هروبًا من المصيدة..

السلفية الجهادية بالأردن: كُمونٌ ضروري للهجوم

خلال السنوات الأولى من العقد الماضي، وبينما كانت المنطقة العربية تعيش على وقع تأثير ما عُرف بـ”الربيع العربي”، كان التيار السلفي الجهادي يعزز شبكاته وينشط من داخل المملكة الأردنية، مستفيدًا من المتغيرات الإقليمية وعلى رأسها اندلاع وعسكرة الثورة السورية.

في تلك الأثناء، لمع نجم التيار الجهادي الذي نجح في التغلغل داخل عدة مناطق أردنية على مدار سنوات عديدة، ومد جذوره داخل البنية المركبة للمجتمع المحلي، لكن هذا التوهج ما لبث أن خفت، خلال فترة قصيرة، ليختفي التيار من واجهة الأحداث في البلاد كأنه لم يكن متصدرًا لها ذات يوم.

لم يكن البروز ثم الاختفاء سوى فصل من فصول المواجهة المستمرة بين السلطات الأردنية والتيار الجهادي من جهة والتيار الجهادي- الجهادي من جهة أخرى، ما أدى إلى تراجع حضور هذا التيار وكمونه رغم وجود 2 من أبرز منظّريه العالميين داخل المملكة، وهما: عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي)، وعمر محمود (أبو قتادة الفلسطيني).

أبو قتادة الفلسطيني
الزرقاء الأردنية.. وسياسة المصيدة

في إبريل/ نيسان 2011، وقعت صدامات عنيفة بين أنصار التيار السلفي الجهادي في الأردن وبين قوات الأمن في مدينة الزرقاء على أطراف العاصمة الأردنية، وخلفت تلك الصدامات عشرات الإصابات في الطرفين، لكنها لم تكن سوى البداية، إذ ألقت أجهزة الأمن القبض على العشرات من قيادات وأنصار السلفية الجهادية، وقدمتهم لمحاكمات على خلفية الأحداث.

في نفس التوقيت تقريبًا، بدأ توافد العشرات من أنصار التيار إلى سوريا المجاورة للمشاركة في القتال ضد نظام الرئيس بشار الأسد، بناءً على دعوات أطلقها منظرو التيار الجهادي، لكن هذه المشاركة كانت لها انعكاسات عديدة على التيار، كما تبين لاحقًا.

فحسب وائل البتيري، الباحث الأردني في الحركات الإسلامية، فإن أحداث الزرقاء وما تلاها من مشاركة التيار السلفي الجهادي في القتال الدائر في سوريا، أدت لانكماش التيار داخل الأردن، مضيفًا أن أجهزة الأمن في البلاد نجحت في نصب مصيدة لهذا التيار الذي دخلها بقدميه.

وأشار “البتيري” لـ”ذات مصر” إلى أن التيار الجهادي قاد مظاهرات داخل الأردن بالتزامن مع موجة الربيع العربي، لكن حراكه كان منعزلاً ومتمايزًا عن باقي الحراك الموجود داخل البلاد، كما تأثر بوضوح بفشل تلك الموجة في مصر وغيرها وتراجعت حالته الثورية من جراء ذلك.

أبومحمد المقدسي

على صعيد متصل، أوضح الباحث الأردني في الحركات الإسلامية أن الشقاق الجهادي الذي وقع بين تنظيمي داعش والقاعدة، ثم الخلاف الذي وقع بين القاعدة وهيئة تحرير الشام في سوريا، كان له تأثيرات واضحة على الساحة الأردنية، فقد أدى إلى خلاف بين قطبي السلفية الجهادية (أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني) وبالتالي انقسم أنصار التيار في البلاد إلى أكثر من معسكر، ما أدى إلى إضعافه وانكماشه.

الشقاق الجهادي وأثره في التيار الأردني

ونشب الشقاق الجهادي في أواخر 2013 وبدايات 2014، عندما أعلن أبو بكر البغدادي، الزعيم السابق لداعش، حل فرعي التنظيم في العراق (دولة العراق الإسلامية)، وسوريا (جبهة النصرة) وإدماجهما في تنظيم واحد باسم “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وهو ما رفضه أبو محمد الجولاني، أمير جبهة النصرة، آنذاك، والذي بايع أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، ليتخلص من تبعيته لتنظيم داعش، قبل أن يقع اقتتال بين الطرفين في سوريا.

ووقع الخلاف بين تنظيم القاعدة والنصرة (تحولت لاحقًا إلى جبهة فتح الشام ثم هيئة تحرير الشام)، في عام 2017، عندما أعلنت الجبهة فك ارتباطها بتنظيم القاعدة، وتطورت الخلافات لاحقًا وأدت لوقوع صدامات عنيفة بين فرع القاعدة في سوريا حاليًّا (حراس الدين)، وبين هيئة تحرير الشام التي تُسيطر على مدينة إدلب في شمال سوريا حاليًّا.

مظاهرات التيار السلفي الجهادي في الأردن

وأدت حالة الخلاف بين منظري السلفية الجهادية في الأردن إلى انشغال كل فريق منهما بصياغة الردود على الطرف الآخر، وتقديم تنظيرات تؤيد ما ذهب إليه من مواقف، وبالطبع أثّر هذا في التيار عمومًا.

ومن التأثيرات الواضحة لهذا الخلاف، هو اتجاه الكتلة الأكبر من شباب التيار السلفي الجهادي، والذين يمثلون غالبيته، إلى تأييد تنظيم داعش، رغم أن “المقدسي” و”الفلسطيني” اتهما التنظيم بالخارجية والتشدد، في حين رد التنظيم على مخالفيه واتهامهم بالعمالة والخيانة والردة عن الإسلام، عبر أكثر من إصدار إعلامي بثه عبر شبكة الإنترنت.

ومن ناحيته، اعتبر محمد أسعد التميمي، المحلل السياسي الأردني، أن إجراءات السلطات الأردنية لتقليم أظافر التيار السلفية الجهادية كانت العامل الحاسم في تراجع هذا التيار.

واستشهد “التميمي” بالتعديلات التي أُدخلت على قانون منع الإرهاب الأردني التي جرمت التعاطف مع التنظيمات الإرهابية، وبناءً على ذلك تتبعت أجهزة الأمن الأردنية أنصار السلفية الجهادية عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وتويتر وغيرهما، واعتقلت المؤيدين للتنظيمات الجهادية وفي مقدمتها “داعش” وأحالتهم إلى محاكم أمن الدولة.

ووفقًا لتقدير المحلل السياسي يوجد نحو 300 شخص ما بين محكوم عليه ومحتجز بتهمة الالتحاق بالتنظيمات المسلحة، أو التخطيط للالتحاق بأحد هذه التنظيمات.

تكتيكات مراوغة

ويتوقع مراقبون أن يلجأ التيار السلفي الجهادي في الأردن إلى تكتيكات مراوغة للخروج من حالة الجمود والتراجع التي أصابته على مدار السنوات الماضية، إضافة إلى السعي للاستفادة من المتغيرات المحلية والإقليمية واستغلال الظروف السياسية والاقتصادية التي تعيشها المملكة الأردنية للعودة إلى واجهة الأحداث مجددًا.

قوات الأمن الأردنية

ويستفيد التيار السلفي الجهادي من حالات الاضطرابات والثورات التي تحدث داخل مناطق نشاطه، ويستثمرها في تحقيق قفزات نوعية عبر التحالف مع تيارات أخرى لتحقيق مكاسب ذاتية.

وفي حين لا يتوقع البحث الأردني وائل البتيري أن يحقق التيار الجهادي أي قفزات نوعية خلال الفترة المقبلة، نتيجة المصيدة الحكومية التي علق فيها وانقسامه وتشرذمه لعدة فصائل على مدار الفترة الماضية، يرى الدكتور ذياب البداينة، مؤسس ورئيس مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث، أن التيار السلفي الجهادي لم يتراجع على مستوى الفكر أو الحركة، لكنه تأثر بفعل عوامل عديدة على رأسها جائحة كورونا وما صاحبها من إجراءات احترازية، فرضت قيدًا على التحرك ومنع التجمعات وغيرها.

وذكر “البداينة” لـ”ذات مصر”، أنّ هذا الفكر المتشدد والمتطرف للتيار الجهادي في الأردن لا تمكن معالجته إلا بخطط شمولية تبدأ من التعليم العام والتعليم الديني، خاصة المدارس الدينية والقوانين وغيرها، منوهًا بأنّ الحالة الراهنة هي مجرد حالة كمون مثل الخلايا النائمة في التنظيمات الإرهابية المسلحة، التي تتريث وتنتظر الفرصة المناسبة للنشاط.

وتابع أن التيار الجهادي ما زال قادرًا على الاستفادة من شبكة الإنترنت ومن مواقع التواصل الاجتماعي في نشر أيديولوجيته العابرة للحدود الوطنية، والسعي لتشكيل خلايا وتنظيمات ذات امتدادات عالمية غير متقيدة بالنطاق الجغرافي، وهو ما يتضح من وجود مجموعات أنصار وداعمين لهذا الفكر في الدول الأوروبية وغيرها.

وألمح رئيس مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث إلى أن التيار السلفي الجهادي في الأردن يستفيد من وجود حاضنة اجتماعية ودينية في بعض المناطق، خصوصًا أن أفكاره لا تزال تلقى قبولاً لدى بعض الناس، بسبب القداسة التي يُضفيها على ممارساته ورفعها فوق مستوى النقد العقلي، متوقعًا أن يستفيد هذا التيار من الظروف السياسية المتقلبة عبر رفع شعارات تحرير فلسطين وإجهاض صفقة القرن وغيرها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

مصطفى أبو عمشة

صحفي وباحث أردني

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram