سياسةمختارات

هل تغيّر ريشة “بايدن”.. لوحة الشرق الأوسط؟

 

منذ عامين تقريبًا، هاجم الديمقراطيون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوة، بسبب سحبه القوات الأمريكية من سوريا، خوفًا من تقويض التحالف الأمريكي مع الأكراد. ومع ذلك، يفضّل القادة الديمقراطيون أيضًا تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، ويدركون جيدًا تراجع أهمية المنطقة في معترك السياسة العالمية للولايات المتحدة.

لقد كانت إدارة أوباما الديمقراطية هي التي اتخذت قرار انسحاب القوات الأمريكية من حمام الدم العراقي. ومن المفترض أن يعتمد بايدن، إذا ما انتُخِب رئيسًا، مسارًا مماثلاً لأن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على نفط الشرق الأوسط، وتنظر إلى الصين الآن بوصفها التهديد الأكبر. وقد أدت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية إلى خفض مستوى التهديد الإرهابي الإستراتيجي للأمن القومي الأمريكي.

أوباما وبايدن

بايدن وأجندة الانسحاب

ربما يعتقد بايدن، مثل ترامب وسلفه باراك أوباما تمامًا، أن الولايات المتحدة بإمكانها تقليص وجودها في المنطقة والاعتماد على حلفائها (دول الخليج ومصر والأردن وإسرائيل بالطبع) وعلى التحالفات التي يشكيلها شركاؤها الإقليميون على مدار العقدين الماضيين. كما تمكن للولايات المتحدة زيادة مساعداتها لحليف معين في وقت الحاجة (كما حدث مع التدفق الكبير للاجئين السوريين إلى الأردن في العام 2014، أو العراق إبان القتال مع تنظيم الدولة الإسلامية)، لكنها لم تعد ترغب في مواصلة التدخل في الصراعات المحلية.

والأكثر من ذلك أن الدرس المؤلم للتدخل في العراق، قد بدد حالة الإيمان الخلاصي لإدارة بوش في تحويل الشرق الأوسط إلى الديمقراطية. أيضًا لم يعد القلق بشأن ملء روسيا أو الصين لحالة الفراغ التي خلفتها الولايات المتحدة في المنطقة يشكل رادعًا للقادة الأمريكيين (مثل أوباما وترامب) الذين يحاولون مغازلة أصوات الناخبين من خلال قرارات سحب القوات وتفريغ الإدارة للتعامل مع ملفات مختلفة، من بينها “محور آسيا”.

الاستعداد للانتخابات الأمريكية

“جو”.. وأوباما

بصفته مرشح الحزب الديمقراطي، من المتوقع أن يكون بايدن أكثر حساسية من ترامب تجاه انتهاكات حقوق الإنسان في الشرق الأوسط. فقد أدان من قبل سلوك النظام السعودي في أعقاب مقتل الصحفي جمال خاشقجي، بلهجة حادة نوعًا ما، عدة مرات، ودعا لوقف بيع السلاح إلى الرياض.

ومع ذلك، إذا انتُخِب بايدن، فسيكون أول ملف يعمل عليه هو معالجة أكبر أزمة صحية واقتصادية شهدتها الولايات المتحدة منذ العام 1929. وسيتعين عليه خلق فرص عمل والتعامل مع آلاف القضايا المحلية الشائكة. ستكون هذه القضايا على رأس أولوياته. وقد يضطر إلى تنحية استهجانه الأخلاقي جانبًا، والسماح بتصدير الأسلحة لمنع خسائر الوظائف والأرباح للمواطنين الأمريكيين. كان ترامب ينتقد أيضا المملكة العربية السعودية بقوة قبل انتخابه، لكنه غيّر لهجته تمامًا فيما بعد، وقام بأول زيارة خارجية له كرئيس إلى المملكة العربية السعودية.

يمكن للمرء أن يقول -بشيء من الحذر- إن أي تغيير في سياسة الولايات المتحدة تجاه الخليج، لن يقوض التقارب الإسرائيلي مع تلك الدول. فستبقى التهديدات الإقليمية الإستراتيجية –بالنسبة إلى الخليج وبعض دول المنطقة- (توسع الهيمنة الإيرانية وانتهاكاتها للاتفاق النووي، بالإضافة إلى النشاط التركي في المنطقة) على ما هي عليه، وبالتالي سيظل الاهتمام بالتعاون الاقتصادي والأمني ​​بين إسرائيل ودول الخليج قائمًا. ويمكن أن تحاول الدول العربية، التي تنظر تقليديًّا إلى إسرائيل كجسر للعبور نحو البيت الأبيض، استغلال هذه العلاقة الرسمية الآن لتعزيز مكانتها لدى الكونجرس والإدارة الجديدة، حال تنصيبها.

دول الخليج

الملف الإيراني

يثير موقف جو بايدن من الاتفاق النووي الإيراني قلق القادة الإسرائيليين والعرب حاليًّا، وهو ما قد يعزز علاقاتهم. ويشعر القادة العرب بالقلق من معاودة بايدن الانضمام إلى الاتفاق وإحياء ما تخلى عنه ترامب. إنهم يعولون في ذلك على انتقادات بايدن لانسحاب الولايات المتحدة أحادي الجانب من الاتفاق، وإعلانه أنه سيبذل ما بوسعه للانضمام إليه مرة أخرى.

ومع ذلك، يبدو أن أفراد حملة بايدن يدركون جيدًا أنه ليس باستطاعتهم أن يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء ببساطة. فقد صرح بلينكين، أحد أقرب مساعدي بايدن، والمستشار المحتمل للأمن القومي مستقبلاً، في مقابلات معه بأن الولايات المتحدة لن تعود إلى الاتفاقية حتى تفي إيران بجميع التزاماتها، وهو ما يعني –بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية- تراجع إيران عن جميع انتهاكاتها للاتفاق. من الصعب التكهن بالكيفية التي قد يُحضِر بها بايدن إيران إلى طاولة المفاوضات، ولكن ما دام مثل هذا الخيار قابلاً للنفاذ، فإن إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ودول الخليج الأخرى، سيكون لديها ما يكفي من أسباب التقارب.

القضية الفلسطينية

يُعتبر المرشح الديمقراطي “بايدن” من أشد مؤيدي حل الدولتين، كحل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ومن المتوقع أن يعيد فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، ويعيد المساعدات الأمريكية إلى الفلسطينيين، ويدعو سفير منظمة التحرير الفلسطينية للعودة إلى واشنطن. لكن هذا لا يعني أنه سيضع القضية الفلسطينية على قائمة أولوياته، خاصة في ظل الأزمة الداخلية والتوترات المستمرة مع الصين.

ومن غير المرجح أن تعود القضية الفلسطينية إلى الصدارة بعد تغيير الإدارة الأمريكية، إذ يتزايد ضعف العالم العربي مع استمرار انتشار فيروس كورونا وتعميق الأزمة الاقتصادية وتزايد البطالة. كما تخشى الدول العربية من أن تستغل الدول غير العربية الكبرى في المنطقة (تركيا وإيران) حالة الضعف هذه. وإذا حدث ذلك، فمن غير المرجح أن تلقى القضية الفلسطينية اهتمامًا كبيرًا من الدول العربية الكبرى (المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر) التي تتولى قيادة جامعة الدول العربية أيضًا.

جو بايدن

فإذا كان الأمر كذلك، وإذا قرر بايدن إحياء مبادرة السلام العربية وحشد الدعم السعودي والعربي (ربما مقابل موقف أمريكي أكثر تشددًا حيال إيران، وإمدادات الأسلحة الإستراتيجية الأمريكية، وما إلى ذلك)، فقد يظهر الضغط على إسرائيل بشأن القضية الفلسطينية مرة أخرى. وإذا اختارت إسرائيل الرد على ذلك بالتوسع المتزايد في بناء المستوطنات، في تحدٍّ لسياسة الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تلتزم دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات بخط الإدارة الأمريكية، ولكنها لن تقطع العلاقات مع إسرائيل نتيجة لذلك.

ختاما، لن يؤثر فوز المرشح الديمقراطي في تعزيز العلاقة بين إسرائيل والدول العربية، خاصة إذا اختار التركيز على الملف الإيراني وعودة انضمام الولايات المتحدة إلى خطة العمل المشتركة الشاملة. ومن المتوقع أن يستمر تراجع علاقة الشرق الأوسط بالولايات المتحدة، ما يدفع إلى تعزيز التعاون بين الشركاء في المنطقة من أجل تشكيل جبهة قوية والتصدي للتهديدات التي تشكلها الدول غير العربية (إيران وتركيا). قد يؤدي تغير النهج الأمريكي إزاء القضية الفلسطينية إلى زيادة الضغط على إسرائيل قليلاً، ولكن من غير المتوقع أن يغير الديناميكيات الحالية بقدر كبير.

 

المصدر
Modern Diplomacy

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى