سياسة

هل تنجح خطط الناتو وواشنطن في فرض السلام بأفغانستان؟

حرص حلف الناتو، مع بدء الأمريكيين عملية إنهاء وجودهم في أفغانستان، على ترتيب أوضاع ما بعد الانسحاب بما لا يهدد مصالح الحلف العسكري الغربي، وبما يضمن الدفع باتجاه تطبيق بنود اتفاق الدوحة الموقع في فبراير العام الماضي.

حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في حلف شمال الأطلسي، والذين يقترب حجم قواتهم مجتمعة في أفغانستان من حجم القوات الأمريكية المتواجدة منذ بدء الحرب على طالبان، تعيَّن عليهم التعلم من درس تجربة ما بعد الإتحاد السوفيتي بشأن ضرورة وضع خطة للحفاظ على الأوضاع بالبلاد وبالمنطقة مستقرة بعد الانسحاب، عوضًا عن إبقاء قوة صغيرة من قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية والأطلسية لمساعدة الجيش الأفغاني.

تضمنت الخطة الأطلسية التي خرجت للعلن قبل أيام رؤية لموازنة نفوذ القوى الإقليمية المنافسة للناتو بدول جوار أفغانستان، وفي مقدمتها إيران والصين وروسيا، بالنظر لفرضية استفادة تلك القوى من الفراغ الأمني والسياسي الذي سيعقب الانسحاب، وللاحتمالية الكبيرة لشروع الإيرانيين في التدخل والسيطرة على غرب أفغانستان.

قوات أمريكية وقوات تابعة للناتو تستعد للرحيل من أفغانستان
قوات أمريكية وقوات تابعة للناتو تستعد للرحيل من أفغانستان

يمكن وصف الخطة التي وردت في إطار رؤية الناتو 2030م بأنها الدليل الأقوى على توخي الغربيين إبقاء عيونهم مفتوحة على هذا البلد المهم، وعلى الشعور المتزايد بالخطر الجسيم جراء ترك أفغانستان-البلد الذي يمثل بؤرة مفتوحة للتنظيمات والجماعات الجهادية الراديكالية- لمصيرها، وانهيار المكاسب التي تحققت بكلفة باهظة في مجال مكافحة الإرهاب طوال السنوات العشرين الماضية.

أمريكا والناتو ومكافحة الإرهاب عن بعد

خطة حلف الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية للانسحاب من أفغانستان نهائيا تتمحور حول محوريِّن رئيسيين؛ الأول الإيفاء بالالتزامات المالية والتسليحية، ومواصلة تمويل ودعم قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية، والمحور الثاني: خلق توازنات بين قوى إقليمية متنافسة تضمن استمرار النفوذ الغربي، وتؤمن المصالح الغربية بالمنطقة ضد أي استهداف.

وفيما يتعلق بالعنوان والهدف الرئيسي من أي جهد أمريكي وغربي بالساحة الأفغانية مستقبلًا، فهو بوضوح ينطلق من حماية العمق الأمريكي والغربي من الهجمات الإرهابية، ومنع استخدام أفغانستان كبؤرة للجهاديين من مختلف أنحاء العالم، وكقاعدة وملاذ آمن لمختلف التنظيمات الإرهابية.

وفي ظل فقدان الثقة بطالبان،والتي لا تزال ترتبط بعلاقات وثيقة بالقاعدة، يتوخى الغربيون والأمريكيون صياغة واقع لا يترك الولايات المتحدة في مكان مشابه لما كانت عليه قبل 11 سبتمبر 2001؛ حيث يدرك القادة الغربيون أنه في ضوء السيناريوهات الغامضة التي باتت تلف المشهد الأفغاني فليس عليهم إلا أن يختاروا بين سيناريوهين طال الوقت أو قصر؛ إما أن يقاتلوا الإرهاب في عقر داره بأفغانستان، أو يتراخوا ليقاتلهم هو في عقر ديارهم.

في الوقت الحالي، لا تفكر القاعدة أو غيرها من الجماعات الإرهابية الأخرى الناشطة بأفغانستان في إظهار تهديد مباشر أو حتى الإيحاء بضرب الولايات المتحدة إنطلاقًا من أفغانستان، نظرًا لاعتبارات كثيرة منها أنهم جميًعا في طور التنافس فيما بينهم للفوز بالنفوذ الأكبر في البلاد، وهذا يعوقه عدم الرغبة في استفزاز الولايات المتحدة الأمريكية، لقدرة الأخيرة على الرد بقوة غاشمة، وبطرقة مختلفة ومتنوعة، خاصة أن واشنطن تحاول إثبات صحة خياراتها المبنية على تقييمات إستخباراتية دقيقة بشأن عدم تعرضها لتهديد إرهابي، وهو الدافع الرئيسي الذي حسم قرارها بسحب القوات هذا العام.

لذا تعول الولايات المتحدة على رهان الانتقال عاجلًا أو آجلًا إلى السلام في أفغانستان حيث لا تمتلك طالبان قدرات تخولها الانفراد الكامل بالسلطة.

تركيا والتواجد في أفغانستان بديلا عن الناتو

شملت الخطة الأطلسية التزام دول أعضاء الناتو ال30 بزيادة الإنفاق العسكري واللوجيستي لتعزيز قدرتها على الردع وميزانية الدفاع، وهو عنصر مهم لإصلاح حلف الدفاع المشترك الذي تأسس منذ 72 عامًا، وفق ما جرى الإعلان عنه خلال القمة الأخيرة التي عقدت في بروكسل، علاوة على الدفع بتركيا كواحدة من أعضاء الناتو للعب دور أمني بالداخل الأفغاني، ولذا خرج الرئيس التركي من الاجتماع قائلًا “يمكننا توفير الأمن في أفغانستان على أفضل وجه“.

يتطلع أردوغان إلى أن يصبح دوره كحارس أمني على السفارات والمطارات الرئيسية بعد مغادرة الولايات المتحدة الأمريكية لأفغانستان عربونًا للتقارب مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، وأن يكون ثمن تقديم تركيا لنفسها كحارسة لمصالح الناتو هو غض البصر عن ممارساتها وسياساتها في العديد من الملفات الشائكة.

أردوغان : يمكننا توفير الأمن في أفغانستان على أفضل وجه

أردوغان: يمكننا توفير الأمن في أفغانستان على أفضل وجهوعلى الرغم من المخاطر الكبيرة في ظل المواجهات العسكرية الموسعة وزيادة نفوذ الجماعات المتطرفة وعدم وجود حدود جغرافية مشتركة بين أفغانستان وتركيا، إلا أن هذا الدور يلائم طبيعة الرئيس التركي الباحث عن فرص خارجية للتموضع الإستراتيجي واكتساب نفوذ دولي وإقليمي، خاصة وأن تركيا تربطها علاقات جيدة بالأوزبك.

أفغانستان هي خير من يلبي تلك الاحتياجات لأنقرة؛ فهي حجر الزاوية في آسيا، وتقع على حدود الصين، وتسعى تركيا بأن  تكون قريبة من نطاق روسيا الحيوي، وهو ما يتيح لتركيا الدخول في مضمار المنافسة بجمهوريات آسيا الوسطى.

بالكيفية السابق ذكرها عثرت الإدارة الأمريكية على وسيلة مضمونة (الحليف التركي) تضمن بها تسكين هواجس حلفائها الأوربيين بشأن كيفية تحقيق الأمن في سفاراتهم على طول طرق النقل الرئيسية، وقبل كل شيء في مطار العاصمة كابول.

الناتو وموازنة نفوذ إسلام أباد وكبح تمدد طهران

لجوء الولايات المتحدة الأمريكية والناتو لتركيا من أجل الحراسة الأمنية بأفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي والدولي المقرر إتمامه في سبتمبر المقبل لم يكن هدفه فقط تأمين الظروف الأمنية الأساسية لاستمرار الوجود الدبلوماسي الغربي، بل أيضًا يهدف لخلق توازن أمني ومخابراتي عبر تكريس طرف عضو في الناتو قادر على التعامل مع واقع مضطرب يعج بالتنظيمات المتطرفة المسلحة، بالنظر لخبرات أنقرة السابقة في هذا المضمار.

كان يمكن الاعتماد على باكستان للقيام بهذا الدور كونها الأكثر وضوحًا من الناحية الجغرافية، لكن لا يأمن الغربيون انحيازًا باكستانيًا كاملًا لطالبان بعد أن صارت الأخيرة رقمًا مهمًا في المعادلة الأفغانية، بالنظر للأرباح المفترض أن تحققها المخابرات الباكستانية من جراء مساعدتها في تمكين طالبان من عنق أفغانستان، كي تستفيد باكستان لاحقا من ظهير قوي، وملف يمكن التفاوض من خلاله مع الأمريكيين حال تأزمت الأمور مع واشنطن.

بقاء الناتو ممثلًا في الحراسة الأمنية لأحد أعضاء الحلف ( القوات التركية) يهدف أيضًا لخلق توازن يحول دون تمدد إيران التي لم تغب يومًا عن أفغانستان التي لم تشهد استقرارًا ولا هدوءًا منذ العام 2002م.

القوات الأمريكية في أفغانستان
القوات الأمريكية في أفغانستان

لم تكن علاقة إيران بطالبان جيدة عندما سيطرت الحركة الأفغانية على السلطة عام 1996، بل أوشك الطرفان على الدخول في مواجهة عسكرية في العام 1998 بعد مقتل الدبلوماسيين الإيرانيين في مزار الشريف، كما أسهمت طهران ورحبت علانية بإسقاط واشنطن حكم إمارة طالبان في نوفمبر عام 2001، خصوصا بعد دعم طويل الأمد لحلفاءها التقليديين بأفغانستان ممثلين في الطاجيك وأقلية الهزارة الشيعية.

لكن حرص إيران على عدم ترك الفراغات دون استغلالها داخل جارة تتميز بأهمية إستراتيجية فائقة كأفغانستان ساقها لتعديل إستراتيجيتها، ولنقل تحالفها من التحالف الشمالي المناهض لطالبان قبل الغزو الأمريكي عام 2001 إلى تأسيس تحالف مع طالبان، لتصبح الأخيرة مع الوقت فرس رهان طهران في الساحة الأفغانية.

حرصت إيران من وراء إقامة هذا التحالف على تأمين حضورها النوعي داخل جارة تكتسب أهمية خاصة بحكم وقوعها ضمن الفضاء الإقليمي الإيراني على الحدود الشرقية الإيرانية بحدود تصل إلى 921 كم، فضلًا عن بروز تحديات مشتركة جمعت بين إيران وطالبان في مقدمتها مواجهة النفوذ الأمريكي والغربي، وتاليًا الرغبة المشتركة بينهما في التصدي لنفوذ داعش المتنامي في الساحتين الأفغانية والباكستانية.

وعلى غرار الوضع في سوريا تأمل الإدارة الأمريكية وحلف الناتو عن طريق منح دور أمني لتركيا أن يخلقا توازنًا بالساحة الأفغانية يحول دون إنفراد إيران بها، خاصة وأن طهران منذ عام 2014 (مع سحب مائة ألف جندي أمريكي) بدأت تمد أذرعها وتوطد علاقاتها مع طالبان لإضعاف نفوذ الولايات المتحدة في الساحة الأفغانية، والحيلولة دون إقامة سلطة مركزية قوية في أفغانستان تهدد المصالح الإيرانية وتحول دون مد نفوذها هناك.

هناك تقارب براجماتي كبير بين طهران وطالبان
هناك تقارب براجماتي كبير بين طهران وطالبان

الرهانات الغربية على الانتصارات المحدودة لطالبان

خلال الأيام الماضية قامت حركة طالبان -عبر انتصارات عسكرية على الأرض- بضم عدد كبير من الولايات الأفغانية؛ مثل ولاية بوركا في بغلان، وولاية دولة شاه في لغمان، وولايتي دواب ومندول في نورستان، وولايتي غيزاب وشينارتو في أوروزغان، وولايتي بلا مرغاب وقاديس في بدغيس، وولاية فارسي في هيرات وجاغاتو في غزني، والأخيرة هي المنطقة الإستراتيجية التي تضم الطريق السريع الرابط بين العاصمة ومعقل طالبان سابقًا قندهار.

ورغم الانتصارات الكبيرة لطالبان وإحكامها الخناق على العديد من عواصم المقاطعات الأفغانية ومحاصرة عواصم المقاطعات الرئيسية، إلا أن الحركة لا تمتلك رفاهية توجيه ضربة قاضية للحكومة الأفغانية باحتلال كابول عبر الطريق الجنوبي من العاصمة كما فعلوا في العام 1996، ليس لأنها لا تمتلك القدرة العسكرية على تحقيق هذا الأمر، إنما لأنها تعلم أنها إن فعلت ذلك فقط تجاوزت خط الرجعة مع الولايات المتحدة والقوى الدولية وتنكرت بوضوح لتعهداتها، وعليها أن تتدبر بمفردها إدارة المشهد المعقد دون أدنى مساعدة من الولايات المتحدة ودول أوروبا.

وبالرغم من تصاعد عنف طالبان بشكل ملحوظ في جميع أنحاء البلاد مؤخرًا ، إلان الولايات المتحدة ودول حلف الأطلسي لم تتغير خططهما بشأن الانسحاب النهائي من أفغانستان، حيث تدرك هذه القوى أن انهيار المسار السياسي ليس في مصلحة طالبان التي قد تهدف من وراء تصعيد العنف تحسين موقفها التفاوضي مع الحكومة، لكنها ليست في موضع قوة يجعلها تقدم على ما تنهي به مشروع السلام الأفغاني، وتفقد به تمامًا ثقة الأمريكيين والأوربيين.

ولذلك أصدرت طالبان مؤخرًا بيانًا على لسان رئيس المكتب السياسي للحركة الملا عبد الغني بردار، يجدد خلاله التزامها بخطة السلام وبالمسار التفاوضي، فضلًا عن استيعاب جميع مكونات المجتمع واحترام حقوق المواطنين رجالًا ونساءً وفق قواعد الدين الإسلامي، وتقاليد المجتمع الأفغاني، وفق ما ورد بالبيان.

يُدرك قادة طالبان أنهم لن يحصلوا على أي اعتراف أو دعم دولي إلا إذا حققوا المعادلة المطلوبة دوليًا؛ والمتمثلة في ألا تكون حركتهم في نفس معسكر الجماعات الإرهابية المحظورة كداعش والقاعدة، بجانب الدخول في شراكة في السلطة ضمن حكومة وطنية تتمتع بشرعية دولية. وإذا لم تفعل طالبان ذلك فعليها أن تدير وحدها واحدة من أفقر دول العالم، والتي تدفع لها الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا ما يجعل القطاعين المدني والأمني قادرين على الحفاظ على كيان الدولة، ولذلك ففي نهاية المطاف سيكون لزامًا على طالبان الجلوس على طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية وتقاسم السلطة مع خصومها.

من ناحية أخرى، تدرك طالبان أنها لا تدخل في مواجهة مسلحة مع القوات الحكومية فقط، فهناك مجموعات مسلحة جديدة تأسست من قبل أمراء حرب الهزارة والطاجيك والأوزبك. علاوة على أن قطاعًا كبيرًا من الشعب الأفغاني رافض لتأسيس إمارة إسلامية متشددة مجددًا، ولنظام يطمس المكتسبات التي تحققت، ولا يحترم حقوق المرأة ولا يسمح لها بالخروج للتعليم والعمل.

اقرأ أيضا: الضغط والاحتواء.. تكتيكات الحكومة الأفغانية لإنهاء تمرد طالبان

هشام النجار

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى