زوايامختارات

هاجر جده منذ قرن.. وأعاده انفجار المرفأ: من قلب ألفريد: سلام لأطفال بيروت

 

بينما كان الهلع مسيطرًا على الشعب اللبناني مع سماع دوي الانفجار الأول لمرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب الماضي، كانت قلوب في الخارج تنفطر على محبين وأصدقاء بمجرد انتشار صور ضحايا ومصابين، ومقاطع فيديو للكارثة التي أودت بحياة 154 شخصًا وجرح نحو 5 آلاف آخرين على الأقل.

على هذه الحال من التوتر والقلق على الأهل والأصدقاء والمحبين في لبنان، قضى ألفريد ندّاف، طالب ماجستير اللغة العربية وآدابها في الجامعة الأمريكية ببيروت، الساعات التالية للانفجار، يجر شاشة المحمول للأسفل لمتابعة آخر المستجدات على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، ويجري اتصالات هاتفية للاطمئنان على كل من يرد إلى ذهنه في الأراضي اللبنانية.

“ندّاف”، الأمريكي ذو الأصول اللبنانية، لم يكتف بمتابعة الأخبار والاطمئنان على الأهل والأصدقاء، بل سعى جاهدًا من أجل فعل شيء.. أي شيء يمكن أن يقدمه لهذا البلد الذي تنغرس جذوره به.

ألفريد ندّاف

في حديثه إلى “ذات مصر”، قال ندّاف: “ولدت وتربيت في الولايات المتحدة الأمريكية.. تعلمت اللغة العربية من الجامعة.. رغم أنني من أصول لبنانية، فإن أبي لا يتحدث اللغة العربية.. تعلمتُها من خلال الدراسة قبل 4 سنوات من الآن”.

عن أهله وجذوره، قال ندّاف: “جذوري اللبنانية تنحدر من عائلة والدي.. جدي وجدتي من أصول لبنانية.. هاجرا من لبنان بعد الحرب العالمية الأولى، مثل الكثير من المسيحيين في لبنان وبلاد الشام الذين هاجروا إلى أمريكا في هذه الحقبة الزمنية واستقروا هناك، لكن بقوا في أمريكا، نستطيع أن نقول إن أبي انحرف عن الثقافة العربية”.

أصوله وجذوره دفعته لتعلم العربية وزيارة أراضيها.. من هذا المنطلق، قرر ألفريد، التعمق في دراسة اللغة والثقافة العربية، وتخصص في دراسة الشأن العربي في كلية العلوم السياسية، لكن لم يكن هذا هو الدافع الوحيد، فخلال دراسته في جامعة “دايفدسون” في ولاية كارولينا الشمالية بأمريكا، تعرف ألفريد على أستاذته الأكاديمية “جوبن” وهي أمريكية من أصل فارسي، عاشت في سوريا لمدة 10 سنوات قبل أن تستقر في أمريكا، وهي أيضًا تتحدث العربية، وتتخصص في دراسة الدراما والفن والأدب السوري.

يحكي ندّاف: “الدكتورة جوبن هي أستاذتي ومعلمتي وفي منزلة والدتي الثانية.. كل شيء تعلمته على يدها.. لديها ارتباط وثيق بالشرق الأوسط، خاصة مع سوريا، لأنها عاشت 10 سنوات في الشام قبل أن تغادر إلى أمريكا، هي أمريكية من أصول فارسية، لكنها تتكلم العربية بطلاقة، ولديها ارتباط عاطفي بسوريا، وبعدما اندلعت الحرب هناك كانت تذهب إلى لبنان باستمرار لعدم تمكنها من دخول الأراضي السورية”.

يواصل: “يومًا ما كانت الدكتورة جوبن تسير في شوارع بيروت، وتحديدًا في شارع الحمرا الشهير بقلب العاصمة اللبنانية، مع ابنتها، عندما دخلت مكتبة شهيرة هنا اسمها مكتبة المنارة، وتعرفت فيها على موظفة اسمها هيام، وأصبحت صديقة لها.. والمنارة مكتبة خاصة مسيحية، لكن لديها رسالة كبيرة عن المحبة والسلام، وتنظم حملات تبرع مستمرة وبرامج خيرية تساعد الفقراء في لبنان، خاصة اللاجئين السوريين”، هكذا توطدت علاقة “جوبن” بهيام وانتقلت لاحقًا إلى ألفريد.

في أثناء ذلك/ كان ألفريد قد بدأ تعلم العربية في صيف 2016 عندما قرر إعداد برنامج مكثف لإجادتها في الأردن، وخلال هذا الوقت زار لبنان لأول مرة.. يقول: “أبي لم يدخل لبنان منذ هجرته، لكني فضلت العودة إلى جذوري والتعرف على موطني الأصلي”.

ألفريد ندّاف وسط الطلاب

“تحمست للعودة للموطن الأصلي، بعد عامين درست اللغة العربية في الأردن، وبعدها الدراسة في مصر، كنت أحرص على زيارة لبنان مع كل عودة لي للشرق الأوسط.. وبعدما تخرجت عام 2019 ذهبت إلى مصر ثانية، حيث كنت أدرس ضمن برنامج (كاسا) بالجامعة الأمريكية في القاهرة منذ 4 سنوات، وبعدها عملت صحفيًا حرًّا لمكتب وكالة (أسوشييتد برس) الأمريكية في بيروت، في الفترة التي تزامنت مع اندلاع تظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي”.. يقول ألفريد.

ويسترسل: “عدت إلى لبنان بعد أن أتممت دراستي في القاهرة، وعملت في التدريب الصحفي في الوكالة الأمريكية الأشهر في مقرها بلبنان، حينها أخبرتني الدكتورة جوبن أنها تريد أن ترسل أموال تبرعات إلى مكتبة المنارة، فذهبت إلى المكتبة وتعرفت إلى الأستاذة هيام في ديسمبر/ كانون الأول 2019، وشعرت أنها ودود وذات قلب كبير وتتعامل معي كأنني ابنها.. كانت فخورة بي لعودتي إلى جذوري بالشرق الأوسط والوطن العربي، ومتحمسة لعشقي للغة العربية.. أعطيتها المال المرسل من الدكتورة جوبن، لإيصاله إلى اللاجئين السوريين في المخيمات، لكن علاقتي بها لم تنقطع أبدًا”.

في نفس هذا الأسبوع، خطت أقدام أسرة ألفريد أرض لبنان للمرة الأولى منذ هجرتهم قبل نحو قرن من الزمان.. صحيح أن الجد والجدة رحلا، لكن والدة ألفريد ووالده دخلا وطنهم الأم الذي سمعوا عنه فقط دون أن يروه.

بهذه المناسبة وبمناسبة رأس السنة الميلادية، استضافت الأستاذة هيام ألفريد وأسرته في مأدبة عشاء في المكتبة، وزادت مساحات الود والثقة، وبعد انتشار فيروس كورونا، اضطر ألفريد إلى قطع إقامته في لبنان، والسفر مع أسرته إلى أمريكا، على أن يستكمل دراسته “أون لاين”، ووقع انفجار المرفأ وهو في منزله في بوسطن الأمريكية.

يتابع ألفريد: “طوال إقامتي في أمريكا بسبب الفيروس، كان ذهني مشغولاً بلبنان وبالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي أدت إلى اندلاع تظاهرات تشرين.. وقبل انفجار المرفأ كنت أجري اتصالاً بصديقة لبنانية أطلب منها أن ترشح لي جهة في لبنان أوجه لها تبرعات بعدها بساعات وقع الانفجار”.

أسماء طلاب المدرسة

يقول ألفريد: “عيد ميلادي كان في 8 أغسطس/ آب، وانفجار مرفأ بيروت حدث في 4 أغسطس/ آب، عرفت الانفجار من تويتر.. رأيت سيلاً من المنشورات والتغريدات عن الانفجار والضحايا والمصابين، وبعدها بدأت في متابعة نشرات الأخبار، تصورت أنه قصف أو شيء من هذا القبيل، شعرت برعب شديد على أصدقائي هناك، وبادرت بالتواصل معهم، شعرت بتوتر وقلق بسبب انتشار الأنباء عن سقوط ضحايا ومصابين، اتصلت بكل أصدقائي في لبنان للاطمئنان عليهم”.

في اليوم التالي مباشرة ليوم الانفجار، تواصل ألفريد مع أستاذته جوبن لصلتها بعدد من الأدباء والمثقفين والفنانين في لبنان، لعلها ترشده كيف يتحرك ويساعد، واقترح عليها تدشين حملة تبرعات، فرحبت: “اتصلت بالدكتورة جوبن قلت لها: هنعمل إيه؟ عاوزين نساعد؟ كيف فينا نساعد؟.. قلت لها عيد ميلادي بعد كام يوم، كنت أفكر في تنظيم حملة تبرعات، قالت (فكرة رائعة)، ثم اقترحت عليّ إيصال التبرعات من خلال الأستاذة هيام، لثقتنا بها”.

“كنت متفاجئ بكمية وحجم المساعدات والمال الذي حصلت عليه عبر تطبيق (جو فند مي).. بعد يومين من تدشين حملة التبرعات حصلنا على 3 آلاف دولار، وبعد 3 أيام وصل المبلغ 5 آلاف دولار، وبعد شهر ونصف وصل 8 آلاف دولار” حسب ألفريد.

وبمجرد أن تمكن ألفريد من السفر إلى بيروت مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، توجه مباشرة لأستاذة هيام، التي أخبرته أن المكتبة رغم تضررها من الانفجار، فإنها استدركت الأمر وقامت بالإصلاحات اللازمة، ونصحته بتوجيه المبلغ المالي لصالح مدرسة في حي فقير بمنطقة النبع بضواحي بيروت.. وقالت إن هذه الأموال يمكنها أن تضمن تعليم 31 تلميذًا لمدة عام كامل.

تحمس ألفريد للاقتراح، ووجه أموال التبرعات لمدرسة وحصل على إيصال سداد مصروفات الطلاب.. زار المدرسة والتقط صورًا مع تلاميذها من لبنان وسوريا وفلسطين ومصر، كأنها تحاكي حبه لوطنه العربي.

 

ندى الخولي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى