هل تتغيّر خارطة العالم؟

كرة النار تتدحرج من القوقاز!

في كل مرة يتجدد النزاع المسلح في إقليم القوقاز، تتجدد مخاوف وتقفز أسئلة: إلى أين يمكن أن تمتد الحرائق على خريطة العالم؟ إن كرة الثلج الدموية تتدحرج، كل مرة، من هناك إلى بقية أجزاء العالم.

تاريخ القوقاز الممتلئ بالمعارك، يمكن استرجاعه بمجرد متابعة الصراع الدموي القائم في إقليم ناغورنو كاراباخ المشتعل الآن بين أذربيجان وأرمينيا.

وبالتعمق في تاريخ المعارك التي شهدها نطاق القوقاز الجغرافي المشتعل عبر التاريخ، تمكننا ملاحظة كيف تشكلت الخريطة في تلك المنطقة عبر عدّة معارك وكيف غيّرت وجه القوى في العالم.  

جغرافية القوقاز وشعوبه

إقليم القوقاز ذو أهمية كبيرة من الناحية السياسية والاقتصادية والعسكرية، فهو إقليم جبلي يقع بين البحر الأسود في الغرب وبحر قزوين في الشرق، ويطل على 4 دول محورية هي روسيا وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا.

والحقيقة أن التنوع العرقي الذي يحياه القوقاز وسلاسله الجبلية العظمى يندرُ أن نجد شبيهًا له في مناطق أخرى من العالم، فيوجد نحو 50 شعبًا مختلفًا يعيش في القوقاز بسبب الهجرات المتعددة التي شهدها الإقليم على مدار تاريخه بسبب مناخه المداري المعتدل وطبيعته الخصبة الغنية وفرص النشاط الاقتصادي.

وأدى التنوع العرقي إلى تنوع في اللغات المنطوقة وفي التوزيعات الجغرافية للسكان وأماكن انتشارهم، وقد جاء ذلك التنوع والثراء والموقع الجغرافي ليحل محل اهتمام لا متناهٍ من الجانب الروسي، والذي سعى طوال الوقت للسيطرة على الإقليم سواء عن طريق التدخلات العسكرية والسيطرة الدبلوماسية التي تغلف العلاقات الحديثة بين روسيا الحديثة وبين الدول الواقعة في الإقليم بعد خروجها من العباءة السوفيتية.

يقع خطأ شائع بين البعض عند الحديث عن القوميات التي تسكن القوقاز، ويسود اعتقاد أنها قوميات روسية، لكن الحقيقة أن إقليم القوقاز يضم 21 قومية متعددة.

الإسلام كعامل محوري

ويشكل الدين الإسلامي عاملاً محوريًّا هامًّا فيه، ففي أربع دول هناك يمثل الإسلام العامل الرئيس الجامع للشعب عقيدة وارتباطًا، وذلك في جمهوريات بشكورتوستان أو بشكيريا، وتترستان، وداغستان، إضافة إلى جمهورية الشيشان.

كما أن للمسلمين أهمية نسبية في جمهوريات أخرى على رأسها، أنجوشيتيا، وقبردين-بلكاريا، وارتشييف-شيركيسيا، وكذلك أوسيتيا.  

وعلى الناحية الأخرى ينتشر الكثير من الأرمينيين في روسيا وجورجيا، ولهم حضور في الإقليم القوقازي نفسه، وقد كان لذلك التفاعل الحيوي الكبير دور في لفت الأنظار للإقليم عسكريًّا وسياسيًّا، وكذلك لعب التفاعل دورًا في الصراعات الداخلية التي شهدها الإقليم على فترات متباعدة من تاريخه.

الحلم الروسي بالسيطرة

يذكر “روبرت ف. باومان” في كتابه Russian Soviet Unconventional Wars in Caucasus, Central Asia and Afghanistan أن العلاقة بين روسيا القيصرية والقوقاز تفاوتت بين السلام والمواجهة والسيطرة والتبعية، فكانت البداية في القرن السادس عشر تحت حكم “كاثرين الثانية” حين أقام “إيفان الرابع” علاقات مع النطاق الشمالي من القوقاز، في الفترة ما بين 1533 و1584 لكن التدخلات العسكرية وبدايات المعارك كانت في القرن الثامن عشر تحديدًا منذ العام 1762 تحت حكم الملكة كاثرين.

يذهب باومان إلى أن الحروب التي شنها الروس في تلك الفترة كانت “حربًا ضد مقاتلي الجبال” واستغرقت زمنًا طويلاً بعدما فشل الروس مرات عديدة في اختراق الدفاعات المتحصنة لصد الحملات الروسية.

فمعارك الروس في سبيل إخضاع شعوب القوقاز استغرقت نحو 101 عام تقريبًا، شهدت خلالها العديد من المذابح وعمليات التهجير للسيطرة على نطاق القوقاز بالكامل، وذلك عبر نقطة البداية التي تشكلت بالسيطرة على وادي كبادا قرب سوتشي المطلة على البحر الأسود.

كان نطاق القوقاز  يمثل من الأهمية بالنسبة إلى روسيا، ما يطابق أهمية مستعمرات الهند لبريطانيا العظمى، وما مثلته مصر من أهمية كموقع جغرافي بالنسبة إلى الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى كفرنسا وبريطانيا.

يقول موشي جامر في دراسته Empire and Mountains: The case of Russia and Caucasus إن الحملات العسكرية المستمرة التي قامت بها روسيا على مدار تلك السنوات لم تكن لفرض السيطرة العسكرية وحسب، وإنما تطرقت لعمليات التهجير القسري وذلك لفرض حالة جديدة من التغير الديموجرافي على منطقة القوقاز، وهو ما نتج عنه تقريبًا تهجير 1.5 مليون شركسي إلى مناطق مختلفة.

ويتابع جامر: “أما الجانب المأساوي في القصة فهو المجاعات التي ضربت بعض المناطق خلال المعارك أو في حملات التهجير والتي تسببت في مقتل مئات الآلاف بحسب بعض التقديرات”.

وبحلول العام 1864 يمكن القول إن الحرب قد وضعت أوزارها وبدا الأمر محسومًا لصالح السيطرة الروسية على نطاق القوقاز بأكمله، واستمرت الحال على ذلك حتى جاءت الثورة البلشفية وسقطت القيصرية الروسية وصار لدينا ما يعرف بالجمهوريات السوفييتية.

الحرب العالمية الأولى

الـــ100 عام التي شهدت خلالها القوقاز المعارك المذكورة، دالة على أهمية المنطقة إستراتيجيا بالنسبة إلى روسيا، سواء على الجانب الاقتصادي لوفرة إنتاجها الزراعي وأهميتها التجارية، وكذلك لأهميتها الجغرافية والعسكرية.

وقد تجلت تلك الأهمية بوضوح إبان الحرب العالمية الأولى، فصحيح أن روسيا لم تكن دولة ضعيفة قبل أن تُخضع نطاق القوقاز لسيطرتها، لكنها وبامتلاك تلك السيطرة كانت قادرة على الدخول في المواجهات الدولية باعتبارها ضمن القوى العظمى في العالم، من حيث المساحة ومن حيث القوة الاقتصادية التابعة لها، وكذلك من حيث الأعداد المتاحة للتجنيد والتعبئة في حالة نشوب حرب.

كانت حملة القوقاز خلال الحرب العالمية الأولى واحدة من الأمثلة الجلية التي أوضحت كيف يمكن لروسيا أن تلعب دورًا عسكريًّا على عدة جبهات دون التورط المباشر فيها، فالجيش الذي كوّنته روسيا من بلاد القوقاز للقتال على جبهة الأناضول المتسعة، لعب دورًا حيويًّا في حماية الظهير الروسي خلال اشتداد المعارك.

يشير تيجران مارتيروسيان، في دراسته المنشورة بجامعة أمستردام، إلى أن التحرك الأول للحملة القوقازية كان في 29 أكتوبر/تشرين الأول عام 1914 في مجموعة قوامها 100 ألف مقاتل يتوزعون بين الجنود من جورجيا وأرمينيا واليونان، وتوجهوا نحو البحر الأسود في أول مواجهة فعلية بعد إعلان روسيا الحرب على الدولة العثمانية بعد تحالفها مع ألمانيا لاستعادة الأراضي الخاضعة لسيادتها من بريطانيا وفرنسا.

بالطبع لن نكون بحاجة إلى الكثير من التنقيب حتى نعرف أنه وبحلول العام 1917 كانت الثورة البلشفية في بدايات التحكم والسيطرة على المقاليد في روسيا، ليبدأ بعدها شكل جديد من أشكال تفكك الإقليم واندلاع صراع بين مكوناته: أذربيجان وأرمينيا وجورجيا.

حرق خريطة العالم

هل كان جافريلو برينسب الطالب الصربي يدري أن رصاصته التي وجهها إلى صدر ولي عهد النمسا قد تحرق خريطة العالم بالمعنى الحرفي للكلمة، وتتسبب في قتل ملايين البشر؟

الطالب الصربي المنتمي لعصابة “اليد السوداء” لم يكن يخطر بباله أن حربًا عالمية ستنشب من نطاق القوقاز والبلقان بعد حادثة 28 يونيو/حزيران 1914 لتجرّ معها جيوشا ضخمة ومعارك ملحمية، وتكون المحصلة النهائية بحسب بعض التقديرات هي وفاة قرابة 25 مليون شخص (عسكري ومدني) حول العالم وانهيار اقتصادات ومجتمعات كاملة.

صحيح أن الأوضاع الدولية بالفعل كانت مهيأة للاشتعال، إلا أن نقطة انطلاق الحرب كانت من البلقان والقوقاز بعدما مثل مقتل ولي عهد النمسا على يد الطالب الصربي. الأمر كان بمثابة عود ثقاب أحرق أوروبا، وسرعان ما جرّت الحرائق  العالم أجمع.

فالنمسا التي قُتل ولي عهدها أعلنت الحرب على صربيا لتتحرك القوى الكبرى، فتعلن روسيا دعمها لصربيا وتتحرك ألمانيا معلنة الحرب على روسيا، وعلى الناحية الأخرى تتحرك بريطانيا لقيادة ما عُرف لاحقًا بالوفاق الثلاثي.

لا شك أن الحرب العالمية الأولى غيرت الواقع العالمي فسقط الكثير من الأسر الحاكمة في أوروبا،  وتكونت دول جديدة وتغيرت الكثير من الحدود الجغرافية على الخريطة، ولم تكن المنطقة العربية بمعزل عن تلك التغيرات الحادة والتي تمكن رؤيتها بوضوح في اتفاقية سايكس بيكو، وكذلك في معركة فلسطين التي انتهت لمصلحة الصهيونية بعد وعد بلفور، وأوهام شريف مكة المتعطش لقيادة حلف مات في مهده.

أذربيجان وأرمينيا.. هل تتجدد القصة القديمة؟

أعادت سيناريوهات المواجهة العنيفة بين أذربيجان وأرمينيا، خلال الأيام الماضية، الكثير من الصور القديمة في مخيلة الكثيرين، فالقوقاز الذي اشتهرت معاركه بالحدة والقسوة وبالأهمية النسبية دوليًّا، تبدو هذه المرة أكثر خطورة وأكبر من المعتاد، فالخسائر العسكرية المحققة لدى الطرفين وكسر الهدنات المعلنة على نحو مستمر يكشف لنا ملمحًا دراميًّا عن تاريخ القوقاز.

فإقليم ناغورني كاراباخ الذي ظل لقرون جزءًا من التبعية الأذرية والغالبية السكانية الأرمينية بسبب عمليات التهجير القديمة، يشي بحالة مرتبكة دوليًّا ومشتعلة بنحو مختلف عن الأزمات السابقة، فتركيا وروسيا اللتين جمعتهما المواقف المشتركة في الأزمة السورية باعتبارهما الأهم على الساحة الدائرة هناك، يبدو أنهما في حالة مواجهة معلنة الآن، فالتقارير كافة تشير إلى أن كلا من قوى التصارع الدولية قد حركت مقاتلين تابعين لها إلى إقليم المواجهة.

في الحقيقة، سيكون من الصعب قليلاً، توقُّع أن يتطور الأمر إلى حرب عالمية جديدة مركزها القوقاز أو البلقان، لكنها من المحتمل أن تكون مسمارًا جديدًا في نعش الحالة العالمية الراهنة التي يبدو أنها تنتظر سببًا ما لتحرق الخارطة مجددًا وللمرة الثالثة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

إسلام كفافي

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram