سياسة

“هرجيسا” الساحرة تبحث عن شهادة ميلاد

عندما زار الرئيس النيجيري الأسبق “أولوسيغون أوباسانجو” مدينة هرجيسا حاضرة صوماليلاند في مايو 2019 وصف التقدم والاستقرار الذي شهدته المدينة بقوله: “إنه المكان الذي أبدع صنعا من لا شيء تقريبًا “.

قبيل هذا التاريخ، وتحديدًا في يونيو 1960، حصلت محمية صوماليلاند على استقلالها عن بريطانيا وبعد خمسة أيام فقط قررت الانضمام طوعا إلى الصومال الإيطالية السابقة، من أجل تحقيق حلم الصومال الكبير الذي يضم في نهاية المطاف الصومال الفرنسي (جيبوتي حاليا)، ومنطقة أوجادين التي استولت عليها إثيوبيا، والاقليم الشمالي في كينيا.

هرجيسا عاصمة صوماليلاند

في وسط هرجيسا، وتحديدا في ساحة الحرية يوجد نصب تذكاري يحكي سيرة المدينة وهو يتألف من طائرة مقاتلة من طراز ميج 17 مثبتة على قاعدة.

إحياء الذكرى الأليمة

يحيي هذا النصب تضحيات أبناء المدينة عندما أمر “سياد بري” قواته الجوية بقصف المدينة، وهو ما أدى إلى سقوط  آلاف  الضحايا المدنيين.

وجراء القصف، تم تحويل ما لا يقل عن 80 %من مباني البلدة إلى أنقاض، وقتلت فرق الموت الحكومية عشرات الآلاف من أفراد عشيرة إسحاق التي تشكل غالبية سكانها في ما عرف بعد ذلك بعملية  “الإبادة الجماعية للإسحاق ”.

بحلول أواخر عام 1988، كان معظم سكان المدينة البالغ عددهم نصف مليون شخص قد هربوا  من وابل القنابل التي أسقطتها طائرات الميغ التابعة لسلاح الجو الصومالي عليهم.

نصب ميج 17 في هرجيسا

إقرأ أيضًا: القرن الإفريقي.. فوضى مؤجلة!

وعند سقوط نظام سياد بري بعد ثلاث سنوات، كانت المدن الرئيسية في صوماليلاند مثل هرجيسا وبورعو تعاني آثار الدمار والتخريب حتى أن هرجيسا كانت  تُعرف باسم “المدينة الخالية من الأسطح” بسبب عمليات  النهب الممنهجة من قبل قوات النظام الحاكم في مقديشو والتي استولت من خلالها على كل شيء بما في ذلك ألواح الأسقف والأبواب وإطاراتها.

بعد سقوط نظام “سياد برى” تعهدت الحركة الوطنية الصومالية أن تعيد لصوماليلاند استقلالها المفقود من خلال نهج الحوار وبناء السلام، حينها، لم يتطلب الأمر تمويلا خارجيا هائلا وإنما تم الاعتماد على الموارد الذاتية المحدودة.

سياد بري

في الواقع، قد يكون غياب التدخل، والتمويل الخارجي هو السبب الحقيقي لنجاحها، على الأقل مقارنة بجارتها الجنوبية، الصومال، التي انتقلت بعنف من مؤتمرات ومبادرات سلام مفروضة من الخارج إلى تدخل عسكري أممي وإقليمي.

بين هرجيسا ومقدشيو

وعلى النقيض من ذلك، كانت مؤتمرات السلام في صوماليلاند يديرها ويمولها التجار ورجال الأعمال من السكان المحليين، وعقد المؤتمر الأخير في عام 1993 على مدى خمسة أشهر تحت الأشجار في مدينة بورما الغربية.

مثل هذا الحوار، الذي كان سمة من سمات مجتمع صوماليلاند، كان حاسما في إحداث اختراقات مهمة في مسيرة صنع السلام بعيدا عن الصياغات المفروضة من الخارج.

ركز سكان صوماليلاند على تحقيق السلام كخيار استراتيجي، وليس على الحصول على العوائد المالية المتحققة من عملية السلام التي يجلبها سماسرة من الخارج.

تفجيرات إرهابية في مقديشو

للمزيد: الصومال ومأزق الاعتماد على الحلول المستوردة

وعلى الرغم من الاختلاف الواضح في مسيرة كل من هرجيسا ومقديشيو من اجل بناء الدولة، لاتزال الصومال ترفض حق صوماليلاند في الطلاق، متشبثة بشوفينية الرباط المقدس وأن الزواج يمكن إصلاحه.

كما أن الاتحاد الأفريقي لايزال يلهث وراء آمال لم الشمل بين الطرفين في ظل المخاوف التي لا يمكن انكارها من تأثير قبول واقع الدولتين الحالي.

صوماليلاند وتغيير الصورة الذهنية

استطاعت صوماليلاند أن تغير الصور الذهنية والأنماط الجامدة في الادراك العام التي ارتبطت بأزمة الصومال منذ عام 1991، وطورت نظامًا سياسيًا ديمقراطيًا مستقرًا، يدمج العناصر الحديثة والتقليدية معا.

و في عام 2002، قامت هرجيسا بالانتقال من نظام حكم  العشيرة إلى ديمقراطية متعددة الأحزاب بعد استفتاء عام 2001، مما أدى إلى إضفاء الطابع الرسمي على مجلس الشيوخ (غورتي) باعتباره الغرفة الأعلى للبرلمان.

نحن إذن امام نظام هجين يضمن دعم هياكل السلطة التقليدية القائمة على العشائر، فمنذ ذلك الحين، كانت هناك انتخابات منتظمة وتداول متكرر للسلطة بين الأحزاب السياسية الرئيسية.

إقرأ أيضًا: الانتخابات في الصومال: جولة جديدة من الاضطراب

وعلى سبيل المثال فاز بالانتخابات الرئاسية لعام 2003 طاهر ريالي كاهين على منافسه أحمد محمد سيلانيو بفارق 80 صوتًا فقط، بيد أن سيلانو تمكن من الفوز بمنصب الرئاسة في عام 2010 بنسبة 49٪ من الأصوات مقابل 33٪ لخصمه موسى بيهي عبدي، الطيار المتقاعد  الذي خدم في الجيش الوطني الصومالي.

وفي عام 2017، عاد “موسى بيهي” بقوة للترشح للانتخابات الرئاسية، وحصل بالفعل على 55 ٪ من الأصوات، وأصبح خامس رئيس للبلاد، بما يعزز من تقليد عمليات تسليم سلمية للسلطة يندر أن نجد مثلها في التقاليد الأفريقية السائدة.

هرجيسا.. قصة نجاح ديمقراطية

تأبى هرجيسا إلا أن تكمل مسيرة قصة نجاحها رغم التحديات وضيق ذات اليد، ففي 31 مايو 2021، وهو التاريخ الذي يصادف الذكرى الثلاثين لإعلان استقلال صوماليلاند ويوافق كذلك الذكرى العشرين لديمقراطيتها التعددية تم اجراء الانتخابات البرلمانية والمحلية المؤجلة منذ عام 2005 بسلاسة.

على عكس الانتخابات الست السابقة في صوماليلاند، والتي تم تمويلها في الغالب من قبل جهات خارجية، تم تمويل معظم نفقات الانتخابات الأخيرة من مصادر داخلية.

صورة من الانتخابات البرلمانية في صوماليلاند
صورة من الانتخابات البرلمانية في صوماليلاند

وعلى الرغم من التأجيلات في الانتخابات، بسبب الخلاف بين الرئاسة وأحزاب المعارضة حول ترشيح أعضاء اللجنة الوطنية للانتخابات، والتحديات مع نظام تسجيل الناخبين البيومتري بقزحية العين، فقد كانت هذه  الانتخابات الأكثر تنافسية حتى الآن، مع  وجود  246 مرشحًا على 82 مقعدًا برلمانيًا و 966 مرشحا لشغل 249 منصب في بلديات المناطق الست التي تتألف منها البلاد.

إقرأ أيضًا: مفاتيح الشخصية الإثيوبية

ربما يقول قائل إن الديمقراطية في صوماليلاند ترتبط ارتباطا وثيقا بتجانسها المجتمعي حيث تهيمن عليها عشيرة واحدة، هي الإسحاق، على عكس الصومال، التي يتعين عليها الموازنة بين المصالح والطموحات المتنافسة لأربع عشائر رئيسية والعديد من العشائر الأصغر.

لكن هذا القول مردود عليه حيث توجد اختلافات عديدة بين عشائر إسحاق الفرعية والعشائر الفرعية الأخرى، كما أن ولادة الدولة الجديدة لم تكن خالية من العنف الداخلي، الذي تتطلب  عملا شاقا ومضنيا للتخلص منه.

لعل أحد التفسيرات المقنعة ترتبط بتأثير الثقافة الديمقراطية للحركة الوطنية الصومالية التي ظلت لمدة 10 سنوات تناضل من أجل الديمقراطية، رافضة دكتاتورية سياد بري.

نظام الحكم في هرجيسا

لقد استندت الممارسة الديمقراطية التي يعكسها نظام الحكم في هرجيسا على دستور الحركة الوطنية الصومالية، التي كانت ديمقراطية للغاية، حيث كانت هناك انتخابات منتظمة كل عامين، وعملت فيها اللجنة المركزية عمل البرلمان.

شرطة صوماليلاند

وعلى الرغم من عزلتها الدبلوماسية، فإن صوماليلاند تندمج بقوة مع تيار العولمة الجارف ربما بسبب ارتباطها بأبنائها في المهجر الذين يشكلون عماد اقتصادها الوطني.

لاحظت ذلك أثناء زيارتي لهرجيسا منذ بضعة سنوات واندهشت بمجرد أن وطأت قدماي  مطار هرجيسا بمبناه المحدث ومدرجه الذي تم تطويره، ورأيت مدينة أعيد بناؤها بالكامل تقريبًا.

في الطريق إلى المدينة، تشاهد لافتات الترحيب من جمهورية صوماليلاند، وشرطة المرور المدنية التي ترتدي الزي الرسمي وتوجه سيلا متدفقا من المركبات، وسلسلة من المتاجر والفنادق والمقاهي العامرة وفوق ذلك كله إمكانية دفع الفواتير عن طريق الهاتف المحمول.

للمزيد: الصومال ومأزق الاعتماد على الحلول المستوردة

يبلغ عدد سكان هرجيسا اليوم 1.2 مليون نسمة، أي ما يقرب من ربع إجمالي سكان صوماليلاند، وتتمتع المدينة بأجواء آمنة ومنفتحة وودودة، حتى بعد حلول الظلام ، وهذا أمر لا يُصدق تقريبًا بالنسبة لشخص مثلى سافر إلى مدن أخرى مثل جوهانسبرج، أو نيروبي أو حتى مومباسا.

إن تجربة الممارسة الديموقراطية في هذه الدولة غير المعترف بها أمميا وأفريقيا جعلتها كالمولود الذي فقد شهادة ميلاده ورغم ذلك سلك سبيله في الحياة وحيدا يتكفل بنفقات معيشته وتعلمه حتى أصبح مثالا يحتذى بين أقرانه.

صورة من اجتماعات الاتحاد الإفريقي
صورة من اجتماعات الاتحاد الإفريقي

ولا شك أن التزام هرجيسا بتحسين القواعد والمعايير الديمقراطية وتغييرها المنتظم للزعماء عبر صناديق الاقتراع جعل منها قوة ديمقراطية إقليمية يشار اليها بالبنان.

وينبغي أن تطرح تجربتها الناجحة الدروس والعبر للبلدان الأفريقية الأخرى الأكثر ثراءً والتي يعمد شاغلو المناصب العامة فيها على تقليص التقدم الديمقراطي، لأنه يهدد سلطتهم وامتيازاتهم المالية. حقا إن للصومال وجوها أخرى مضيئة كالشهب اللامعة.

 

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى