زوايامختارات

هل أوشكت انتخابات أمريكا على الانتهاء؟ ربما!

 

بات خط النهاية في مرمى البصر، وانقضى ما يقرب من 1190 يومًا بعد أن أعلن عضو الكونجرس غير المعروف عن ولاية ماريلاند، جون ديلاني، رسميًّا خوض السباق الرئاسي لعام 2020، ليكون بذلك أول مرشح حزبي يشارك في هذه الانتخابات، وبعد أن أنفق المرشحون أكثر من 13 مليار دولار من أجل اجتذاب الناخبين، والآن، يوشك صخب انتخابات 2020 أن يضع أوزاره.

خطاب جون ديلاني في مدينة كلير ليك في أغسطس 2018

في هذا السياق، نقدم 5 ملاحظات بشأن ما ينتظر الولايات المتحدة وراء حُجُب الساعات المقبلة، قبيل إعلان الفائز بكرسي البيت الأبيض.

1- الكثير على المحك

لست مضطرًّا إلى أن تتفق مع الجمهوريين على أن الولايات المتحدة سوف تتحول إلى دولة “اشتراكية” في حال فوز جو بايدن، أو أن تتوافق مع الديمقراطيين على أن التجربة الأمريكية الديمقراطية، التي امتدت على مدى أكثر من قرنين من الزمان، توشك على الأفول حال فوز دونالد ترامب مرة أخرى، حتى تعتقد جازمًا أننا بصدد انتخابات محورية وحاسمة.

فكلا المرشحين يقدم رؤى مختلفة ويمتلك شخصية متباينة عن الآخر، ويفضل أساليب إدارية لا تتلاقى من قريب أو بعيد مع منافسه. وعلى مستوى السياسة الخارجية، تتنافر الحلول التي يطرحانها، حتى عندما يتفقان حول طبيعة المشكلة، كما هي الحال في القضايا المتعلقة بالصين وأفغانستان والتجارة. واختصارًا، فإن ولاية ثانية لترامب سوف تأخذ الولايات المتحدة إلى اتجاه مغاير تمامًا عن ذلك الذي ستقودها إليه ولاية أولى لبايدن، والعكس بالعكس.

ترامب وبايدن.. رؤى وشخصيات وأساليب إدارية متباينة

رغم ذلك، لا ينحصر تصويت الثالث من نوفمر/تشرين الثاني في فلك من سيتبوأ عرش المكتب البيضاوي، وإنما يتعداه إلى تحديد من سيسيطر على مجلسي النواب والشيوخ، ومن ستكون له الغلبة في حكم الولايات والمجالس التشريعية، فالولايات المتحدة بصدد إجراء إعادة التوزيع العشري، الذي يجري كل 10 سنوات، لمقاعد الكونجرس.

وفي معظم الولايات، سوف يضطلع مشرّعو الولايات وحكامها برسم خرائط المقاطعات، أو ربما بتغيير حدودها بالكلية.

ومن ثمّ، فإن انتخابات 2020 سوف تكون “الفانوس السحري” الذي ستتواصل عطاياه –على الأقل على مدى عقد من الزمان– للحزب الذي سيتحقق له الفوز في سباق الغد.

2- الأمريكيون يصوّتون بهذه الطريقة

منذ زمن غير بعيد، بدا الأمر كأن الأمريكيين يفقدون شغفهم بالسياسات الرئاسية. ففي عام 1996، تراجعت نسبة المشاركة في التصويت إلى أقل من 50% للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، وحتى في عام 2008، في ذروة اجتياح الركود العظيم، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية 57% فقط، في ما اعتبره المراقبون أعلى نسبة مشاركة منذ 40 عامًا.

أما في انتخابات 2020، فمن المرجح أن تتجاوز هذه النسبة حاجز الـ60%، وهي نسبة غير مسبوقة منذ 1968، وربما تصبح الأعلى على الإطلاق على مدى أكثر من قرن من الزمان.

فحتى صباح الجمعة الماضي، كان أكثر من 85 مليون أمريكي قد أدلوا بأصواتهم، وهو ما يمثل أكثر من 61% من جميع الأصوات التي أدلى بها الناخبون في عام 2016، هذه النسبة مرشحة بطبيعة الحال للزيادة في وقت قراءتك لهذه السطور.

في انتخابات 2020، من المرجح أن تتجاوز نسبة التصويت 60%

لكن هذه “الطفرة التصويتية” تحمل في طياتها سلبية محتملة واحدة. ففي حال تكرار ترامب  للإنجاز الفذ الذي حققه عام 2016، عندما فاز بأصوات المجمع الانتخابي بعد هزيمته في التصويت الشعبي، فإن الفارق في إجمالي الأصوات الشعبية قد يتجاوز بكثير إجمالي الأصوات التي أدلى بها الناخبون عام 2016، والتي بلغت 2.9 مليون صوت.

يصدق هذا الاحتمال حتى في حال عدم تغير النسبة المئوية لحصص التصويت، فاستطلاعات الرأي تُظهر أن هامش التقدم الذي يحققه بايدن يفوق بأكثر من 3 أضعاف الهامش النهائي الذي حققته هيلاري كلينتون قبل 4 سنوات.

لا شك أن انتخابات يحصل فيها المرشح الفائز على عدد أصوات أقل -على سبيل المثال– بـ4 أو 5 ملايين صوت من المرشح الخاسر، من شأنها أن تغذي المخاوف المتفاقمة بالأساس من أن الولايات المتحدة قد تحولت إلى دولة تحكمها الأقلية، وليس العكس.

3- ربما يتحدد الفائز في ليلة الانتخابات

تضج موجات الأثير والفضاء الإلكتروني بتكهنات بأن الولايات المتحدة قد تنتظر أيامًا أو أسابيع قبل معرفة اسم الساكن الجديد للبيت البيض، بسبب الإدلاء بالأصوات عبر البريد.

في هذا السياق، يؤيد ترامب نفسه فكرة أن شيئًا ما سيكون خطأ ما لم يُكشَف عن الفائز في نفس ليلة الانتخابات.

بالطبع يعرف الأمريكيون الذين تسمح لهم أعمارهم بتذكر عام 2000 أن الجمهوريين، دون غيرهم، يستطيعون الصمود أمام عمليات الفرز المطولة.

على سبيل المثال، لم يحصل جورج دبليو بوش على مقعد الرئاسة إلا في 12 ديسمبر/كانون الأول، بعد انقضاء 5 أسابيع كاملة على إغلاق صناديق الاقتراع.

الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش

ورغم كل هذا الجدل المحتدم بشأن عمليات فرز الأصوات التي ستجري خلال هذا الأسبوع، فإن الأمريكيين قد يعرفون رئيسهم على وجه السرعة.

لقد فاز ترامب بالرئاسة في عام 2016 بفارق ضئيل، وهو الآن يخوض معركة حامية الوطيس في العديد من الولايات التي حقق فيها فوزًا مريحًا قبل 4 سنوات.

على رأس هذه الولايات تأتي فلوريدا التي تتمتع بدرجة من الكفاءة في التعامل مع التصويت عبر البريد، كما يُتوقع أن تعلن ولاية صن شاين عن إجمالي الأصوات عبر البريد وفي مواقع الاقتراع المبكر، بعد وقت قصير من إغلاق صناديق الاقتراع في تمام الساعة الثامنة مساء، بتوقيت شرق الولايات المتحدة.

وبافتراض أن استطلاعات الرأي العام تتسم بالحد الأدنى من الدقة، على أقل تقدير، فإنه في حال فوز بايدن بولاية فلوريدا –أو جورجيا، أو نورث كارولينا– فإن فرص ترامب في الفوز بأصوات المجمع الانتخابي سوف تتراجع كثيرًا، أو قد يفقد جميع الفرص على الإطلاق.

4- قد لا يفعلها الأمريكيون مرة ثانية

تتضاعف احتمالات امتداد وقت حساب الأصوات، في حال تفوق ترامب في الولايات التي فاز بها قبل 4 سنوات.

في هذه الحالة، سوف تتجه الأنظار إلى الولايات الصناعية الثلاث التي لعبت دورًا محوريًّا في حسم سباق عام 2016، وهي ميتشيجان وبنسلفانيا وويسكونسن، حيث تمنع القوانين التحقق من صحة بطاقات الاقتراع، ناهيك بأن يعدّها المسؤولون عن العملية الانتخابية قبل يوم الانتخابات.

وبالنظر إلى عدد بطاقات الاقتراع التي تلقتها كل ولاية عن طريق البريد، فإن عمليات الفرز سوف تستغرق بطبيعة الحال وقتًا أطول. ويتوقع سكرتير الكومنولث في ولاية بنسلفانيا أن تنتهي ولايته من عملية حساب “الغالبية العظمى” من الأصوات التي أدلى بها الناخبون عبر البريد بحلول يوم الجمعة المقبل، لكن هذه العملية قد تواجه طعونًا قضائية تعيق إنجازها وتؤدي إلى تأخير إعلان نتائجها.

يصدق هذا على وجه التحديد إذا ثبت أن كل التكهنات المثارة بشأن “السراب الأحمر”، تقدم المرشح الجمهوري على نظيره الديمقراطي في ليلة الاقتراع، بسبب توجيه الناخبين الجمهوريين إلى التصويت مباشرة عبر صناديق الاقتراع، و”التحول الأزرق”، وهو تقدم المرشح الديمقراطي على حساب نظيره الجمهوري لاحقًا بعد فرز الأصوات البريدية، صحيحة، وأن ترامب حقق تقدما ملحوظا بعد حساب الأصوات المُدلَى بها مباشرة في صناديق الاقتراع في ليلة الانتخابات فقط، ليتراجع هذا التقدم تدريجيًّا، أو يتلاشى نهائيًّا، بعد حساب الأصوات البريدية التي ستذهب بدرحة كبيرة لصالح الديمقراطيين.

“السراب الأحمر” و”التحول الأزرق”.. وخطر الفوز المبكر

رغم ذلك، يجب أن نضع في الاعتبار أن هذا السيناريو يعتمد بالأساس على تحقيق ترامب تقدمًا كبيرًا في ليلة الانتخابات، لأنه إن لم يكن التصويت الشخصي عبر صناديق الاقتراع في صالح الجمهوريين، فإن محفزات اللجوء إلى المحاكم، وما يمكن أن يترتب عليه من عواقب، سوف تتضاءل.

5- لا تتوقع أن يقرر مجلس النواب مَن سيكون الرئيس القادم

أثار بارتون جيلمان جدلاً صاخبًا الشهر الماضي، عندما نشرت مجلة The Atlantic مقالته التي أشار فيها إلى أن الخلافات القائمة بشأن الفائز بناخبي إحدى الولايات، قد يودي بانتخابات 2020 إلى مجلس النواب.

يُشار في هذا السياق إلى أن المجلس قد اضطلع باختيار الرئيس الأمريكي مرتين فقط على مدى تاريخ الولايات المتحدة، كان آخرها قبل 196 عامًا. وفي حال حدوث هذا السيناريو، يضطلع مجلس الشيوخ باختيار نائب الرئيس.. ونعم، قد يعين المرشح الرئاسي الخاسر في منصب نائب الرئيس.

عند اتخاذ القرار، لا يدلي أعضاء مجلس النواب بأصواتهم كأفراد، وإنما يدلي ممثلو كل ولاية بصوت واحد. ولا تستطيع واشنطن، العاصمة، التي تمتلك 3 أصوات داخل المجمع الانتخابي، الإدلاء برأيها في انتخابات متنازع عليها، لأنها لا تمتلك تمثيلاً تصويتيًّا داخل مجلس النواب.

من المفترض أن يحسم هذا التصويت الحزب الذي يمتلك غالبية ممثلي الولايات، ومن ثمّ، فإن الحزب الذي يسيطر على معظم ممثلي الولايات عند انعقاد الكونجرس الجديد في 3 يناير/كانون الثاني ستكون له بطبيعة الحال اليد الطولى في تحديد شخص الرئيس القادم. ويمتلك الجمهوريون حاليًّا أفضلية 26 مقابل 23 من ممثلي الولايات، ويتقاسمون مع الديمقراطيين ممثلي ولاية واحدة، رغم احتفاظ الديمقراطيين في الوقت الراهن بأفضلية 35 مقعدًا في المجلس بوجه عام.

وحال انقسام ممثلي الولايات بالتساوي، قد تهيمن حالة من الجمود على العملية برمتها داخل المجلس.

في هذه الحالة، تنتهي ولاية ترامب في ظهيرة يوم 20 يناير/كانون الثاني كما هو منصوص عليه في الدستور الأمريكي، وإثر ذلك يُفترض أن تنتقل الرئاسة إلى رئيس المجلس بموجب “قانون الخلافة الرئاسية”، Presidential Succession Act، ولكن، حتى هذا الأمر يبقى غير مؤكد.

بطبيعة الحال قد يسبب لك هذا السيناريو دوارًا في رأسك، لكنه –مرة أخرى– ليس مرجَّحًا بكل الأحوال.

أيًّا كانت النتيجة التي سيتكشف عنها يوم الانتخابات، فإنها لن تساعد بحال في رأب الصدع الحزبي العميق الذي يثقل الآن كاهل الأمريكيين، بل –على العكس من ذلك- قد يؤدي إلى تفاقمه. ويخلص مقال نُشر مؤخرًا في مجلة Science إلى أن الديمقراطيين والجمهوريين قد انتقلوا جميعًا من حيز الخلاف إلى حد الكراهية، وهو ما أدى إلى خلق “طائفية سياسية” ضاغطة ومقيتة تمكن ملاحظتها بجلاء في استطلاع رأي حديث كشف عن أن 4 من كل 10 مؤيدين لكل من بايدن وترامب، قالوا إنهم لن يقبلوا بنتيجة الانتخابات في حال هزيمة مرشحهم.

ومن ثم، فإن طرفًا أو آخر سوف يحنق بشدة بصرف النظر عما ستتكشف عنه الأيام المقبلة.

 

المصدر
Council on Foreign Relations

أحمد بركات

باحث ومترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى