ثقافة وفن

بعد رحيله.. هشام جعيط طريق إلى فهم التاريخ بنزاهة

بين نشأته في تونس لعائلة ميسورة ونافذة ثم تكونه المعرفي اللاحق بفرنسا، يمكن التعرف على رحلة المفكر والمؤرخ التونسي هشام جعيط الإنسانية.

بين تراث الإستشراق الأوروبي على تنوعه، وبين فضاء التفكير العربي الإسلامي وإرثه الثقيل، يمكن أيضا فهم مشروعه العلمي.. بين العربية، لغة ثقافته، والفرنسية لغة تعليمه، تمكن فقط قراءته.. فبين هذين العالمين الكبيرين: العربي والأوروبي، يقف هشام جعيط حائرا وحرا في الوقت نفسه.

حائر، لأنه يريد بشدة أن تتم قراءته عربيا، وأن يكون لعمله صلة وأثر بعالمه الذي نشأ فيه، بينما لا تمكنه اللغة العربية من دقة التعبير في مجال الإنسانيات، بسبب “فقرها”، بحسب تعبيره، في اصطلاحات هذا المجال، فينتهي إلى الكتابة قليلا بالعربية وكثيرا بالفرنسية.

“ولقد ترددت كثيرا بين الكتابة بالعربية أو بالفرنسية.. فالعربية فقيرة جدا في كل ما هو مصطلحات في الفلسفة والعلوم الإنسانية التي انتشرت في الغرب لكثرة استعمالها وكثرة استيعابها، فدخلت في الحياة الفكرية العامة، لذا تجد دائما صدي في نفس القارئ حتي من المثقف المتوسط”[i]

هشام جعيط (2)
هشام جعيط

أما حر، فلأنه ينجح في غالبية الأحوال في أن ينفلت من كلا المركزيتين: الأوروبية والعربية، فالمركزية الأوروبية التي تقف خلف معظم المنجز الاستشراقي، الذي يعتمد عليه كثيرا في مصادره، وإن كانت نجحت في تحريك الراكد حول تاريخ الإسلام وطرح الأسئلة، وتحفيز المسلمين للتفكير في الإسلام “كموضوع”، إلا أنها أخفقت في أن تقدم قراءة دقيقة للإسلام من الداخل، وأخفقت في أن تنظر إلى الإسلام كظاهرة لها خصوصيتها، لا تجب قراءتها بالضرورة في ضوء تفكيك عصر التنوير الأوروبي للمسيحية، ولا في ضوء الموقف المتحفظ للإنسانيات الغربية عموما من “الدين”، ولا في ضوء النقاش السياسي حول مدنية الدولة وعلمانيتها، فهذه كلها أسئلة لا تمكن إجابتها “من الخارج”، وهنا تكمن أهمية الجانب الآخر من حياة “جعيط” وشخصيته المعرفية: جعيط المسلم العربي.

“هنا أرغب في التفكير، واضعا نفسي في زاويتين: زاوية المؤرخ المتكون في أوروبا، والمنفتح على مناح أخرى، وزاوية المثقف العربي والمسلم، المشارك في سجالات عالمه الكبرى”[ii]

ولأنه بالفعل، وكما يقول، منفتح على العالمين، فستكون لديه المساحة الكافية لينتقد مستشرقين كبارا، من أمثال جريم وفلهاوزين وكايتاني وواط، حتى أنه يصف فرضياتهم أحيانا بأنها “غابرة وساقطة”،[iii] دون أن ينضوي بذلك بالضرورة في مركزية عربية ومعركة وهمية مع الاستشراق بأكمله.

وستكون لديه كذلك مساحة مقابلة لانتقاد العرب والمسلمين الذين “لم يقوموا باستكشاف ماضيهم بأنفسهم باتخاد المناهج المعترف بها عالميا”[iv]، دون أن يكون في ذلك ما يمكن اعتباره إدانة للذات تنبطح أمام مركزية أوروبية مفترضة.

يقدم هشام جعيط ما يسميه هو “تاريخا تفهميا”، وهو ما يعني أنه يحاول أن يفهم التاريخ – أي تاريخ- من داخله. ولأنه يقرأ تاريخ الإسلام، فسيكون عليه أن يقاوم من ناحية وجاهة الصرامة العلمية المفتعلة في الاستشراق الذي كثيرا ما يبدو استعلائيا تشكيكيا، كما أن يقاوم، من ناحية أخرى، إغواء المركزية الذاتية الإسلامية التي تبدو تبجيلية في أغلب الأحيان.

فقراءة المستشرقين، وإن إدعت الموضوعية الصارمة، فإنها في النهاية خالية من “الحساسية” اللازمة لفهم موضوعات مركبة تحتاج في مقاربتها إلى نوع من الرهافة، فالمؤرخ لا يحتاج فقط إلى مجرد المعلومات والمصادر ليكتب تاريخا، ولكن عليه في الحقيقة “أن يتسلح، زيادة على الموضوعية والدقة، بالتعاطف مع موضوعه، أي بقسط كبير من النزاهة التفهمية، وأن ينزع عن نفسه كل فكرة مسبقة”.[v]

اقرأ أيضا: قراءة في كتاب الغصن الذهبي.. السلطة والدين في المجتمعات البدائية

وهذا “التاريخ التفهمي” ربما يكون أهم مفهوم منهجي يقدمه هشام جعيط في مشروعه، ويعني بالتحديد أن يجمع المؤرخ بين “الفهم”- الذي هو وضع العمليات التاريخية في قالب يمكن فهمه “بعقل اليوم”، و”التفهم” الذي هو الانحياز إلى المبررات الذاتية للحدث التاريخي ذاته في زمانه ومكانه.

هشام جعيط (1)

والانحياز هنا لا بمعنى إضفاء المكانة الأخلاقية أو التبرير الساذج، ولكن بمعنى الانحياز إلى “مفهومية” الدوافع كجزء من طبيعة التاريخ كما يفهمه المؤرخ.

يعلمنا “جعيط” في هذا المفهوم إذن أن قراءة التاريخ ليست عملية معرفية عقلانية مجردة، لكنها عملية تحتاج إلى إدارة ذاتية من المؤرخ لمشاعره ودوافعه وتوجهاته، إنها عملية نفسية بقدر ما هي عملية عقلية.

تزداد أهمية هذه القراءة التفهمية عند مقاربة موضوعات مركبة وحساسة مثل “الوحي والنبوة، معاني القرآن، تاريخية النبوة والنبي… (فهي موضوعات أقرب إلى) الحقيقة الدينية المحضة التي لا يمكن مقاربتها إلا بحس رهيف وعقلانية تفهمية ومعرفة دقيقة”.[vi]

يعلمنا هشام جيعط أيضا وهو يكتب كيف يمكن لمؤرخ محترف أن يتعامل مع مادته الخام.. فلا يجب على المؤرخ أن يفهم فقط “منطق التاريخ”، ولكن أن يفهم أيضا “منطق التأريخ”، أي ذلك المنطق الذي يحكم عملية الكتابة التاريخية ذاتها.

فيُرينا كيف يستنطق الروايات دون أن يقبل بالضرورة كل ما تعطيه الرواية بنصها.. فمثلا: ما الذي يمكننا أن نفهمه من إلحاح رواية تاريخية ما في اتجاه معين؟

ما الذي يمكننا أن نفهمه من زمن الرواية التاريخية وأشخاصها؟ كيف يمكننا أن نفهم نفسية المؤرخ الذي دوّن الروايات ونقلها؟ كيف يمكننا أن نضع انحيازاته في المعادلة؟

هشام جعيط إذن ليس مؤرخا عاديا، بل هو مؤرخ فيلسوف، أو فيلسوف تاريخ كبير ينبه دائما إلى السنن الكبرى مثلما ينشغل بالسرد التاريخي.. فهو قادر على أن يتنقل بقارئه دوما من الاندماج الكامل في التفاصيل الصغيرة وتلون الشخصيات ودقة الأحداث، إلى الإطلالة الواسعة بعين الصقر على المشهد كاملا، وعلى مسار الزمن، وسنن التاريخ التي يمكن أن نتعلمها لنفهم بها العالم، وهي ما تعطي للتاريخ أصلا معناه.

المصادر

[i] (جعيط، الوحي والقرآن والنبوة، 2015، صفحة 8)

[ii] (جعيط، أزمة الثقافة الإسلامية، 2011، صفحة 150)

[iii] (جعيط، مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام، 2015، صفحة 96)

[iv] (جعيط، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، 2016، صفحة 9)

[v] (جعيط، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، 2016، صفحة 6)

[vi] (جعيط، الوحي والقرآن والنبوة، 2015، صفحة 7)

يامن نوح

باحث أنثروبولوجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى