هروب اضطراري

لماذا انخفضت أعداد أطباء الرعاية المركّزة؟

بينما كان الرئيس “محمد أنور السادات” يستعد للسفر إلى الولايات المتحدة للتوقيع على اتفاقية “كامب ديفيد” مع إسرائيل في مارس 1979، كان الطبيب المصري “شريف مختار” يحزم حقائبه عائدًا من البلد نفسه، تُسيطر عليه فكرة واحدة هي إدخال “طب العناية المركزة” إلى مصر للمرة الأولى.

مهمة الطبيب العائد بعد حصوله على الدكتوراه، لم تكن سهلة أبدًا، إذ ولمدة 3 أعوام ظل يُحاول التغلب على الأزمات التي واجهته ولا سيما “المادية”، حيث بلغت تكلفة إنشاء الوحدة آنذاك نحو 440 ألف جنيه. وكادت هذه الأزمة المالية تدفعه إلى العودة لأمريكا مرة أخرى، بحسب حوار له، لكنّ وكيل أول وزارة التخطيط حينئذ “سعد الدين الحنفي” وفر التمويل المطلوب.
وفي الثاني من مارس 1982، افتتح رئيس وزراء مصر الأسبق “فؤاد محيي الدين”، وحدة العناية، التي تحولت إلى قسم سنة 1991، وأُطلق عليها فيما بعد اسم مؤسسها “وحدة شريف مختار للحالات الحرجة”.

لكن ورغم مرور نحو 38 سنة على وجود طب العناية المركزة؛ إلا أن مصر لا تزال تُعاني ندرة في عدد أطباء العناية المركزة العاملين في المستشفيات الحكومية، إذ يبلغ عددهم 922 طبيبًا فقط، بحسب النشرة الصحية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2019.

ومع انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) الذي يحتاج نحو 5% من المصابين به لدخول العناية المركزة (وفقًا لـ”اللجنة” العلمية لمكافحة فيروس كورونا بوزارة الصحة)، أطل الوضع المخيف لـ”طب العناية المركزة” برأسه، إذ اعترفت وزارة الصحة بنقص الأطباء في قسم الرعاية المركزة، على لسان الدكتور “شريف وديع”، مستشار وزيرة الصحة المصرية للرعايات الحرجة.

وبحسب مستشار وزيرة الصحة فإن 40% من أسرّة الرعاية المركزة البالغ عددها نحو 10.3 آلاف سرير رعاية مركزة، تم إغلاقها بسبب نقص الأطقم الطبية، أو لأسباب فنية.

في هذا التقرير، يكشف “ذات مصر” تقلص عدد أطباء الرعاية المركزة إلى أقل من 1000 طبيب فقط في المستشفيات الحكومية، إضافةً إلى خريطة توزيعهم في المحافظات المصرية. كما يوضح تدني هيكل أجور أطباء العناية، مما يدفعهم إلى الهجرة إلى دول الخليج، وأوروبا، والولايات المتحدة.

كما يقدم التقرير تحليلًا رقميًّا بعدد أسرّة الرعاية المركزة في المستشفيات الخاصة والجامعية، ويبين عدم الالتزام الحكومي بتخصيص 3% من الموازنة العامة للإنفاق الصحي، بالمخالفة لنص الدستور، وذلك بعد مراجعة آخر 4 موازنات حكومية.

"الرعاية المركزة".. التخصص الصعب

غَمَرَ ضوءٌ باهتٌ أجواءَ العنبر بذلك المستشفى العام، الساعة تخطت الثانية عشرة بعد منتصف ليلة ربيعية، بينما تبدو في الواجهة لافتة قديمة كتب عليها “قسم العناية المركزة”، ردهة طويلة صامتة وزعت على جانبيها أسرِّة المرضى رجالًا ونساءً، يُصارعون الموت لأجل الحياة.

اعتادت الطبيبة “هدى قاسم”، خريجة كلية الطب، هذا المشهد في قسم العناية المركزة والحالات الحرجة بمستشفى المنصورة العام.

تتداعى هذه الذكريات على لسان “هدى” وهي تتحدث عن رحلتها مع الرعاية المركزة قائلةً: “حين كنت في كلية طب المنصورة، قسم العناية المركزة، كان الأقل عددًا بين الأقسام، حتى إنه لم تكن هناك تخصصات للرعايات مثلما هو الآن”.

وتُضيف بنبرة ساخرة: “تخصص العناية جديد نسبيًّا مقارنة بتخصصات مثل الجراحة والنساء، الذي استقرت قواعده، حتى إن المجتمع المصري يعتقد أنه طبيب كل حاجة”.

وتُتابع “قاسم” لـ”ذات مصر”: “تخصص الرعاية المركزة صعب، واحتمالية التعرض للعدوى أضعاف الأقسام الأخرى”، مضيفةً: “العناية قسم طارد، فهو بلا أي مميزات مادية”. وتُشير إلى عزوف أغلب خريجي كلية الطب عن دخول تخصص العناية.

وتقول: “اللي بيختار قسم العناية، يكون عايز يحارب الظروف، أو عنده حب للتخصص، لكن أغلب خريجي كلية الطب يرغبون في قسم يُتيح لهم فتح عيادة خاصة، بسبب ضعف رواتب المستشفيات الحكومية”.

اضغط على الأيقونات داخل الخريطة لمعرفة عدد أطباء العناية بكل محافظة
اعتداءات متكررة

إلى ذلك، تسرد طبيبة مستشفى المنصورة وقائع “انعدام الأمن” والتعدي على أطباء العناية، أو تحطيم الأجهزة الطبية، كون القسم واحدًا من الأقسام التي ترتفع بها نسب الوفيات، قائلةً: “يتم التعدي علينا لفظيًّا بشكل يومي، وأحيانًا التعدي البدني، وذلك دفع أغلب المستشفيات إلى تركيب أبواب حديدية لقسم العناية بدلًا من الأبواب الزجاجية”.

وبلغ عدد حالات الوفيات بقسم العناية المركزة بالمستشفيات الحكومية 13.9 ألف حالة، من إجمالي 114.7 ألف مريض عُولِجوا داخل قسم العناية خلال عام 2018/2019، بحسب النشرة الصحية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نوفمبر 2019.

وتُكمل: “كثيرًا ما يعتقد المواطنون أن الأطباء بإمكانهم إحياء الميت، أغلب الحالات تصل للعناية وهي ميتة”، متابعةً: “لا توجد قوانين تحمي الأطباء والتمريض من عنف أهالي المرضى”. وتستعين الطبيبة بالعبارة الدارجة: “من أَمِنَ العقاب أسَاء الأدب”.
وتختم حديثها: “كثيرًا ما أشعر بإحباط، ففي أغلب الوقت تتساهل إدارة المستشفى في حق الطبيب، ومفيش حامي غير ربنا”.

إفلات من العقاب

من جهته، يشرح “محسن كمال”، المحامي الخاص لنقابة أطباء الجيزة، واقع قضايا التعدي على الأطباء، بأن كل حالات التعدي تخضع لقانون العقوبات فقط، ولكن إذا كان الطبيب يعمل في مستشفى حكومي، يُضاف بند “التعدي على موظف عام أثناء تأديته عمله” من القانون نفسه. 

ويوضح “كمال” لـ”ذات مصر”، أن بعض المتعدين على الأطباء يتحايلون على القانون، فيحررون محضرًا ضد الطبيب المعتدَى عليه في القسم، وبالتالي تستدعي النيابة العامة الطرفين، ونتيجة لذلك يتخوف الأطباء من الحبس المؤقت بسبب ظروف عملهم، أو الضغوط التي يمارسها أهالي المواطنين أو المستشفى، مما يضطر أغلب الأطباء للتنازل عن المحضر.

ويُضيف: “كثير من محاضر المواطنين تحوي عبارات مثل قيام الطبيب بشتم المواطن أو اعتدى عليه أولًا”، مشيرًا إلى أنها باتت “ظاهرة” خلال الفترة الماضية.

ويرى محامي نقابة أطباء الجيزة، أن هناك مقترحًا بإنشاء وحدة شئون قانونية وضبطية قضائية داخل المستشفى، على أساس إتمام التحقيق داخله، وذلك حتى لا يُضطر الطبيب للذهاب إلى القسم أو النيابة العامة.

هجرة أطباء الرعاية

في نهاية فبراير الماضي، وبينما انهمك الطبيب “نبيل فتحي”، أخصائي العناية المركزة والحالات الحرجة بمستشفى دمياط التخصصي، في الاستعداد للسفر إلى إحدى الدول الخليجية، تفاجأ بإصدار قرار تعليق السفر بسبب تفشي جائحة كورونا.
كان من المقرر أن يسافر “فتحي” في الأول من مارس الماضي، ليستأنف عمله الذي يتقاضى منه راتبًا كبيرًا يبلغ نحو 45 ضعف راتبه الحالي بوزارة الصحة المصرية، كما يروي لـ”ذات مصر”.

يعتبر “فتحي” أن عدم وجود تميز لأطباء العناية على المستوى المادي أو المهني أحد أسباب عزوف خريجي كليات الطب عن دخوله. مضيفًا: “أنا معرّض للعدوى 20 مرة، ومع ذلك لا توجد أي مميزات، لذا يتساءل خريجو كليات الطب: ليه أدخل قسم العناية؟!”.

ويسرد “فتحي” تفاصيل نقاش دار بينه وبين مدير مديرية الصحة بدمياط (شمال شرقي القاهرة) قائلًا: “سألني المدير حول سبب سفري، فكانت إجابتي: إدوني ربع أو ثمن الراتب المعروض عليَّ، إدونا نعيش حياة كريمة هنا، محدش عايز يتغرب”.

ويتابع: “لولا انتشار فيروس كورونا المستجد لما كانت أُثيِرت أزمة نقص أطباء العناية، رغم أنهم يتعاملون مع أشد الأمراض فتكًا، من “كورونا”، كفيروس ميرس القاتل وغيره”.

ويُردف: “سبق وتعاملنا مع فيروسات قاتلة بإمكانيات أقل من المتاحة حاليًّا، بالبلدي كدة “غَزَلنا برجل حمار”، فحاليًّا طبيب العناية يتعامل وخوفه الرئيسي أن يكون هو مصدر نقل العدوى، سواء لمرضى آخرين أو لأهله وذويه أو أصدقائه أو أيًّا كان المُتعاملون معه”.

نقص معدات الوقاية

ويُوضح أخصائي العناية المركزة والحالات الحرجة، أن معدات الوقاية لأطباء وطاقم التمريض بالعنايات المركزة لا تُصرف للطبيب سوى مرة باليوم، معتبرًا أن ذلك يخالف قواعد مكافحة العدوى التي تنص على أن الواقيات الشخصية لطبيب العناية تُستعمل لمرة واحدة فقط”.

ويشير “فتحي” إلى أن معظم أقسام العناية بالمستشفيات، لم تكن تُوفر أي معدات وقاية للأطباء، لكن مع الضغط والخوف من انتشار العدوى، بات المتوفر حاليًّا لدى أطباء العناية في “النبطشية أو المرور الصباحي” من معدات الوقاية يكفيه طوال اليوم.. “يعني لو الطبيب دخل الحمام أو ذهب ليأكل، يُكمِل نبطشيته دون معدات وقاية”.

ويُحدد الطبيب “نبيل فتحي” معدات وقاية الطبيب في حالة مريض مصاب بفيروس كورونا بـ”قناع تنفسي من نوع N95، الجاون الطبي، عباءة طبية تغطي كل جسد الطبيب، النظارة الطبية”، واصفًا هذه المعدات بأنه لا يمكن التنازل أو التساهل فيها، لكن هناك إمكانيات ومعدات أعلى بكثير تضمن للطبيب الأمان الكامل.

وحددت وزارة الصحة والسكان المصرية، في الدليل القومي لمكافحة العدوى الصادر أثناء تولي الدكتور “محمد عوض تاج الدين” وزارة الصحة “2002 – 2005″، معدات الوقاية لأطباء قسم العناية المركزة بـ”القفازات التي تكون بأنواع مختلفة، وغسول للأيدي، والجاون (رداء طبي)، مآزر بلاستيكية، وأقنعة واقية”.

وبين التقرير طرق تصميم وحدة العناية، بأن يجب ترك مسافة 2.5 إلى 3 أمتار بين كل سرير والسرير الذي يليه، وتركيب فواصل عازلة بين المرضى، وأن تكون دورات المياه خارج الوحدة، وفصل أماكن تحضير الدواء، وفصل أماكن أدوات التنظيف والتخلص من النفايات”.

فضلًا عن ضرورة أن يكون القسم جيد التهوية، وأن تظل النوافذ مغلقة لتجنب العدوى، وتخصيص أماكن لتدليك اليدين بالكحول المطهر، أما عن معدات الوحدة الطبية، فأهمها جهاز التنفس الصناعي، وقساطر الشفط من القصبة الهوائية، والأنابيب الحنجرية، وجهاز الصدمات الكهربائية، وأقنعة الأكسجين، وأوعية جمع الإفرازات، بحسب تقرير مكافحة العدوى.

رواتب ضعيفة

يعتقد الدكتور “طارق كامل”، أستاذ الأنف والأذن والحنجرة بكلية الطب جامعة القاهرة، وعضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا، أن إجمالي أعداد أطباء العناية المركزة بمصر، في انخفاض باستمرار، معللًا ذلك بأنه تخصص شاق جدًّا، سواء على مستوى الدراسة أو الممارسة، إضافةً إلى أن المقابل المادي غير مجزٍ قياسًا بالتخصصات الطبية الأخرى.

ويقول: “معظم طلاب كليات الطب يختارون التخصصات التي تُمكِّنهم من فتح عيادات خاصة، وأبرز هذه الأقسام الجراحات بكافة أنواعها، والتخصصات الجلدية”، بعكس قسم العناية المركزة الذي يكاد يقتصر عمله على المستشفيات فقط.

ومن الأسباب كذلك انخفاض عدد الأسرّة في مصر، سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة، وبالتالي فالمستقبل المهني مرهون بأمور مادية ليست في يد الطبيب، بحسب عضو نقابة الأطباء. مضيفًا، وبالتالي لا يوجد حافز مادي أمام الأطباء.. “حتى لو حصل الطبيب على ألفي جنيه في أحد شيفتات المستشفيات الخاصة، يظل راتبه غير كافٍ”.

ويُتابع، أن حجم راتب طبيب العناية المبدئي “مقيم تخصص” يتراوح بين 2000 إلى 3000 جنيه، وراتب الأخصائي أو الأخصائي المساعد أو الاستشاري لن يزيد على 6 إلى 7 آلاف جنيه شهريًّا، هذا إن كانوا يحصلون عليها، ومع ذلك تظل أرقامًا هزيلة جدًّا بالنسبة للطبيب.

ويُحدد قرار رئيس الجمهورية رقم 14 الصادر في عام 2014، رواتب الأطباء العاملين بالمستشفيات التابعة لوزارة الصحة والتي تخضع لمصطلح “كفاية الأداء المهني”، ذلك أن يكون تقييم الأداء بمرتبة كفء للحاصل على أعلى من 90%، ومرتبة فوق المتوسط للحاصل على أعلى من 80%، ومرتبة متوسط للحاصل على 70%، ومرتبة دون المتوسط للحاصل على 60%، ومرتبة ضعيفة للحاصل على ما دون 59%.

جداول حوافز الأطباء

ويقترح “كامل” زيادة راتب طبيب العناية المركزة إلى 3 أضعاف راتب أطباء الأقسام الأخرى في قطاع الطب العلاجي بوزارة الصحة، لترغيب خريجي كلية الطب في اختيار قسم العناية أثناء دراستهم.

نقص أسرّة الرعاية المركزة

يرى الدكتور “محمد حسن خليل”، منسق عام لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، إحدى المنظمات الحقوقية العاملة في مجال الصحة، أن أحد أبرز الأسباب وراء انخفاض أعداد أطباء العناية المركزة، هو النقص المطلق في أعداد أسرّة الرعاية المركزة في مصر.

ويُضيف لـ”ذات مصر”، أنه من خلال الاعتماد على بيانات نقابة الأطباء، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن إجمالي عدد أسرّة الرعاية المركزة بمصر نحو 10.3 آلاف سرير بأنواعها، مما يعني سرير رعاية لكل 100 ألف مواطن، وهذا أقل من المتوسطات العالمية.

ويُتابع أن متوسط أسرّة الرعاية المركزة في قارة آسيا 7.3 أسرّة لكل 100 ألف شخص، وفي أوروبا 8.3 أسرّة لكل 100 ألف شخص، مما يعني 7 إلى 8 أضعاف المتوسط في مصر. ويُوضح “خليل” أن نحو نصف أسرّة العناية المركزة “متوقف”، سواء لأسباب نقص القدرات البشرية “الأطباء والتمريض”، أو لأسباب فنية تتعلق بصلاحية السرير نفسه.

ويُضيف، أن مصر تُعاني أيضًا من نقص الأطباء بشكل عام، إذ لا يوجد سوى 1.3 طبيب لكل 1000 فرد، في حين أن المتوسط العالمي 3 لكل 1000، فضلًا عن وجود عجز في الأطقم الطبية المُدربة، خاصة في أقسام الطوارئ والاستقبال والعناية المركزة، وهي من التخصصات النادرة.

تزايد نسبة الإصابات بكورونا والحاجة لأسرة العناية

ويقول منسق عام لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، إنه على الرغم من كون مصر بلدًا مُنتجًا للأطباء، لكنها طاردة، بسبب تدني هيكل الأجور، مقدرًا حجم الأطباء المصريين العاملين بالخارج سواء “هجرة دائمة أو مؤقتة” بنحو 100 ألف طبيب، منهم 70 ألفًا يعملون في الخليج، إضافة إلى 20 – 25 ألفًا موزعين بين الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وأستراليا ودول أخرى. 

ويرجع “خليل” ذلك إلى انخفاض حجم الإنفاق الصحي، إذ على الرغم من نص دستور 2014 على ألا تقل نسبة ميزانية الصحة عن 3% من إجمالي الناتج القومي الإجمالي على أن تزيد تدريجيًا حتى تصل إلى النسب العالمية (6%)، إلا أن هذه النسبة لم تتحقق.

بينما يقول الدكتور حسين صبري، رئيس الجمعية المصرية للرعاية المركزة والإصابات :”قبل 20 عامًا كان معدل أسرِة الرعاية المركزة من إجمالي عدد أسرِة المستشفى العام 2%، لكن مع ظهور المستشفيات المتخصصة والمستشفيات الجامعية ارتفع هذا المعدل”.

ويُضيف لـ”ذات مصر”: “تتراوح نسبة عدد أسرِة الرعاية المركزة في المستشفيات العامة أو الجامعية بين 5 إلى 10%”، موضحًا أن ذلك يعتمد على ميزانية المستشفى المالية، بسبب ارتفاع تكاليف إنشاء وحدة الرعاية المركزة.
ويُوضح صبري: “وحدة الرعاية المركزة تتكون من 8 إلى 10 أسرِة، يتولى الإشراف عليها طبيبين وفقًا للتخصص، أما طاقم التمريض فهي ممرضة لكل سرير (مريض) أو لكل سريرين، بحسب حالات المرضى”.

من جهته، يُقدر الدكتور شريف مختار، أستاذ العناية المركزة بكلية طب جامعة القاهرة، تكلفة رعاية المُرضى في وحدات الرعاية المرِكزة بنسب تزيد عن 200 إلى 400% من تكلفة الرعاية العامة.

ويقول في ورقة حول تحديات ومشكلات الرعاية المركزة في مصر، منشورة في المجلة المصرية لطب العناية المركزة عام 2015، أن معظم أسرِة الرعاية المركزة مشغولة، بسبب إقامة المرضى الطويلة دون داعِ، ونقص التمريض الخاص بالعناية المركزِة بسبب سوء التوزيع اليومي والجغرافي، حيث يتواجد في نوبات الصباح عدد أكبر، مقارنة بنوبات المساء”.

ويُوضح مختار، أن معظم أطباء الرعاية المركزة المصريين يُعانون مما أطلق عليه “متلازمة الإرهاق”، مشيرًا إلى أن أغلب الأطباء لايلتزموا بأكثر من 30% من وقتهم لوحدة العناية المركزة طوال حياتهم المهنية، بسبب الضغوط التي يتعرضون لها.

وبعد مراجعة الموازنات العامة خلال آخر 4 سنوات مالية، اكتشفنا أن تحايل الحكومة على النص الدستوري، عن طريق إدراج الإنفاق على مياه الشرب والصرف الصحي من بين النفقات التي تدخل ضمن موازنة قطاع الصحة، وذلك حتى تصل إلى نسبة 3% لتكون متوافقة مع نص الدستور.

سوء توزيع

يرى الدكتور “علاء غنام”، خبير إصلاح النظم الصحية، ومسئول الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن أزمة القطاع الصحي المصري بدأت منذ سنوات طويلة، موضحًا أن هناك نقصًا في أغلب تخصصات الأطباء.

ويُضيف لـ”ذات مصر”، أن هناك سوء توزيع للأطباء، حيث يتم تركيز الأطباء والأطقم المدربة في المدن الكبرى، مقارنة بالمحافظات البعيدة والأماكن النائية، لافتًا إلى أن القاهرة والإسكندرية تحتويان على نسبة 30% من الأطقم الطبية.

ويعتقد “غنام” أن منظومة التأمين الصحي الجديدة، كانت بداية إصلاح النظام الصحي في مصر، لكن انتشار جائحة كورونا أثر بالسلب على تنفيذه على الأقل في الوقت الحالي.

وكانت وزيرة الصحة، الدكتورة “هالة زايد”، في حوار لها، حددت راتب الأطباء العاملين في منظومة التأمين الصحي، بأن الطبيب في الوحدة الصحية سيتراوح راتبه بين 10- 12 ألف جنيه، وفي المستشفى سيكون من 15 إلى 20 ألف جنيه، ولو كان طبيبًا استشاريًّا فسيكون راتبه أكثر من ذلك، وفي المستشفيات النموذجية ستكون أجور الأطباء والقوى البشرية والتمريض مثل القطاع الخاص في القاهرة، وذلك في مستشفى بكل محافظة، والوحدات الصحية المحيطة بها.

ويقول، إنه رغم كل نقاط الضعف، فإن هناك نقاط قوة في نظام مصر الصحي، لعل أهمها النظام الوقائي ونظام الترصد، لأن مصر لديها تاريخًا طويلًا في التعامل مع الأوبئة. موضحًا أنه ليس بالضرورة أن يصل كل المصابين بـفيروس كورونا (كوفيد-19) إلى العناية المركزة.

ويُقدر خبير إصلاح النظم الصحية، نسبة من يحتاجون للعناية المركزة من مصابي فيروس كورونا بنحو 5% فقط، وأن نحو 20% من المصابين بالفيروس لن يحتاجوا إلى تدخل طبي، لافتًا إلى أنه من خلال نظام الترصد والوقاية يمكن لمصر تمرير أزمة فيروس كورونا.

في النهاية، فإن أزمة نقص أطباء الرعاية المركزة لها تداعيات خطيرة على مستوى الأداء الصحي والإنساني، وتبعاتها لن تتوقف عند حدود أزمة فيروس كورونا الذي هو مجرد أزمة عابرة، لكن على المدى البعيد ستكون التّبعات أخطر.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد حميد

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search