تدوين

هكذا أتحايل: كلنا موسى

إنه موسى إنه أنت وأنا وكل بشري في هذه الدنيا، نخاف كثيرًا ولا نتوقع خيرًا، لكننا حين نؤمن ببشريتنا وقصورها، ننجو

كثيرة هي قصص الأنبياء في القرآن الكريم، ولكن ما شدني في “أحسن القصص” هو الوجود الطاغي لسيدنا موسى دونًا عن سائر الرسل. لموسى ذكر في الكتاب أكثر من نبي الإسلام محمد صاحب الرسالة.

هكذا أتحايل

ذلك التواتر يجعلني أظن أنه النموذج الأمثل الذي يقدمه القرآن لنحتذي به، وإلا فما دلالة التكرار؟ فالكتاب السماوي (القرآن تحديدًا) ليس منفصلًا عن الحياة التي نعيشها، ولا يقف دوره عند العظة السماوية عن الدنيا والآخرة، فمهما حاولنا فصله عن حياتنا يبقى متجذرًا فيها.

كلنا موسى، في خوفه وحيرته، في عجلته وغضبه واطمئنانه. إنه الممثل الأصدق لبشريتنا.

القرآن يقدم لنا أنفسنا ممثلين في شخص موسى عليه السلام، وليس في قومه كما قد يظن البعض؛ فكلنا موسى، في خوفه وحيرته، في عجلته وغضبه واطمئنانه. إنه الممثل الأصدق لبشريتنا. موسى ينوب عن كل من أعيته الحياة بغموضها واختلال موازينها الظاهرة ونفاد صبه على “ما لم يحط به خُبرا”.

“أقبل ولا تخف”

موسى الذي يعلمنا الله به أنه لا بأس أن نخاف، وأن خوفنا ينتهي عندما يكتمل اليقين في قلوبنا.

عرف موسى الخوف جنينًا في بطن أمه، ووليدًا تُرضعه أمه وتلقيه في اليم، على خوف من فرعون وملئه، وشابًا يجول في المدينة ويخرج منها “خائفًا يترقب” ، ونبيًا يناديه الله “يا موسى أقبل ولا تخف”. ولأن الله أعلم به، استبقه بـ”لا تخف”، وكأنه يقول له إنه لا بأس أن تخاف.

لكن طبعًا موسى البشري كان طاغيًا “فولى مدبرًا ولم يعقب” حين رأى عصاه “حيّة تسعى”. لكن الله أعلم به وببشريته، فيعيد عليه “لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون”، كأنه احتاج إلى تذكيرٍ بأنه نبي وكليم الله فكان النداء تذكرة بنبوته.

لم يُخفِ موسى خوفه عن ربه حين بعثه رسولًا إلى فرعون وملئه. يخاف أن يكذبوه أو أن يقتلوه، وهي طبيعة إنسانية خالصة، ويطلب ببشريته أن يشد عضده بأخيه هارون؛ فيؤتيه الله سؤله، ثم يصبحا خائفان معًا، فيخافا أن يفرط عليهم فرعون ويطغى، فيطمئنهما الله معًا: لا تخافا إني معكما، فيُطمئننا جميعا معهما أن الجمعية الوحيدة التي تفيد بشريتنا هي المعية مع الله.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لم يعلمنا القرآن طرق صناعة المدافع؟

ولأنه مثال حي لإنسانيتنا؛ يغالب موسى طبعه البشري، فيغلب تارة ويُغلب تارة أخرى، يوجس في نفسه خيفة موسى، تلك الخيفة التي ألفناها منه، لكن الله لم يزل صابرًا عليه يناديه “لا تخف إنك أنت الأعلى”.

“إن معي ربي”

مشهد أخير أعظم من كل المشاهد السابقة وأولى بالخوف منها جميعًا؛ جمعان يلتقيان وقوم يدركون ووعد من الله: “لا تخاف دركًا ولا تخشى”، وهنا فاجأني موسى، فقد كنت أنتظر منه خوفًا، لكن: “كلا إن معي ربي سيهدين”.

مشهد يختزل به الكثيرون هذه المسيرة الطويلة من الدعاء والخوف من ناحية موسى، والأمن والإجابة من ناحية ربه. مسيرة ينهيها موسى بيقين الذي خاف خلالها كثيرًا ليعلم أن معه ربه سيهديه، ليعلم أن الذي نجاه من الغرق ومن فرعون ومن الفئة التي قتل منها رجلًا، ومن الحية التي أخافته، ومن سحرة فرعون؛ لن يتركه الآن.

إنه موسى إنه أنت وأنا وكل بشري في هذه الدنيا، نخاف كثيرًا ولا نتوقع خيرًا، لكننا حين نؤمن ببشريتنا وقصورها، ننجو.

محمد الصاوي

صحفي وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى