هكذا كتب العالم

الألفية الأولى من تاريخ الأبجدية

ينظر الناس الآن إلى الأبجدية كأمر مفروغ منه: وسيلة حديثة وطيّعة وفعالة للكتابة. كل صوت له علامة دالة عليه، وكل حرف له نطق.. لكن من أين أتت الأبجدية؟ وهل هي بالفعل “أفضل” نظام من بين أنظمة الكتابة الأخرى؟

ثمة أنظمة كتابية أقدم بالطبع، فبينما تواصل أنظمة الكتابة المسمارية والهيروغليفية التنافس في ما بينهما على لقب نظام الكتابة الأقدم (وهو اللقب الذي تستحقه حقا الكتابة المسمارية)، فإن كلتيهما تسبق النظام الأبجدي بأكثر من 1000 عام.

نقوش مسمارية مبكرة جدًّا أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد

لم يتم اختراع الأبجدية إلا في أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد. ففي مكان ما قرب مصر، أو سيناء تحديدًا، أو ربما جبيل، في أقصى شمال بلاد الشام، نجد أنها مواقع 3 مرشحة بقوة لاحتواء ظهور الأبجدية بسبب 3 أشياء نعرفها عن الكتابة الأولى:

أولاً: بعض الحروف الأبجدية الأولى على الأقل مستوحاة من الرموز المصرية، من الهيروغليفية غالبًا.. على سبيل المثال، من الواضح أن رسم رأس الإنسان، الذي يشير إلى كلمة  “ريش” القديمة -تعني “رأس”- مأخوذ من الكتابة الهيروغليفية المصرية، إلى جانب استعارة رمز الترحيب من الهيروغليفية التي عبّرت عنه برجل مرفوع الذراعين، وهكذا.

الرمز الهيروغليفي جنبًا إلى جنب مع الأبجدية المبكرة

ثانيًا: يبدو أن بعض مبادئ الكتابة الأبجدية المبكرة مستوحى من الممارسات المصرية. على سبيل المثال، لا تُظهر النقوش المصرية الحروف المتحركة، عكس نظام الكتابة المسمارية. وتُغفل الأبجديات المبكرة أيضًا الحروف المتحركة.. ويبدو من المحتمل أن هذه الفكرة، المناقضة للحدس للوهلة الأولى لتنظيم أنظمة الكتابة، قد تكون مستوحاة من نظام الكتابة المصرية.

ثالثًا: الأمر الأكثر وضوحًا هنا، هو أن نصوص الأبجدية المبكرة وُجِدَت إما في مصر وإما في مناطق ذات حضور مصري مكثف. داخل مصر، عُثِر على النقوش التي يُعتَقَد أنها الأقدم قاطبة في وادي الهول، داخل منعطف قنا على نهر النيل، على بعد 20 ميلاً شمال غرب الأقصر، قبل نحو 20 عامًا.

موقع نقوش وادي الهول
نقوش وادي الهول

وفي سيناء، عُثر على أكبر مجموعة من نصوص الأبجدية المبكرة في جبل سرابيط الخادم جنوب سيناء، وهي منطقة تعدين مصرية.

ورغم غياب نصوص أبجدية مبكرة في الجبيل، فإنها مكان مقترح لظهور الأبجدية، فقد كانت هناك ثقافة كتابية مفعمة بالحياة، شهدت الكثير من التأثر والتواصل مع المصريين، ويمكن أن نجادل بأن ذلك يمتد إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد.

تمثال صغير لأبي الهول في سرابيط الخادم

بحلول نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد، انتشرت الأبجدية من الصحراء المصرية وسيناء، ليس فقط إلى بقية بلاد الشام، بما في ذلك مدينة أوغاريت، على بعد 100 ميل شمال الجبيل على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ولكن أيضًا إلى بلاد ما بين النهرين، على بعد 800 ميل إلى الشرق، وامتدت حتى اليمن على بعد 1300 ميل إلى الجنوب الشرقي، مباشرة عبر الصحراء العربية.

ومع ذلك، فإننا في الواقع نعثر على أحد أكثر النصوص الأبجدية إثارة للإعجاب في مصر ذاتها، في مدينة طيبة، على بعد أقل من 20 ميلاً من وادي الهول.. هذا النص المختصر يتكون من 13 سطرًا، ومنقوش على صفحة من الحجر الجيري، يجمع بشكل رائع بين نظام الكتابة المصرية والأبجدية.

نقش طيبة، نشره وفك شفرته: بن هارينج

نقرأ في السطر الأول على سبيل المثال ما يلي

يذكر النقش الهيراطيقي كلمة hɜw hn، وهو نقش معقول مقابل لكلمة hy hnw التي تعني “لنبتهج”، ويأتي بعد هذه الكلمة رمز لرجل مبتهج، وهو رمز لحرف /h/ في أقدم نصوص الأبجدية.

وليس واضحًا ما إذا كان يمثل رجلاً يقول “مرحبًا” أو يشير إلى فعل hll، الذي يتضمن معنى “الثناء”، لكن من الواضح أنه منسجم مع محتوى السطر الهيراطيقي تمامًا، ثم يستمر النقش على ذات المنوال، فيعرض كل سطر رمزًا مصريًّا متبوعًا بعلامة أبجدية مبكرة تلائم المحتوى. 

ورغم التقارب الجغرافي بين طيبة ووادي الهول، فإن هذا النص يختلف تمامًا عن الكتابة المنقوشة على الجدران القريبة بالمعنى الاجتماعي، فهذه نصوص منقوشة على صخرة في منطقة نائية من الصحراء، وهذا تمرين تدريبي كتبه شخص ماهر في دائرة النسخ الرسمية يُجري تجربة تفاعلية بين نظامي الكتابة المتاحَيْن له.. كان هذا الكاتب البارع في الهيراطيقية يلهو بتلك اللعبة الأبجدية الثانوية الجديدة.. مثّل هذا أيضًا طريقًا مسدودًا، فقد كانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي نرى فيها كاتبًا مصريًا محترفًا يجرب الأبجدية إلى جانب الكتابة المصرية.

وعندما ننتقل إلى خارج مصر، نجد أن هذه الثقافات المختلفة استفادت وعدّلت الأبجدية بطرائق مختلفة.. في أوغاريت، كتب الكتّاب الكوزمبوليتانيون بعدة لغات، وتراسلوا مع بلاط الحكم والإدارات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مصر.

وبينما تراوحت كتاباتهم بين 8 لغات وانتشر مراسلوهم عبر آلاف الأميال، انتمت كل كتاباتهم إلى نفس المحيط: قلم ينقش على مادة من الصلصال، لإنشاء أوتاد صغيرة نسميها “الكتابة المسمارية”، بحيث يمكن استخدام أي نقش مبدئيًّا لكتابة أي لغة، وقد كتب كتّاب أوغاريت اللغات الأكادية والحورية وغيرها من اللغات الأخرى بالخط المسماري.

وفي مرحلة ما، طوّروا أيضًا نسخة مسمارية من الأبجدية.. لقد أبقوا، إلى أقصى درجة ممكنة، على الأشكال الأساسية للحروف، ونقشوها على الأوتاد الصغيرة إلى الحد الذي لم يعد معه بإمكان المرء أن يرى رمز الثور الكامن وراء شكل حرف الألف الأوغاريتي، ورمز المنزل الذي يقوم عليه حرف الباء… إلى آخره.

أبجدية أوغاريتية

ومع ذلك، تبقى العلاقة واضحة بين بعض هذه الحروف عند النظر إليها:

الأكثر إثارة للاهتمام هنا، هو أن الكتّاب الأوغاريتيين يقدمون لنا أول دليل على الترتيب الأبجدي.

فبينما لا نعرف من الذي وضع الأبجدية بالترتيب الأبجدي، نعلم أن ذلك حدث قبل عام 1300 تقريبًا، وهذا واضح لأن الكتّاب الأوغاريتيين أضافوا 3 أحرف إلى الأبجدية: حرفين إضافيين وحرفًا ثالثًا يشبه الحرف شين Šin ، لكنهم أضافوها في النهاية بعد الحرف تاو taw (الحرف الأخير في الترتيب الأبجدي)، ومن الواضح أن الأبجدية كانت قد حظيت بترتيب.

يجدر هنا أن نلاحظ مَن الذين كانوا كان يستخدمون هذه الأبجدية.. إنهم الكتبة المحترفون.. بمعنى آخر، لم تؤد الأبجدية إلى شيوع معرفة مبادئ القراءة والكتابة بين العامة في أوغاريت القديمة. لقد كانت طبقة الكتاب المثقفين، والذين يقرؤون ويكتبون بلغات متعددة بالفعل، هي التي تحولت إلى استخدام نظام الأبجدية.

ربط هؤلاء الكتّاب بين النقوش واللغات عن طريق استخدام الأبجدية لكتابة الأوغاريتية، واستخدام المسمارية الميزوبوتامية لكتابة الأكادية، ولم يسبق لهم تهجئة الكلمات الأكادية بالحروف الأبجدية، أو نسخ اللغة الأوغاريتية بالمسمارية الميزوبوتامية (والذي كان من شأنه أن يقدم لنا هدية ثمينة لمعرفتنا بالأوغاريتية، لأن الكتابة المسمارية الميزوبوتامية تُظهر الحروف المتحركة)، كما انقسموا في ما يتعلق باستخدامات نصوصهم ولغاتهم، فاستخدموا الأبجدية الأوغاريتية للأدب الأوغاريتي، والمسمارية الأكادية التقليدية للمراسلات الدولية وغيرها من النصوص الأخرى، مع استبعاد غير الكتّاب من هذا كله: فأولئك الذين لم يتمكنوا من كتابة خطوط أخرى لم يتعلموا أبدًا كتابة الأبجدية الجديدة أيضًا.

يظهر شيء مشابه، وإن كان أكثر إثارة للاهتمام، في مجموعة صغيرة من النقوش المسمارية في جنوب بلاد الرافدين، من سلالة سيلاند الأولى، وهي مملكة استمرت لأكثر من 250 عامًا قرب مدينة الناصرية الحديثة. في السنوات الأخيرة، نُشِرت الألواح المسمارية المنهوبة من المنطقة، وهي الآن موجودة في مجموعات خاصة، وقد عملت هذه الألواح على تطوير فهمنا لتاريخ سلالة سيلاند إلى حد كبير، ومن المثير للاهتمام أن بعض هذه الألواح مكتوب على حوافّه بحروف أبجدية.

نقش أبجدي تصنيفي على حافة أحد الألواح المسمارية

إن هذه الكتابات التصنيفية المكتوبة على الحواف تشكل ممارسة متعارف عليها في عصور وأماكن مختلفة في الشرق الأدنى القديم.. إنها ممارسة بديهية، يُخزًّن اللوح المسماري في أرشيف ملقى على جانبه، وإذا أتى شخص للتحقق من التفاصيل الدقيقة لمحتوى اللوح، وليكن صفقة عقارية، فإن البيروقراطي لا يريد أن يبحث ويقرأ عشرات الألواح المسمارية في الأرشيف للعثور على اللوح المطلوب، لذلك من الأسهل كثيرًا كتابة نقش تصنيفي على حافة الألواح يحدد محتوى كل لوح، فيُكتب على اللوح، على سبيل المثال: صك بيع منزل سام إلى أليكس.

ما يجعل هذه النقوش التصنيفية رائعة حقًّا هو أنها تبين لنا أن الأبجدية قد وصلت بالفعل إلى جنوب بلاد ما بين النهرين بحلول منتصف الألفية، بالإضافة إلى أنها كانت أيضًا متاحة للكتّاب، فقد كان نفس الكتَبَة الذين يكتبون العقود بالخط المسماري هم الذين يكتبون النقوش التصنيفية الأبجدية.. لقد كُتبت النقوش التصنيفية بأحرف أبجدية لسبب واضح للغاية: إنها أسهل في الكتابة من الخط المسماري.

ومع ذلك، فليس من المستغرب حقًّا أن هؤلاء الكتَبة لم يتحولوا بالكامل إلى نظام الكتابة الأبجدية، رغم أنها ربما سهّلت مهامهم كثيرا، فقد أنفق الكتَبة (وآباؤهم من قبل) سنوات في تدريبهم المهني الخاص على الكتابة، وفكرة تقويض وضعهم فجأة من خلال إصلاح المهنة من أجل تذليل العوائق -بصرف النظر عن مدى وجاهة الإصلاحات- ليست فكرة محبذة عند الكتبة بشكل طبيعي. (من يعمل منا في الأوساط الأكاديمية، أو غيرها من المهن المماثلة، قد يكون أكثر قدرة على تفهم ذلك).

بالإضافة إلى ذلك، فإن نصوص الحضارة العظيمة لم تكن مُحمَّلة بالسلطة السياسية فحسب، بل بأهمية ثقافية أيضًا.. لا يمكن للمرء أن يتوقع أن المصريين كانوا ليتخلوا عن الهيروغليفية لصالح الأبجدية، كما لا يتوقع المرء اليوم أن يتحول الصينيون إلى نظام كتابة أبجدي.

أنظمة الكتابة تحمل الهوية الشخصية والثقافية، كما تشهد العديد من الأمثلة الحديثة على ذلك (تركيا، روسيا، إسرائيل، إلخ) ولا يمكن تغييرها بسهولة، وليس من قبيل المصادفة أن نرى الأبجدية وهي تظهر في ثقافات نشأت على هامش الحضارات العظيمة، مثل فينيقيا وآرام وإسرائيل، واليمن كما سنرى الآن.

تعتبر حالة اليمن من أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام على انتشار الأبجدية.. كان نظام الكتابة اليمنية القديمة معروفًا منذ قرون، ولكن التسلسل الزمني لتطور تلك الكتابة كان غامضًا منذ فترة طويلة، لأننا لا نعرف الكثير عن التاريخ السياسي للمنطقة في أحسن الأحوال.. ما كان معروفًا لدينا هو أن الأبجدية كانت منتظمة في “ترتيب أبجدي” مختلف عن ذلك الترتيب المستخدم في الشمال الغربي وهو: H L Ḥ M Q W Ś R B T Š K N H Ṣ S F ʔ ʕ Ḍ G D Ḡ Ṭ Z D Y T Ẓ. (وهذا ما يسمى اختصارًا بـ”نظام halḥam”).

هذا الترتيب معروف أيضًا في بعض نصوص العصر البرونزي المتأخر في بلاد الشام، ولكن متى وصلت هذه الأبجدية إلى اليمن؟ ومن أين؟

لقد تحقق تقدم كبير في السنوات الأخيرة في سبيل فهم ذلك الأمر، خاصة بفضل أعمال بيتر شتاين وكريستيان روبن، فالكتابة العربية الجنوبية على نوعين: نقوش بارزة على الحجر، ونقوش يومية على عصي خشبية.

نقوش بارزة بخط المسند

بذل شتاين جهودًا كبيرة لفك رموز الكتابة على العصي الخشبية، فالمادة العضوية (المحفوظة في صحراء شبه الجزيرة العربية) تسمح بتأريخ النصوص بشيء من الدقة، وقد كشف اختبار كربون 14 لبعض العصي أن بعضها يرجع إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد!

كان علماء سابقون، مثل إرنست أكسيل كناوف وكينيث كيتشن، تنبأوا بالفعل بوجود روابط بين بلاد الشام وجنوب شبه الجزيرة العربية في وقت مبكر من العصر البرونزي المتأخر، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى اندثار خط المسند في بلاد الشام بعد هذا التاريخ، ويبدو أن هذا الادعاء تأكد الآن من خلال الكتابات الأبجدية المبكرة على الخشب.

إجمالاً، انتشرت الأبجدية بنحو مطرد عبر الشرق الأدنى على مدار الألفية الأولى من ظهورها، ومع ذلك، فإن 1000 عام تشكل فترة زمنية طويلة، وفي الوقت ذاته، من المذهل أن نرى مدى ضآلة تأثير الأبجدية على مدار هذه القرون. ربما ظهرت الأبجدية في بلاد ما بين النهرين، ولكن في النقوش التصنيفية فحسب، وربما في أوغاريت، حيث خدمت الأدب المحلي فحسب، وربما في مصر، فرغم كونها موقعًا لبعض أقدم النقوش على الأحجار وفي أيدي الكتبة المحترفين، فإنها لم يكن لها أي تأثير على الإطلاق.

علينا أن نفكر مرة أخرى في الكتّاب الذين تنقلت الأبجدية بين أيديهم، فرغم فائدة النظام الكتابي الأبجدي التي جعلته جذابًا، حالت السلطة الثقافية لأنظمة الكتابة التقليدية دون انتشاره بين الطبقات الناسخة النشطة.

في الألفية الأولى -وهي مسألة مختلفة تمامًا- انتشرت الأبجدية إلى الثقافات المختلفة دون تقاليد أدبية سابقة، فقد بدأ الفينيقيون والآراميون في الكتابة، وما لبثت الأبجدية أن انتشرت في محيط بحر إيجه، إذ دفعت الإغريق إلى الخروج من قرون الأمية، ثم وصلت إلى إيطاليا على أيدي الإتروسكيين، حيث لم تكن أوروبا على ما هي عليه.

وبينما لا يمكننا القول بأن الأبجدية ممارسة صوفية، ولا يمكننا حقًّا القول إنها سحرية، فإن التقنية وفكرة الأبجدية اجتاحت العالم، وسافرت مئات الأميال شرقًا وغربًا، وكلاهما يشهد على قوة الأفكار البسيطة في الانتشار والمساعدة في نشر المزيد من الأفكار وحتى النصوص، وهو ما يستحق الاحتفاء.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram