هل ثمة إسلامي مُعتدِل؟

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

من الضروري قبل الحديث عن الإسلاميين في محاولة للإجابة على السؤال عنوان المقال؛ توضيح المقصود بمدلول الكلمة “الإسلاميون”، فليست واحدة لدى الجميع.

الإسلاميون على اختلاف تنوعاتهم يتفقون حول جعل الإسلام بما يحويه من مضامين أخلاقية وفلسفية وتشريعية مرجعية لهم، ويفترقون بعدها في قراءتهم لتلك المضامين، ويميل كثيرون إلى التمييز بين أطياف الإسلاميين المختلفة، فهناك متطرفون ومعتدلون، وهناك يمين ويسار..، وإن كان كل تيار على اختلاف المذهب والرؤى الفكرية يزعم أن قراءته تمثل الإسلام الصحيح، وقد لا ينتبه البعض إلى أن هذا الزعم وحده دعوة للتطرف وإن لم تهيئ لها الظروف أن تنتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

تلك الفرضية تتيح وضع جميع الإسلاميين في سلة واحدة دون حاجة للتفرقة بين فصائلهم المختلفة، لكن هذا لا يمنع من متابعة الإجابة على السؤال عنوان المقال، ونقطة الانطلاق ستكون من المرجعية المقدسة التي تحيط إحاطة جامعة مانعة بالوجود، من ثم فالحقيقة لدى أصحاب تلك المرجعية ليست في الواقع أو الطبيعة أو الإنسان، بل في النص، والإسلامي على اختلاف موقعه معني بحكم مرجعيته أن يُعمل عقله في النص ليستخرج الحقيقة أو القراءة “الصحيحة”.

لهذا السبب لا يتصور الإسلامي أن الواقع قد يرفض قراءته “الصحيحة” للنص أو أن فشلها في تغيير الواقع يعود إلى خلل بها، وهو ما يشترك فيه الإسلامي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من أبي الأعلى المودوي وسيد قطب إلى حسن حنفي، ففي حين تجد مثلا المثقف الغربي رغم كل ما حققه من انتصارات وما راكمه من نجاحات في تغيير العالم، يدعو ساخرا على لسان الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه، إلى إنشاء متحف للـ “إنتلجنسيا”، بعد أن لم تعد أفكارهم ورؤاهم هي من تحرك مجتمعاتهم، ناعيا المثقفين: إننا نبدو في نهايتنا، وملامح وجهنا تدل على سوء ما نحن فيه؛ في الوقت ذاته تقرأ لحسن حنفي (في مقال له بالمصري اليوم،21/9/2016) أن فشل مشروعه “اليسار الإسلامي” يعود إلى ابتعاده “عن السلطة والحكم”، وأنه لم ينجح “كتنظيم حزبي لأنه ليس وراءه جماعة حزبية”، بجانب الحصار الذي ضربه اليمين الديني واليسار العلماني حول قراءته، أي أن فشل “اليسار الإسلامي” يعود إلى واقع لم يحسن التعاطي معه!، وهو فقط “في حاجة إلى مزيد من الزمن حتى يتحول.. إلى حركة اجتماعية تؤثر فى مسار التاريخ”!.

هذا الإصرار على توجيه اللوم إلى الواقع لا للمشروع الفكري، بعد اعتراف صاحبه بفشله؛ يرجع إلى أن كل قراءة للنص بغض النظر عن محتواها ومدى تقدميتها هي قراءة أيديولوجية مغلقة، هي الإسلام الصحيح، مراد الله على الحقيقة؛ من ثم تكتسب حصانة النص ضد الفشل أو العجز عن تغيير الواقع، وفي حالة عدم استجابة الواقع لها أو إعراضه عنها فالعيب عيبه ولا عيب فيها، بجانب ذلك لا مجال لإحداث تغيير جذري بها، إذ كل قراءة أيديولوجية مغلقة فاقدة بطبيعة الحال للمرونة، وأي تغيير في أسسها وثوابتها يعد انحرافا غير مسموح به، وينبغي حصاره ووأده إذا ما اتخذ سبيله للوقوع.

وهناك جانب آخر لتطرف “الإسلامية” وعنفها يبرزعندما تتاح الفرصة لأي رافد من روافدها مطابقة قراءته مع الواقع، فلأن القراءة هي رؤية للنص لا للواقع، فمن الطبيعي أن يقاومها الأخير، حينها ينتج العنف، وهو ما اقترفه حتى التيار العقلاني الأبرز في التاريخ الإسلامي، المعتزلة، فما إن حاز زعماءه السلطة في عهد المأمون حتى مارسوا العنف من أجل فرض أيديولوجيتهم.
لهذا من التجهيل والسذاجة الانسياق وراء أطروحة الإسلاميين “المعتدلين” الذين ينسبون التطرف في التاريخ الإسلامي إلى أفكار ورؤى أسماء بعينها مثل: ابن تيمية، وإلى فرق هامشية مثل: الخوارج، فجميع الفرق والمذاهب الإسلامية مارست العنف، ولا يتطلب التحقق من ذلك إلا الرجوع لكتب التاريخ، لنقع على حوادث عنف وإرهاب امتدت عبر القرون وتوزعت على أغلب الأقطار الإسلامية الكبرى، فهي بين الشافعية والحنفية في أصفهان كما في بغداد (393 هـ) وخراسان (489 هـ)، وهي بين الحنابلة والشافعية بعاصمة الخلافة العباسية (324 هـ) لتتجدد سنة (573 هـ)، وبين الأشاعرة والحنابلة ببغداد (469 هـ)، وهي في نيسابور بين الحنفية من جهة والشافعية والشيعة من جهة أخرى (555 هـ)، وهي بين الحنابلة والشافعية في مصر (567 هـ)، وبين أتباع المذهبين في دمشق (714 هـ)، وبين الحنابلة والأشاعرة بدمشق (839 هـ)، لتتجدد سنة (835 هـ)، وقد تعدى بعضها حد الحروب والمناوشات إلى الإبادة الجماعية مثل تلك التي ارتكبها المعز بن باديس في شمال إفريقيا ضد الشيعة (407 هـ) وغير ذلك.

هذه الحروب ساعد عليها طبيعة الدولة القديمة فلم تكن قادرة على بسط سلطانها بصورة مماثلة لما تستطيعه نظيرتها الحديثة، وهو السبب الرئيسي (إلى جانب عوامل أخرى بالطبع) وراء انحسار مد التطرف والعنف في العصر الحديث، لذلك في حالة تراخي أو اختفاء أدوات العنف الشرعية نتيجة لانحلال الدولة مثلا تجد تلك الظاهرة تطل برأسها من جديد (انطر حولك)، ويرجع هذا في جزء كبير منه إلى استمرار المنظومة الفقهية والفكرية القديمة كما هي دون أي اختلاف جوهري، وإذا مسها التغيير فهو بفعل عوامل خارجية، ولا يطال في مجمله إلا الهامش.

من هذا كله يمكن القول أنه حتى لو تشعب الإسلاميون وتعددت رؤاهم وتباعدت المسافات بين أطروحاتهم، فبدا البعض أكثر تقدمية وأبعد انفتاحا فإن موعدهم جميعا التطرف والعنف، يقر ذلك ما توافقوا عليه بأن كلا منهم يحمل في جعبته الفكرية “الإسلام الصحيح”، وأن على الواقع أن يخضع للحقيقة التي يضمها النص وتنعكس في قراءاتهم، وإلا وصم بالجاهلية والفساد كما لدى سيد قطب مثلا أو في أحسن الأحول فهو “يحتاج إلى مزيد من الزمن” ليستجيب إلى الأطروحة الإسلامية كما ذهب حسن حنفي.

“الإسلامية” بجميع أطيافها تضمر التطرف والعنف. من تياراتها من أفسحت له الأحداث ليُظهر ما يضمره، مثل: الإخوان المسلمين، الذين وُصفوا حتى الأمس القريب في دوائر عديدة داخلية وخارجية بالإسلاميين المعتدلين؛ ومن تياراتها من ينتظر، وهذا مرجعه إلى أن التطرف أو العنف كامن في الأيديولوجية الإسلامية على اختلاف ألوانها، ولعل ظهوره للعلن يتطلب فقط، كما يدلل منطلق الاستدلال وتشي حوادث التاريخ، الظرف التاريخي المناسب أو تراخي يد الدولة أو إتاحة الفرصة لمطابقة قرءاة النص (الأيديولوجية) مع الواقع، وبهذا تكون الإجابة على السؤال عنوان المقال: لا ليس ثمة إسلامي معتدل.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search