سياسة

هجمات غير تقليدية.. التطور التقني يُعقّد جهود مكافحة الإرهاب

تواصل التنظيمات المسلحة تطوير الأدوات والوسائل التي تستخدمها في شن وتنفيذ الهجمات الإرهابية، واستفادت تلك التنظيمات من التطور التقني الذي عملت على تطويعه ليتواءم مع أهدافها واستراتيجيتها.

وأدت الهزائم والانكسارات التي تلقاها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وخسارته مناطق سيطرته في سوريا والعراق، إلى تفكير مقاتليه وأنصاره في تعظيم الاستفادة من التكنولوجيا لشن هجمات غير تقليدية، بحسب تقرير الاتجاهات العالمية الصادر عن مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي.

ونجح أنصار حركة الجهاد العالمي، وفي مقدمتها مناصرو تنظيم داعش، في تطويع شبكة الإنترنت وتقنيات الواقع المعزز والطائرات دون طيار “الدرونز” في الهجمات الإرهابية، وهو الأمر الذي يُتوقع أن يتزايد على مدار السنوات العشرين المقبلة، كما يقول تقرير الاستخبارات الأمريكية.

إرهابيو داعش

اتحاد تقني ببصمات جهادية

على مدار السنوات الماضية، واصل أنصار تنظيم داعش في العمل على شبكة الإنترنت لنشر الفكر الجهادي وتعزيز الخلافة الافتراضية التي اعتبروها بديلًا للخلافة المكانية التي انهارت في مارس 2019.

واستغل الجهاديون شبكة الإنترنت العادية ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة وكذلك شبكة الإنترنت المظلمة “دارك ويب” للهرب من الملاحقة الإلكترونية وتأمين المواد الدعائية والرسائل التنظيمية التي تتعرض للحذف بشكل متواصل نتيجة الملاحقة التي تشنها فرق الدعم الإلكتروني المكافحة للإرهاب ومنصات التواصل الاجتماعي التي أعادت صياغة سياستها لنشر المحتوى لمواجهة التمدد السيبراني للجهاديين.

وتعمل تلك المجموعات على نشر كلمات قادة التنظيم، وإعادة نشر الأخبار والإصدارات الإعلامية والرسائل الصوتية والصور ومقاطع الفيديو من منصات داعش شبه الرسمية: (وكالة ناشر نيوز، وفرسان الرفع)، وكذلك مشاركة أناشيد داعش، ومقاطع الفيديو الخاصة بالتنظيم، ومناقشة الاستراتيجيات العسكرية، وبالتالي بناء واستدامة الخلافة الافتراضية لداعش.

وكذلك توفر “الخلافة الإلكترونية” أرقام اتصال وهمية مجانية لأنصارهما بحيث يتمكنون من تسجيل حسابات تليجرام، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، والتهرب من كشف أرقامهم وبالتالي كشف هوايتهم، لأن حسابات وأرقام مواقع التواصل الاجتماعي المجانية التي يوفرها داعش لا تلزم أنصاره بتسجيل أرقامهم الحقيقية على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

وفي المقابل لم تستطع جهود الشركات الكبرى: (جوجل، وفيس بوك، وتويتر) أن توقف انتشار الرسائل الدعائية الجهادية، بينما لجأ أنصار التنظيمات الإرهابية إلى منصات جديدة مثل “تام تام” و”روكيت شات”، وعززوا وجودهم أيضًا في منصات تقليدية مثل تليجرام، وفايبر.

ولتحقيق فاعلية أكبر لنشاط الجهاد السيبراني، أعلنت مجموعات شبه نظامية من مناصري داعش الإلكترونيين، أبرزها: “الخلافة الشبحية” و”أبناء جيش الخلافة”، و”جيش الخلافة الإلكتروني” و”مجموعة كلاشنكوف للأمن الإلكتروني”، الاندماج في كيان مناصر موحد تحت اسم: “الخلافة الإلكترونية الموحدة على تليجرام”، ويعني الاتحاد الأخير بشن هجمات الاختراق والحجب الإلكتروني بجانب نشر دعاية التنظيم، وفقًا لما ذكره الخبيران في مكافحة التطرف مالكولم نانسي وكريس سامبسون في كتاب: (قرصنة داعش – كيفية تدمير الجهاد الإلكتروني).

وبحسب تقرير سابق لـ”ذات مصر” فإن مؤسسة آفاق الإلكترونية “Electronic Horizon Foundation” المرتبطة بداعش قدمت دروسًا متطورة في التكنولوجيا السيبرانية، بما في ذلك كيفية الاستفادة من شبكات افتراضية لحماية سلامتهم الرقمية الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، وتجنب المراقبة، واستخدام العملات المشفرة في دعم أنشطة التنظيمات الجهادية.

هكرز تابعين داعش

تهديد استثنائي

ويمثل التطور التقني الذي اكتسبه تنظيم تهديدًا استثنائيًا للأمن العالمي، لأن الجهاديين يستخدمونه في إعادة بناء تنظيماتهم وإلهام العناصر المحلية -الذئاب المنفردة- لشن هجمات إرهابية دون أن يضطروا للسفر إلى ساحات القتال لاكتساب الخبرة اللازمة.

ومع أن تقرير مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي يُشير إلى أن تركيز الجهاديين الأكبر لا يزال منصبًا على الهجمات الإرهابية التقليدية التي يتم فيها استخدام الأسلحة النارية والمتفجرات أو الوسائل غير القتالية كالشاحنات والسيارات التي يجري استخدامها في عمليات الدهس على سبيل المثال، فإنه يلفت إلى أن الجهاديين يواصلون اكتساب الخبرات التقنية اللازمة ليتمكنوا من شن ضربات موجعة للدول التي تحاربهم.

ووفقًا لموقع “الأمن الوطني اليوم” الأمريكي فإن الجهاديين سيواصلون السعي نحو الحصول على أسلحة دمار شامل، وربما يستفيدون منها مع الوسائل التقنية الحديثة في تنفيذ هجمات إرهابية، كأن يستخدموا الطائرات دون طيار “الدرونز” في شن هجمات بأسلحة غير تقليدية (كغاز الخردل) في أكثر من منطقة وفي توقيت واحد.

ويوضح الباحثان الأمريكيان بنجامين ويتز وجبريالا بلوم في كتابهما: “مستقبل العنف.. الروبوتات، الجراثيم، القرصنة الإلكترونية، والطائرات المُوّجهة بدون طيَّار – مواجهة عصر جديد من التهديد” أن مستقبل العنف في ظل التطور التكنولوجي لا يزال إشكالية كبيرة، خصوصًا أن التهديدات الأمنية التي يمثلها الإرهاب تواصل التفاقم، لأن الفضاء السيبراني نجح في تحويل طبيعة العنف إلى نقطة أصبح فيها التمييز بين “الحرب واللا حرب” أصعب من أي وقت مضى، ما أدى لتراجع دور الدول في مواجهة الجماعات، وتضاؤل دور الأولى في حماية مواطنيها بشكل كبير.

تحديات جيوسياسية تعرقل جهود مكافحة الإرهاب

وفي حين يوفر التقدم التكنولوجي فرصة إضافية لجهود مكافحة الإرهاب، لا سيما بعد تطور إمكانيات تعقب وتتبع الإرهابيين والوصول إلى معاقلهم عبر الطائرات المسيرة، وكذلك التطور الذي شهدته أدوات الاستدلال البيولوجي واستخراج البيانات وتحليل الفيديوهات والبيانات الوصفية، يلعب الصراع الجيوسياسي الحاصل بين بعض الدول دورًا في إعاقة جهود مكافحة الإرهاب.

ويؤكد تقرير مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي أن الصراع الجيوسياسي الحاصل بين الدول الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة والصين من شأنه أن يعرقل جهود مكافحة الإرهاب، وبالتالي سيمنح التنظيمات الجهادية فرصة لإعادة بناء وتعزيز شبكاتها في جميع أنحاء العالم وخاصة في مناطق جنوب وشرق آسيا ومناطق غرب ووسط إفريقيا.

ويصعب الصراع الجيوسياسي الحاصل من إمكانية عقد تحالفات ثنائية لمواجهة الإرهاب، خصوصًا في ما يتعلق بالتبادل الثنائي للمعلومات ومشاركة البيانات التي تسمح بتعقب العناصر الإرهابية الفاعلة ومنهم من الوصول الانتقال عبر الحدود والوصول إلى ساحات جديدة.

إقرأ أيضًا: دروس متطورة في التكنولوجيا السيبرانية: جهادُ خلافة “داعش” الافتراضية

محمد كرم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى