هدية الحرب الأهلية في إثيوبيا:

السودان وإريتريا يستعيدان أراضيهما المحتلة

ما إن أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي الحرب على إقليم تيجراي شمال البلاد، نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تحت عنوان “إنفاذ القانون”، حتى تواترت الأنباء بأن دولة إريتريا المُغلقة، المجاورة لإثيوبيا والسودان ولميدان الحرب الإثيوبي، قد استعادت بسهولة ويُسر مثلث بادِمبي المُتنازع عليه بين الدولتين في صراع راح ضحيته نحو 80 ألف مواطن من البلدين في حربي عامي 1998 و2000، ورغم أنّ الطرفين وقّعا على اتفاقية الجزائر عام 2000، القاضية بتبعيّة المُثلث لإريتريا، فإنّ النُخبة “التيجرانية” الحاكمة في إثيوبيا حينها، بقيادة رئيس الوزراء الأسبق ميليس زيناوي، سرعان ما انقلبت عليها وعلى قرار اللجنة الأمميّة الصادر 2002، والذي أقرّ بالسيادة الإرتيرية على المثلث وضرورة الانسحاب الإثيوبي الفوري منه، ما أسفر عن نوعٍ من الحرب الباردة بين البلدين استمرت عقدين.

آبي أحمد بالزي العسكري
بين الخرطوم وأديس أبابا

بالنسبة إلى السودان، لم تكن العلاقات بإثيوبيا يوما ما خالية من التوتر، إلا أنها شهدت استقرارًا نسبيًّا مع وصول الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي إلى الحكم في إثيوبيا 1991، غير أن هذا الاستقرار سرعان ما تبخّر، بُعيد محاولة اغتيال الرئيس المصري حُسني مبارك الفاشلة في العاصمة الإثيوبية عام 1995، عندما استهدف موكبه مسلحون في أثناء حضوره مؤتمر القمة الإفريقي، وعلى الرغم من نجاح طاقم حراسته من إحباط المحاولة فإنها خلفت توترًا في العلاقات بين البلدين، بعدما اتهمت الحكومة الإثيوبية –حينها- نظيرتها السودانيِّة بالسماح لمُتسللين من تنظيم القاعدة ودعمهم لتنفيذ العمليّة، وإثر ذلك أرسلت وحدات من جيشها إلى حدود البلدين تحت غطاء تأمينها من خطر تسلل المزيد من الإرهابيين. إلاّ أنّ هذه القوات احتلت أجزاء واسعة من منطقة الفشقة السودانية الخصبة.

الآن، وبعد اشتعال الحرب في إثيوبيا، ومُضى نحو 25 عامًا على الاحتلال الإثيوبي للفشقة السودانية، تواترت تسريبات صحفية من مصادر عسكرية واستخبارية موثوقة باسترداد الجيش السوداني لنصف الأراضي المتنازع عليها.

خريطة الفشقة

كانت صحف سودانية أكدت أن اللواء السادس مُشاة، التابع للجيش السوداني، تمكّن من استعادة كل الأراضي بمُعسكر “خور يابس” في منطقة الفشقة الصغرى، وبالتالي لم يتبق إلا 50% من جملة الأراضي المحتلة. 

وكان الجيش السوداني أوقف في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أحد أكبر زعماء عصابات الشِفتا الإثيوبية ومجموعته، التي تقول مصادر سودانية إنّها لعبت دورًا محوريًّا في احتلال نحو 150 ألف فدان من الأراضي الزراعية الخصبة داخل السودان، فضلاً عن ترويعها المواطنين وسرقة محاصيلهم ومواشيهم.

البرهان يتفقد قواته على الحدود مع إثيوبيا - صورة أرشيفية
تقاعس التيجراي

تقول هديل علي، الباحثة السودانية في علم الاجتماع السياسي لمنطقة القرن الإفريقي، إن السودان وإريتريا استمرتا في بذل قُصارى جهدهما من أجل ضبط النفس وعدم الإقدام على أي عمل عسكري من شأنه تأجيج المنطقة وإشعالها، وربما اعتبرت النخبة التيجرانية الحاكمة في أديس أبابا ذلك ضعفًا هيكليًّا في نظامي الحكم في الخرطوم وأسمرة. 

مناطق الحرب في إقليم تيجراي

تضيف: “الواقع أن العاصمتين كانتا تمران بمرحلة من الضعف والوهن، فأسمرة خسرت حربها ضد إثيوبيا وكادت القوات الإثيوبية تحتل كل إريتريا، لولا التدخلات الخارجية والنصائح التي أسداها المُجتمع الدولي لرئيس الوزراء الإثيوبي وقتها ميليس زيناوي، في حين أن النظام الإسلامي الحاكم في الخرطوم كان يمر بأقصى حالات ضعفه، ولربما شجّع هذا الحكومة الإثيوبية على الاستمرار في احتلال أجزاء من الدولتين الجارتين وعدم احترام الاتفاقيات الدولية، خاصة أنها تعترف بسيادتهما عليها، وبالتالي تُقر بأنها “دولة احتلال”! 

تواصل: “النُخبة التيجرانيِّة التي حكمت أديس أبابا زهاء 30 عامًا، كانت لا تمتلك ما يكفي من الحساسية في ما يتعلق بالتخطيط الإستراتيجي، وإلا لما تقاعست عن الانسحاب من مثلث بادمبي الإريتري ومنطقة الفشقة السودانية، لكنّها مثلها مثل النُخب الإفريقية الحاكمة لا ترى أبعد من قدميها، فعندما تُطلق النار عليهما، لا تعرف كيف تهرب”، بحسب تعبيرها.

تواطؤ مُحتمل

بالنسبة إلى الباحثة السودانية، فإنّ استثمار السودان للحرب الأهلية الإثيوبية من أجل استعادة منطقة الفشقة، سيبدو كأنه عمل انتهازي إنْ لم يكن بتواطؤ مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وهذا هو المُرجح، ولربما كان سيثير لاحقًا رغبة في الانتقام من قبل شعب الأمهرة، الذي يدّعي حقوقًا تاريخية في هذه الأرض، وفي هذه الحالة فإنّ النزاع سيعود مُجددًا إذا ما استقرت الأمور في إثيوبيا.

لاجئون إثيوبيون في معسكر أم راكوبة السوداني

في ما يخص إريتريا، الأمر مختلف –وفقًا لهديل علي– فالعلاقة بين أسمرة وأديس أبابا لا تنفصم عن بعضها، وإنْ خاضت الأولى حربًا ضروسًا استمرت 30 عامًا للاستقلال عن الثانية، لكن الواقع الجغرافي والديموغرافي والتاريخي والثقافي على الأرض يؤكد أن هذه الشعوب واحدة، خاصة شعبي تيجراي وأمهرة الإثيوبيين وشعب التيجرينا في مرتفعات إرتيريا، والتيجري في غربها وشرق السودان، وشعوب أخرى تعيش عبر الحدود بينهما، كالعفار والكُناما والساهو، لذلك فالصراع الراهن بين البلدين، مُفتعل من قبل النخب الحاكمة فيهما، فكل من أفورقي وزيناوي (سابقًا)، ودبراصيون، قائد التمرد الحالي، ينتمون إلى عِرقٍ واحد ويتحدثون لغة واحدة، لكنّهم يرفعون مسألة السيادة (قميص عثمان) لتنفيذ أجندتهم الخاصّة من أجل الحيازة على زعامة منطقة “القرن الإفريقي”، فالذي يتمكّن من حُكم إثيوبيا، ولو بطريقة غير مباشرة كما يحاول الرئيس الإريتري أن يفعل بتحالفه مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ضِدّ أبناء جلدته (التيجراي)، هو من سيفرض أجندته، ليس على القرن الإفريقي وحده، بل على إفريقيا برمتها لوجود مقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا. 

وتشرح الباحثة السودانية أنّ استعادة مُثلث بادمبي، وهو أرض إريترية خالصة، ليس الهدف الحقيقي من مشاركة أسمرة في الحرب الأهلية الدائرة في إثيوبيا، كما تقول تقارير ذات مصداقية عالية، وإنما السبب الحقيقي هو طموح الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بجانب تأمين نظامه، بالسيطرة على مركز القرار الإفريقي في أديس أبابا، وهذا هو الفرق بين حالتي السودان وإريتريا من الاستفادة من الحرب الدائرة في جارتهما.

نهر باسلام الفاصل بين منطقة الفشقة السودانية وإثيوبيا
الوقت المثالي

من جهته قال الخبير الأمني والإستراتيجي عصام شاع الدين في حديثه إلى “ذات مصر” إنه لم يكن أمام السودان خيار آخر غير استغلال ما يدور في إثيوبيا بنحوٍ إيجابي واستعادة أراضيه المسلوبة، وهذا ليس عملاً انتهازيًّا كما يروّج البعض، وإنّما سلوك سياسي طبيعي، والسياسة في بعض تعريفاتها، حسب قوله، هي القُدرة على استغلال الفرص واستثمارها، فإثيوبيا احتلت أراضي سودانية دون وجه حق، وظلت ترفض إعادتها على مدى ربع قرن مُتَذَرِّعة بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ، وأضاف: “ألا يكفي هذا دليلاً على أنها تفتقد الرغبة والإرادة السياسية لإعادة الحق إلى أهله؟”.

مثلث بادمبي الاريتري

ووصف “شاع الدين” منطقة الفشقة بأنها أغنى الأراضي السودانية، وقال: “بها ثروة مائية يمكن أن تجني للبلاد مليارات الدولارات سنويًّا إذا أُحسِن استثمارها وإدارتها، فبها تنزل أمطار موسمية هائلة وبحيرات من المياه الجوفية التي لا تنضب، لكونها تقع على سفح الهضبة الإثيوبية، فضلاً عن الأراضي الزراعية شديدة الخصوبة على امتداد 265 كيلومترًا على الخط الحدودي بين البلدين، كما تضم 3 أنهار (باسلام، سيتيت، عطبرة) لذلك تمكن زراعتها طول العام مرة بواسطة الأمطار الصيفية وأخرى بالري من مياه الأنهار، كما يمكن توليد الطاقة الكهربائية، والاستثمار في السياحة الطبيعية (السفاري)”.

يستطرد: “صحيح أنّ تاريخ النزاع حول الفشقة بين المزارعين من الجانبين يعود إلى خمسينات القرن الماضي، لكن إثيوبيا لم تدّعِ يومًا السيادة عليها، حتى بعد احتلالها أجزاء منها، وبالتالي، لا أرى في خطوة الحكومة السودانية عيبًا، بل كان سيعتبر تقاعسًا منها إذا لم تقدّم عليها في هذا الوقت، فلن تجد أنسب منه”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram