوم بحركات استثنائية عبر فرد جميع أطرافه، فيتراءى للمشاهد أنها أكثر من أربعة أطراف، خاصة عند التصدي للكرات القريبة. ولا يُفَضّل الوقوف كثيرًا داخل منطقة الجزاء، ويجد متعته الخاصة في انتظار الكرات من زملائه عند دائرة منتصف الملعب وكأنه لاعب خط وسط.

“القوة العصبية”، أو ما يطلق عليه بالألمانية Nervenstärke هكذا يُسمى نوير، هي الشيء الذي يصنع أساطير حراسة كرة القدم. ولكن لماذا اختار “نوير” هذا الاسم تحديدًا؟

من ذهب للتمرين متأخرًا فسبق الجميع

الزمان: السادس من يونيو عام 2016.

المكان: مقر نادي بايرن ميونيخ الألماني بالعاصمة الألمانية.

الأجواء: التوتر يسيطر على النادي بسبب خبر رحيل “بيب جوارديولا” الذي تم إعلانه بشكل رسمي.

جلس «أندرو كورسيل» الصحفي بوكالة ESPN بمكتب مُطلٍّ على ملعب تدريب النادي البافاري، وراقب تحركات “نوير”، ولا يُصدق أنه سيُجري حديثًا بعد دقائق مع أفضل حارس في تاريخ كرة القدم وفقًا لتعبيره.

دخل “نوير” على “كورسيل” بعد انتهاء التدريب وقال له: «تشعر بالضغط؟ معك حق، الأجواء هنا ضاغطة بعض الشيء. فقط حاول أن تتمتع بقوة أعصاب كافية.. Nervenstärke».

فجأة تذكر صحفي الـESPN الطبيب النفسي الألماني «هانزديتر هيرمان»، الذي قرأ عنه أثناء تحضيره للقاء “نوير”، وعرف أنه مصاحب للمنتخب الألماني منذ عام 2004، بل وثمّن “يواكيم لوف” -المدير الفني للمانشافت- من دوره الكبير في الدور النهائي وقبل النهائي بمونديال البرازيل عام 2014.

قرر “كورسيل” أن يبدأ الحوار بداية تقليدية بالسؤال عن بدايات “نوير” مع كرة القدم، لكن الإجابة لم تكن تقليدية على الإطلاق تمامًا كأداء الأخطبوط الألماني: فقط في أول تمرين لي ذهبت للتمرين متأخرًا، وقد جرت العادة أن آخر من يحضر للتمرين يقف في المرمى كنوع من أنواع العقاب، ثم بدأ المشوار.. مانويل نوير.

يستطرد “نوير”: “وبالرغم من صدفة البداية، إلا أن مدربي في هذه الفترة كان الأكثر تأثيرًا في مسيرتي. فقد أخبرني أن حراسة المرمى لعبة عقلية في الأساس. فهو مركز البداية من الصفر في كل مباراة. لا رصيد يشفع لك عند الجمهور، وضغط دائم طوال المباراة خوفًا من أن يصيب هدف مرماك”. ذلك الجانب المازوخي الذي تحدث فيه “بوفون” مع “الجارديان”.

كان هذا هو الدرس الأول الذي تعلمه “نوير”: إن لم تتعامل مع كل هذه الظروف بمستوى غير طبيعي من قوة الأعصاب فستصير حارسًا عاديًّا ضمن آلاف الحراس الذين يمرون يوميًّا على أندية كرة القدم دون أن يشعر بهم أحد.

الشيء الذي يصنع أساطير حراسة المرمى

الكلمات عن قوة الأعصاب مطاطة، يقولها أغلب نجوم الكرة لوصف نجاحاتهم. لكن رأي حارس مرمى ألمانيا السابق “أوليفر كان” في لقائه على قناة “دويتش فيله” الألمانية عند سؤاله عن مدى أحقية “مانويل نوير” بوصفه الأفضل في تاريخ اللعبة من عدمها، يؤكد أن الحديث عن قوة الأعصاب ليس مجرد حشو للقاءات الصحفية.

اختار أوليفر مباراة بايرن ميونيخ وهوفنهايم بالدوري الألماني موسم 2018/2019 للحديث عن إمكانيات “مانويل نوير”. كرة عرضية يقرر “مانويل نوير” ألا يخرج ليمسكها، بالرغم من سهولة ذلك، وينتظر ضربة رأس مهاجم هوفنهايم من على خط منطقة الست ياردات.

قال “كان” إن “نوير” يقوم بتلك الحركة كثيرًا. رد فعل على ضربة رأس قوية لم تستغرق منه سوى 0.3 ثانية. يستطرد «كان» أن “كل حراس العالم يخرجون ليقطعوا الكرات العرضية مثل تلك، إلا أن نوير في أحيان كثيرة ينتظرها في مرماه”.

يُرجع “كان” تلك الحالة إلى حالة “القوة العصبية” الهائلة عند نوير (استخدم تعبير الـ”Nervenstärke” ذاته)، والتي تمكنه من الانفصال عن كافة الضغوط في المباراة، والانخراط في حالة غير عادية مع مرماه، ليدرك موضعه من كل سنتيمتر على خط المرمى، بقدر ما يدرك نيّة مصوّب الكرة وفقًا لحركة عينيه وقدمه.

هذه الحالة جعلته يقوم بصدّ 12 كرة شبيهة في الموسم ذاته، بمتوسط زمني لرد الفعل لم يتجاوز 0.3 ثانية متفوقًا بـ0.4 ثانية عن أقرب منافسيه في الموسم ذاته. الأمر لا يتعلق بالأداء البدني فقط بكل تأكيد.

تلك هي الحالة التي وصفها “بوفون” في حديثه مع “الجارديان” بـ”الشيء الذي يصنع أساطير حراسة المرمى”. وكلما زادت تلك القوة العصبية لدى الحارس صار كالسائق الذي يتحكم في سيارته عن طريق اللا وعي دون التركيز فيما هو شائع بين الناس أو ما يفعله السائقون الآخرون.

ورغم كل ذلك لم يُجب “أوليفر كان” بشكل واضح عن سؤال: هل مانويل نوير هو الأفضل بالتاريخ؟ لم يجب “كان” لكنّ تقريرًا آخر للموقع الرسمي للبونديزليجا قد فعل.

ميسي ونوير

حين تفوق "نوير" على "ميسي" في التمريرات الناجحة

اعتمد التقرير على فكرة المقارنة الشهيرة المحببة لجماهير كرة القدم. فالحكم على حارس المرمى يكون من خلال أربعة جوانب:

1– تكنيك اللعب والمهارات الأساسية.

2- تكتيكيًّا ومدى الإضافة التي يقدمها الحارس لزملائه عند حيازة الكرة.

3- البناء الجسماني والقدرة على الالتحامات.

4- روح القيادة والمسئولية تجاه لاعبي الفريق.

يبدأ التقرير بالمقارنة في أول جانب: التكنيك والمهارات الأساسية للحراسة. في تلك المساحة بالطبع تكون المقارنة محصورة بين “مانويل نوير” و”بوفون”؛ إلا أن خبراء التحليل في موقع “البوندزليجا” أجمعوا على تفوق “مانويل نوير” في استخدام قدمه. لا نتحدث هنا عن الخروجات المتهورة، ولكن على التمريرات الناجحة لداخل الملعب.

أحد أغرب الإحصاءات في تاريخ كأس العالم، تتعلق بتمريرات ناجحة نفذها “نوير” وصل عددها إلى 244 تمريرة متفوقًا على “ليونيل ميسي” الذي اكتفى بـ242 تمريرة فقط!. “نوير” لم يتفوق على “ميسي” وحده، بل على “ويسلي شنايدر” و”أريين روبين” و”بول بوجبا” في البطولة ذاتها!

“نوير” يستطيع أن يكون لاعبًا في خط الدفاع وخط الوسط بنفس الكفاءة التي يظهرها في مركز حراسة المرمى تمامًا.. يواكيم لوف المدير الفني للمنتخب الألماني:

أما بخصوص الناحية التكتيكية، فقد عقد خبراء التحليل في الموقع مقارنة بينه وبين «ليف ياشين» عنكبوت المنتخب الروسي. قبل “ياشين” كان خروج حراس المرمى خارج صندوق الست ياردات من المحرمات، لكنه جاء وأقام ثورة في هذا المركز بالخروج من منطقة الجزاء وقطع الكرة قبل المهاجمين.

قد تبدو الفكرة بسيطة، لكن خبراء تحليل البوندزليجا يؤكدون أنها لم تكن موجودة من قبله. حصل “ياشين” على جائزة Ballon d’or عام 1963.

أما عن “نوير” فيمكن النظر للخريطة الحرارية الخاصة به في مباراة منتخبي ألمانيا والجزائر بمونديال 2014. وهي خريطة وصفها طاقم التحليل بموقع «Squawka» الرياضي بأنها الأغرب على مدار التاريخ.

خريطة حرارية أخرى لا تقل غرابة عن نظيرتها، نشرها موقع «Spielverlagerung» الألماني توضح تفوق نوير على رباعي خط دفاع نادي تشيلسي اللندني، كلٌّ على حدة، في كثافة التواجد بثلث الملعب الدفاعي ببطولة دوري أبطال أوروبا عام 2012.

أما عند الحديث عن البناء الجسماني والالتحامات، فيتذكر التقرير الدنماركي “بيتر شمايكل” حارس مرمى مانشستر يونايتد السابق، وتحديدًا في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 1999 حين استطاع ببنيانه القوي مزاحمة لاعبي البايرن في الركنية الشهيرة التي أعادت الشياطين الحمر للحياة وظفروا باللقب.

وبالمقارنة بالأخطبوط الألماني، يتمتع نوير بطول يبلغ 194 سم وهو ما يفوق طول شمايكل بحوالي 3 سم، ناهيك عن الفارق العضلي الواضح لصالح مانويل.

وفيما يخص القيادة وروح المسئولية، تذكّر التقرير ما فعله “إيكر كاسياس” في غرفة ملابس ريال مدريد، وانحيازه لمطالب بعض اللاعبين من “مورينيو”، وكذلك اتفاقه مع “تشافي هيرنانديز” للخروج ببيان لتهدئة الأجواء بين الجماهير الإسبانية بعد التوتر الشديد في حقبة “مورينيو-جوارديولا”، وهي مواقف دفع “كاسياس” ثمنها بالخروج من البرنابيو.

كذلك كان “نوير” في كل مراحله، ففي شالكة لعب للفريق الأول وهو في العشرين من عمره ليصير أصغر حارس مرمى في تاريخ البوندزليجا، ثم ارتدى شارة قيادة الفريق وهو في الثالثة والعشرين من عمره. وفي البايرن كوّن مع “فيليب لام” ثنائيًّا ناجحًا للسيطرة على اللاعبين وتحفيزهم سواء في النادي أو المنتخب.

لعشاق الأرقام.. "نوير" يرسل تحياته

لكن يظل هناك بعض الجماهير التي لا تقتنع إلا بلغة الأرقام، ولا تُفضّل الانطباعات والتقييمات مهما كانت منطقية؛ لذا دعنا نسير قليلًا مع أرقام الأخطبوط الألماني. تحديدًا ثلاثة إحصاءات ملفتة للغاية في مسيرة “نوير” في السنوات العشر الأخيرة.

أول هذه الأرقام هو تقرير نشره موقع الإحصاءات الشهيرFBref للحديث عن العلاقة بين متوسط أعمار حراس المرمى في الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا من جهة، ومتوسط عدد دقائق مشاركاتهم من جهة أخرى في الموسم الواحد منذ موسم 2009/2010 وحتى موسم 2019/2020.

كما تشاهد في الرسم البياني الموضح، متوسط عدد دقائق الحارس في الرابعة والثلاثين من عمره حوالي 1480 دقيقة. لكن هل تعلم عدد دقائق مشاركات “نوير” هذا الموسم في العمر ذاته؟ حوالي 3970 دقيقة كاملة، أي حوالي مرتين ونصف المعدل الطبيعي لحراس القارة في موسم تخللته العديد من الإصابات.

تقرير آخر نشره موقعSpielverlagerung الألماني في عام 2016 ليوضح تأثير رحيل “مانويل نوير” عن فريق شالكة عام 2011. وكذلك أحوال مرمى العملاق البافاري قبل/بعد مانويل نوير.

كما نشاهد ارتفعت نسبة الأهداف المتوقعة في شالكة إلى الضعف برحيل “نوير”، بل وصار الفريق يستقبل أهدافًا أكثر من المتوقع بحوالي 8 أهداف. انهيار كبير في مرمى شالكة!

أما في البايرن فقد حدث تغير نوعي بقدوم “نوير”. فبعد أن كانت الأهداف المستقبلة لفريق العاصمة أكثر من الأهداف المتوقعة بحوالي 3 أهداف، صارت الأهداف التي استقبلها الفريق بالفعل أقل من الأهداف المتوقع استقبالها بحوالي 24 هدفًا. طفرة هائلة!

أما الإحصائية الثالثة والأخيرة فقد كانت عما يسمى بالـ”Goal Impact”. وهو رقم يشير إلى مشاركة حارس المرمى في احتمالية إحراز فريقه هدفًا أثناء وجوده في الملعب عن طريق التصدي ثم بناء اللعب بالتمريرات السليمة.

التفوق واضح لمانويل نوير على جميع حراس القارة منذ عام 2004، عام تدشين الإحصائية، بتقييم يصل إلى 200.64، يأتي خلفه إيكر كاسياس وفيكتور فالديز وفان ديرسار بتقييمات تتراوح من 190 إلى 195 تقريبًا، مع الوضع في الحسبان أن “نوير” لا تزال قدمه في الملعب.

تفوق نوير على جيجي بوفون الذي يكتفي بأداء الدور الكلاسيكي لحارس المرمى بشكل مميز لكن دون المشاركة في صناعة اللعب. تفوق نوير أيضًا على فيكتور فالديز الذي لعب لسنوات في برشلونة جوارديولا، وعلى فان ديرسار الذي قضى أيامًا طويلة في أكاديمية أياكس أمستردام التي قامت بثورة مشاركة حراس المرمى في صناعة اللعب.

نوير حالة متفردة للغاية في تاريخ حراسة المرمى العالمي. موهوب مثل بوفون، وقوي تكتيكيًّا كما كان ليف ياشين، ويناطح شمايكل في قوة البنيان، ولا يقل في قيادته عن إيكر كاسياس، وإحصاءاته تسبق الجميع. نحن محظوظون بكل تأكيد أننا نعيش في زمن الأفضل “مانويل نوير”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد ماهر

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram