هل عرف التاريخ داود وسليمان؟

شكَّل الجدال حول ما إذا كان داود وسليمان شخصيتيّن تاريخيتيّن أم لا، واحدًا من الجدالات الأكثر سخونة في علم الآثار التوراتي منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. إلا أن فيض المعلومات الأركيولوجية الجديدة، الذي أخذ يتراكم رويدًا رويدًا، وضع نهاية لبعض من جوانب هذا الجدال، ولكنه زاد من حدة جوانب أخرى، ولا تلوح في الأفق أي علامات توحي بقرب انتهائه بشكل كامل. كانت غالبية حجج الباحثين -من كلا المعسكرين- حول الموضوع تُنشر في دوريات بحثية، ولكنها نادرًا ما وجدت طريقها إلى طلبة الدراسات التوراتية، أو إلى العامة. يرمي المقال أدناه، والمُستقى من كتاب “الأركيولوجيا التوراتية: مقدمة قصيرة جدًّا”، للمؤلف إريك إتش كلاين، إلى وضع الجمهور في القلب من هذا الجدال.

لطالما كان الجدال حول داود وسليمان في طليعة مشهد علم الآثار التوراتي منذ أمد طويل، ولا سيما منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، عندما ثارت الشكوك والتساؤلات حول وجودهما التاريخي. تتمثل المشكلة اليوم في أنه، وعلى الرغم من أن نصب تل دان -اكتُشفت أجزاء منه عامي 1993 و1994- يزودنا بأقدم وأول شاهد نصي معروف من خارج الكتاب المقدس على الوجود التاريخي لسلالة داود (بيت داود)، فإنه لا توجد شواهد نصية أو أركيولوجية أخرى تتعلق بهذين الملكين حتى هذه اللحظة. وهكذا، يستمر الجدال حتى يومنا هذا على الرغم من -وفي حالات أخرى بسبب- فيض المعلومات الجديدة الآخذة في التدفق إلى الساحة.

اكتُشف أول الأجزاء المنقوشة من نصب تل دان عام 1993 في موقع يحمل الاسم ذاته، يقع في شمال إسرائيل بالقرب من حدود لبنان الحديثة، عند منابع نهر الأردن. تناوب على تنقيب الموقع عدد من الفرق التنقيبية التي عملت في السابق تحت إشراف أفراهام بيران، ويقودها اليوم ديفيد إيلان، الباحث بكلية الاتحاد العبري – المعهد اليهودي للأديان في القدس. اكتُشف النصب في الوقت الذي بلغ فيه الجدال بين الباحثين حول ما إذا كان داود وسليمان وُجدا يومًا في التاريخ أم لا ذروته الأولى. إلا أن اكتشاف هذا النقش جاء ليُنهي مرة واحدة وإلى الأبد الجدال حول ما إذا كان داود شخصية تاريخية حقيقة أم لا، على الأقل بالنسبة لمعظم الباحثين.

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه
1- اكتشاف مفاجئ

اكتشفت جيلا كوك، إحدى أعضاء الحملة الاستكشافية آنذاك، ومسئولة المسح السطحي، الجزء الأول من النصب. إذ ذهبت جيلا إلى الموقع ذات يوم في ساعة مبكرة من وقت الظهيرة، ولاحظت وجود حروف منقوشة على إحدى الصخور التي تشكل جزءًا من سور جرى تنقيبه مؤخرًا. يبدو أن النقش الأصلي، الذي نُقِشَ ونُصِبَ في تل دان نحو عام 842 قبل الميلاد، أُزيل من مكانه، وقُسِّم لأجزاء، وأُعيد استخدام بعضٍ من تلك الأجزاء -في النهاية- في بناء السور. ولولا ضوء شمس الظهيرة المائل، لما تمكنت جيلا من رؤية الحروف المنقوشة، التي غفل عنها كل الأعضاء السابقين بفريق التنقيب، ومن بينهم المتطوعون الذين نقّبوا السور الذي كان الحجر جزءًا منه آنذاك. اكتُشف جزآن آخران في الصيف التالي عام 1994، وتُشكِّل الأجزاء الثلاثة اليوم ما تبقى من نصب تل دان. ومن المحتمل أن نعثر على المزيد من الأجزاء في المستقبل.

جبل الهيكل ومدينة داوود الجوي المصدر: BiblePlaces.com

وبعد أن أُعيد بناء النقش، اتضح أن النقش يتحدث عن هزيمة كل من يهورام ملك إسرائيل، وأخزيا ملك يهوذا، على يد ملك آرام دمشق في القرن التاسع قبل الميلاد. ينص النقش جزئيًا على الآتي:

“سبق لملك إسرائيل دخول أرض أبي؛ ]إلا[ أن هدد نَصَّبَني ملكًا؛ وسار هدد أمامي؛ ]و[ غادرت ]….[ مملكتي؛ وذبحت سبعـ ]ين[ ملـ ]ـكًا[، ممن كانوا يحوزون الآ]لاف[ من ]العر[ بات الحربية، والآلاف من الفرسان. ]ولقد قتلت[ ]يهـ[ ــورام ابن آ]حاب[، ملك إسرائيل، وقتلت ]أخز[يا، ابن ]يهورام[ ]الـملـ[ـك سليل بيت داود؛ وأحلت ]بلداتهم إلى حطام؟[.. و]مد[نهم إلى خراب؟.. وأسقطت كل مدنهم؟.. و]حـ[ـكم ياهو إسر]ائيل…[ الحصار على ]…[.

جدال على مصداقية النقوش

أثار اكتشاف النقش عاصفة كبيرة من الجدل، ونُشر الخبر في الصفحة الأولى لصحيفة “نيويورك تايمز” ومجلة “التايم”. وعاد الكشف ليتصدر عناوين الأخبار عندما زعم نيلز بيتر ليميك -الأستاذ بجامعة كوبنهاجن، وأحد أعضاء مجموعة من الباحثين يشكلون ما يسمى “التقليصيين التوراتيين”، الذين كانوا في طليعة الجدال حول وجود داود وسليمان- أن النقش قد يكون مزورًا، وأن هذا التزوير تم على يد المنقب أفراهام بيران.
إلا أن بيران كان واحدًا من أكبر علماء الآثار العاملين في إسرائيل عمرًا، وأكثرهم تميزًا ومصداقية؛ فلقد كان أول طالب دكتوراه لدى وليام فوكس أولبرايت بجامعة جون هوبكنز، كما شغل منصب عميد كلية نيلسون جلوك لعلم الآثار التوراتي بكلية الاتحاد العبري – المعهد اليهودي للأديان في القدس، كما لم يشكك أي باحث جاد في مصداقية كِسَر تلك دان، ولم يشكك أي باحث جاد في تفسير النقش فيما عدا زملائه من الباحثين التقليصيين العدميين، الذين زعموا أن عبارة بيت داود ربما لا تعني “سلالة داود”، ومن المحتمل أنها تعني شيئًا آخر تمامًا (زعموا أن كلمة داود لها علاقة بكلمة “المحبوب” أو “العم” أو “القدر”).

وبعد أن خضع النقش للفحص والتمحيص في الدوريات الأكاديمية، يتفق معظم علماء الآثار اليوم على أن النقش ليس أصليًّا فحسب، بل أيضًا على أن المقصود ببيت داود في النص هي سلالة داود بالفعل. وعليه، فإن النقش هو أول شاهد نصي من خارج الكتاب المقدس على وجود داود التوراتي. ومع ذلك، فما زلنا لا نتوفر على أي نقوش -تعود إلى الزمن الذي من المفترض أنه عاش فيه، أو قريبة من الزمن الذي من المفترض أنه عاش فيه- تشير إلى سليمان؛ أي ليس لدينا في الوقت الحاضر أي نص، على الرغم من أن هذا قد يتغير غدًا أو الأسبوع القادم أو السنة القادمة، وربما لا يتغير أبدًا.

الجدال حول أورشليم
الجدال حول أورشليم

علاوةً على ذلك، فان الأدلة الأركيولوجية على وجود داود ما تزال قليلة للغاية، كما أوضحنا خلال حديثنا عن المدرسة التقليصية، ولا سيما فيما يتعلق بداود ومدى اتساع إمبراطوريته. اتسع الجدال في النهاية -الأمر غير المستغرب ربما- ليشمل مدينة أورشليم ذاتها، فبحلول عصر داود، كان عمر مدينة أورشليم بالفعل آنذاك 2000 سنة تقريبًا، وعليه، فإن الجدال الأركيولوجي يدور بالأساس حول حجم ومدى ازدهار المدينة في القرن العاشر قبل الميلاد تحديدًا. ففي حين يجادل بعض الباحثين بأن أورشليم كانت بالفعل مدينة عاصمية كبيرة وقوية كما يصف الكتاب المقدس، يرى آخرون أنها لم تكن سوى “بلدة ريفية” تافهة. وفي الواقع، من غير الواضح بعد أين كان يقع داود بالضبط على الطيف السياسي الذي يمثل أحد طرفيه الشيوخ القبليين، والطرف الآخر الملوك الأقوياء، وكذلك مدى اتساع المدينة في عصره.

اكتشفت كاثلين كينيون خلال تنقيباتها في القدس في أعقاب عام 1961 بقايا ما أسماه علماء الآثار “البناء الحجري المتدرج” في منطقة تقع خارج أسوار المدينة القديمة مباشرةً. رأى البعض أن البناء كان جزءًا من المنظومة الدفاعية التي شيدها اليبوسيون الذين استولى داود على المدينة منهم. ومؤخرًا، أجرت إيلات مازار، زميلة مركز شالم بالقدس، تنقيبات ضمن تلك المنطقة نفسها، واقترحت أن هذا البناء الحجري المتدرج ربما كان جزءًا من بناء أكبر بكثير. إذ كشفت تنقيباتها عن أسوار ضخمة اعتبرتها بقايا بناء ما أطلقت عليه “البناء الحجري الكبير”، والذي قالت إنه كان جزءًا من مجمع ملكي كان البناء الحجري المتدرج يُشكل بدوره جزءًا منه. طابقت مازار بين هذا المجمع وقصر الملك داود، وأرجعت هذا -جزئيًّا- إلى موقعه، وتأريخ الفخاريات المُكتشفة في المستوى الآثاري الذي عُثر فيه على المجمع، والتي تؤرخها بالقرن العاشر قبل الميلاد.

قصر داود
قصر داوود، سور حجري كبير (المصدر: BiblePlaces.com)

ولكن من غير الواضح بتاتًا إذا كان هذا المجمع هو قصر داود في حقيقة الأمر أم لا. وعلى الرغم من أن مازار تزعم أنها كشفت عن بناء كبير، فإنه من غير المؤكد بعد إذا كان يعود إلى القرن العاشر أم لا. وحتى لو كان يعود إلى القرن العاشر، فمن غير المؤكد إذا كان يرجع إلى عصر داود أم لا. وحتى لو افترضنا أنه يرجع إلى عصر داود، فليس هناك ما يقطع بـأنه كان قصرًا. وفي الحقيقة، يجادل إسرائيل فنكلشتاين، وثلاثة علماء آخرون من جامعة تل أبيب، بأنه لم يكن قصرًا، ولا يرجع إلى القرن العاشر، وينفون صلته بداود. ويؤكدون -استنادًا إلى أساليب البناء والاختلافات المعمارية، بجانب الفخاريات وغيرها من اللُّقى الآثارية- أن الجدران التي اكتشفتها مازار لا تعود إلى بناء واحد، بل إلى عدة أبنية، وأن الفخاريات المكتشفة وغيرها من الُلقى تشير إلى أن البناء الحجري المتدرج يتكوَّن -على الأقل- من مستويين بنائييّن مختلفين، يعود المستوى الأول (المستوى السفلي) على ما يبدو إلى القرن التاسع قبل الميلاد، أما المستوى الثاني (المستوى العلوي) فيعود إلى العصر الهيلينستي. ولو تأكد أن البناء الجديد الذي اكتشفته مازار ليست له علاقة بداود، فحينها يمكن القول إنه ما من بناء واحد، في الوقت الحاضر، في كل أنحاء إسرائيل، يمكن القطع بصلته بنشاطات داود العمرانية، بالطبع، هذا إن كان مارس أي نشاطات من هذا النوع.

يُعد فنكلشتاين طرفًا أساسيًّا في النقاشات التي دارت مؤخرًا حول التأريخ الدقيق للنشاطات العمرانية والمكتشفات الآثارية التي قيل إنها ترجع إلى زمنَيْ داود وسليمان. فطيلة تسعينيات القرن الماضي وحتى الألفية الجديدة، اقترح فنكلشتاين إعادة تأريخ التسلسل الكرونولوجي التقليدي -الذي يضع عهدَيْ داود وسليمان في القرن العاشر قبل الميلاد- واقترح بدلًا من ذلك ضرورة إرجاع الكثير من الفخاريات وغيرها من الآثار المادية -التي جرت العادة على إرجاعها إلى القرن العاشر- إلى القرن التاسع أو إلى فترة لاحقة، ومن ثم يجب أن تُنسب إلى ملوك آخرين. وللقيام بذلك، تعيّن على فنكلشتاين تقويض عمل أشهر علماء الآثار الذين أنجبتهم إسرائيل، ألا وهو يغائيل يادين.

2- تنقيبات يغائيل يادين

شغل يادين مناصب عديدة في حياته المهنية، فشغل منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، ونائب رئيس الوزراء في حكومة مناحيم بيجين، كما عمل محاضرًا بكلية الآثار بالجامعة العبرية بالقدس. كشفت تنقيباته في عدد من المواقع عن بقايا آثارية نسبها إلى سليمان، وما تزال تلك المواقع هي المواقع الوحيدة حتى وقتنا الحاضر التي تضم بقايا مادية من هذا النوع خارج أورشليم. ولكن هل كان يادين على صواب؟

تنقيب مجيدو مع يغئيل يادين (المصدر: LifeintheHolyLand.com)

أجرى يادين أول تنقيباته الكبيرة في حاصور الواقعة في شمال إسرائيل. سبق لعالم الآثار جون جارستانج وأن نقَّب هناك عام 1928، ولكن تنقيبات يادين التي أجراها بين عامي 1955 و1958 هي التي أعادت الحياة إلى الموقع. كان أعضاء فريق يادين من بين الأفضل في مجالهم، والكثيرون ممن عملوا معه صاروا فيما بعد أساتذة كبارًا في علم الآثار، أو شخصيات بارزة في وزارة الآثار.

 في إحدى الطبقات الآثارية بحاصور عثر يادين وفريقه على بوابة مدينة ذات ست غرف، وجزء من سور مزدوج (يتكون من جدران دفاعية متوازية، داخلية وخارجية، ربط بينها ببناءات داخلية لإنشاء غرف صغيرة بغية أن تشكل جزءًا من السور، أو استخدامها كمخازن أو أماكن للعيش) والتي عزا بناءها إلى سليمان.

بعد حاصور، مضى يادين إلى تنقيب مجدو. فبعد الحملتين التنقيبيتين اللتين قام بهما كل من غوتليب شوماخر (1903-1905)، وفريق جامعة شيكاغو (1925-1939)، قاد يادين الحملة التنقيبية الثالثة بالموقع، التي شملت عددًا من المواسم التنقيبية القصيرة في ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي. استغل التنقيبات في مجدو لتدريب الطلبة لديه، كما فعل من قبل في حاصور. علاوةً على ذلك، فقد تعامل معها باعتبارها فرصة أخرى لاختبار نظرياته حول صدق وصحة التقاليد التوراتية.

 في مجدو، كشف يادين عن بقايا مبانٍ ومنشآت أخرى من بينها قصر، طابق يادين القصر -الذي سماه القصر 6000- على أساس مخططه المعماري مع قصور “بيت حيلاني”؛ الاسم الرافديني لنمط معماري استخدم في بناء القصور، والذي شاع في شمال سوريا زمن سليمان. اعتقد يادين أيضًا أن بوابة المدينة ذات الغرف الست، التي كانت تقع على مقربة من القصر، كانت في الأصل جزءًا من سور مزدوج، على غرار البوابة والسور اللذيّن عُثر عليهما في وقت سابق في حاصور.

يغائيل يادين- يسار الصورة

أرجع يادين الأسوار والبوابات المكتشفة في مجدو وحاصور، وكذلك القصر الذي يحمل الرقم الكودي 6000، والمُكتشف في مجيدو، إلى زمن سليمان في القرن العاشر قبل الميلاد. استند يادين في هذا، بدرجة كبيرة، إلى فقرة وردت في سفر الملوك الأول بالكتاب المقدس، والتي تصف النشاطات العمرانية لسليمان في مواقع مثل مجدو وحاصور وجازر وأورشليم: “وَهذَا هُوَ سَبَبُ التَّسْخِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ لِبِنَاءِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِهِ وَالْقَلْعَةِ وَسُورِ أورُشَلِيمَ وَحَاصُورَ وَمَجِدُّو وَجَازَرَ” (الملوك الأول 15:9).

اسطبلات منسوبة لسليمان

اعتقد منقبو فريق جامعة شيكاغو الذين نقّبوا في مجيدو من قبل، أنهم وجدوا أدلة على قيام سليمان بمشاريع عمرانية في مجيدو، ولكن في طبقة أثرية / ستراتيغرافية مختلفة؛ في الطبقة الواقعة مباشرةً فوق المدينة التي عدَّها يادين مدينة سليمانية. طابق منقبو شيكاغو العديد من الأبنية التي عثروا عليها في تلك الطبقة مع الإسطبلات التي أشار إليها سفر الملوك الأول في فقرة أخرى، والتي تتحدث عن “مدن عربات حربية (مركبات)” تُنسب إلى سليمان: “وَجَمَعَ سُلَيْمَانُ مَرَاكِبَ وَفُرْسَانًا، فَكَانَ لَهُ أَلْفٌ وَأَرْبَعمِائَةِ مَرْكَبَةٍ، وَاثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، فَأَقَامَهُمْ فِي مُدُنِ الْمَرَاكِبِ وَمَعَ الْمَلِكِ فِي أورُشَلِيمَ” (سفر الملوك الأول 26:10).

ثار جدل كبير بين علماء الآثار حول طبيعة تلك الأبنية منذ اكتشافها على يد منقبي شيكاغو. وفي حين أن البعض اتفق معهم على أنها كانت إسطبلات، اعتبرها البعض الآخر مخازن أو ثكنات عسكرية أو أسواقًا أو شيئًا آخر غير معروف. إلا أنه، عام 1998، اكتشفت الحملة التنقيبية التابعة لجامعة تل أبيب “إسطبلًا” آخر في مجدو، ومن ثم أنهت الجدال حول طبيعة تلك الأبنية بالنسبة لمعظم الباحثين، حيث ميَّزت عددًا من الخصائص التي تؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أن تلك الأبنية كان عبارة عن إسطبلات. ولسوء الحظ، فمن غير الواضح بتاتًا إذا كانت تلك الإسطبلات بناها سليمان أم لا. فيُحتمل أن من بناها كان عمري أو أحاب أو يربعام الثاني، أو أي ملك آخر من الملوك العديدين الذين عاشوا في مملكة إسرائيل الشمالية وحكموها بعد زمن طويل من موت سليمان.

قرر يادين أيضًا أن يتحقق مما إذا كانت هناك بوابة مدينة مماثلة في جازر، آخر مدينة ورد ذكرها في الفقرة التوراتية الواردة في سِفر الملوك الأول (15:9). سبق وأن نُقِّبت جازر، بين عامي 1902 و1905، وعامي 1907 و1909، على يد عالم الآثار الأيرلندي روبرت ألكسندر ستيوارت ماكاليستر. وعليه، بدأ يادين التنقيب في سجلات ماكاليستر بدلًا من التنقيب في الأرض. وجد يادين ما كان يبحث عنه؛ بوابة مدينة تشبه -على نحو مدهش- البوابات المُكتشفة في مجدو وحاصور. وجد ماكاليستر نصف البوابة فقط، ولكنه حدد هويتها بأنها قلعة أو قصر مكابي، أرجع تاريخها إلى القرن الثاني قبل الميلاد إبان الثورة التي قادها يهوذا المكابي “المطرقة”. اعتقد “يادين” أن ماكاليستر أخطأ في تحديد هوية البناء، وأنه كان في حقيقة الأمر جزءًا من بوابة مدينة كاملة ذات غرف جانبية على غرار تلك التي اكتشفت في مجدو وحاصور، وليس قلعة أو قصر مكابي كما زعم ماكاليستر. ولكن يبقى النصف الثاني من البناء غير مُكتشف بعد حتى تاريخه.

تنقيبات مجدو

إلا أنه، وفي الستينيات، وفي الوقت الذي كان فيه يادين يُجري أبحاثه، استأنفت كلية الاتحاد العبري – المعهد اليهودي للأديان في القدس، بالتعاون مع متحف الساميات بجامعة هارفارد، التنقيبات في جازر. تواصل يادين مع الفريق الأمريكي الذي يُنقِّب هناك، وشرح نظريته لهم. وعندما بدءوا التنقيب، سرعان ما عثروا على النصف الآخر من البوابة، وهكذا أكدوا فرضية يادين. ونتيجة لذلك، تكونت قناعة لدى يادين بأنه وجد أخيرًا أدلة “دامغة” على النشاطات العمرانية السليمانية في كل المواقع الثلاثة خارج أورشليم، والتي عزاها الكتاب المقدس لسليمان؛ والمتمثلة في البوابات والأسوار المزدوجة التي شُيدت في مجدو وحاصور وجازر، بالإضافة إلى القصر الذي يحمل الرقم الكودي 6000 (قصر “بيت حيلاني”) المُكتشف في مجدو.

إلا أن كل تلك الأدلة لم تُنهِ الجدال الدائر حول داود وسليمان؛ بل زادت من حدته أكثر وأكثر، واقترح فنكلشتاين وآخرون أن تلك الأبنية من المحتمل أنها لا تعود إلى زمن سليمان، ويُحتمل أنها شُيّدت على يد حاكم آخر حكم في فترة تالية على الزمن الذي حكم فيه، مثل أحاب أو عمري أو يربعام، أو حتى حكام آخرين حكموا في إسرائيل ويهوذا. دعونا نسلط الضوء على الحجج التي استند إليها بعض من هؤلاء العلماء من المنخرطين في هذا الجدال، مثل فنلكشتاين، فيما ذهبوا إليه بشأن عدم وجود علاقة بين تلك النشاطات العمرانية والملك سليمان.

التأريخ بالكربون المشع

يستند فنكلشتاين في دعواه لإعادة تأريخ تلك الأبنية ليس فقط إلى تأريخ جديد مُقترح للفخاريات والبنى المعمارية ذات الصلة، بل أيضًا إلى نتائج الـتأريخ بالكربون المشع، الذي أصبحت تقنياته متاحة لعلماء الآثار مؤخرًا. تقنية التأريخ بالكربون المشع، أو الكربون 14، كما يُطلق عليه في الدوائر المتخصصة، ظهرت على يد الكيميائي الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل، ويلارد ليبي، عام 1949.

إسرائيل فينكلستاين ‏ أكاديمي وعالم آثار إسرائيلي

أثبتت التقنية فائدتها المتزايدة بالنسبة لعلماء الآثار منذ ظهورها، وتعد من الإنجازات التكنولوجية الكبيرة التي كان لها بالغ الأثر على علم الآثار التوراتي منذ عام 1950. إذ تزود تلك التقنية علماء الآثار بتاريخ موت الكائنات الحية -سواء كانت بشرًا أو أشجارًا أو نباتات أو حيوانات- عن طريق قياس كمية الكربون التي لا تزال موجودة في البقايا المُكتشفة. وعليه، تزودنا هذه التقنية بتاريخ الطبقة الآثارية أو السياق الستراتيغرافي (تطور الكائنات الحية عبر الأزمنة الجيولوجية)، الذي وُجدت فيه تلك البقايا في موقع ما. إلا أنه ليس بمقدور هذه التقنية تزودينا بتاريخ دقيق (كأن تخبرنا مثلًا بأنّ طبقة ما تعود بالضبط إلى عام 1005 قبل الميلاد)؛ ولكنها تزودنا باحتمال إحصائي بأن تاريخ الطبقة مثلًا يقع بين مدى معين من السنوات (مثلًا: التاريخ المُقترح هو 1005 قبل الميلاد زائد أو ناقص 15 سنة، وبالتالي يكون التاريخ النهائي تاريخًا من تاريخَيْن؛ إما 1020 أو 990 قبل الميلاد).

عندما نقبوا بداخل البوابة ذات الغرف الست في مجيدو وفي محيطها، أرجع منقبو شيكاغو، ومن بعدهم يادين، تاريخ الفخاريات التي وجدوها هناك إلى القرن العاشر. وعندما كان يتم العثور على فخاريات مماثلة فيما بعد في مواقع أخرى على يد علماء آثار آخرين، استخدم هؤلاء العلماء تلك الفخاريات لتحديد المستويات الآثارية العائدة إلى القرن العاشر في المواقع التي كانوا ينقبونها. ولكنّ منقبي شيكاغو، وكذلك يادين، كانوا يعملون قبل ظهور تقنية الكربون 14، ومن ثم اعتمدوا في تأريخهم للفخاريات التي عثروا عليها في البوابة على عامل واحد؛ ألا وهو الاعتقاد بأن سليمان هو من بنى البوابة، الاعتقاد الذي كان يستند بدوره إلى فقرتين في الكتاب المقدس في سفر الملوك الأول.

ربما هم محقّون فعلًا في إرجاعهم تلك الفخاريات إلى القرن العاشر، ولكن هذا الافتراض يجب التحقق منه بوسائل أخرى، كاستخدام تقنية التأريخ بالكربون المشع لتأريخ البقايا الخشبية أو العظمية التي عُثر عليها في البوابة. ولكن لماذا؟ لسبب واحد، هو أنهم كانوا يعملون بطريقة عكسية، حيث كانوا يؤرخون الفخاريات على أساس البنى المعمارية، بدلًا من تأريخ البنى المعمارية على أساس الفخاريات (والتي تُعد الطريقة الصحيحة للقيام بالأمر، كما نعرف الآن). ماذا لو كان الكتاب المقدس مخطئًا، أو ماذا لو أخطأنا في تفسيره أو تفسير البقايا الآثارية التي وجدناها، ومن ثم لم يبنِ سليمان في الواقع تلك البوابات في مجدو وحاصور وجازر. في تلك الحالة، يمكن إرجاع تاريخ الفخاريات التي عُثر عليها داخل البوابة إلى فترة زمنية أخرى، وليس بالضرورة إلى القرن العاشر قبل الميلاد. بكلمات أخرى، يتعيّن اختبار الفرضيات الراسخة، لا أن يُسلّم بها تسليمًا أعمى، لا سيما تلك الفرضيات السائدة في علم الآثار التوراتي.

3- السردية والسردية المضادة

وفي الواقع، يجادل فنكلشتاين بأنه من المرجّح أن ملكًا حكم في فترة لاحقة هو الذي بنى البوابة التي عُثر عليها في مجدو، مما يعني أن البوابة -وكذلك الفخاريات التي عُثر عليها فيها- لا تعود إلى القرن العاشر. يبني فنكلشتاين اعتقاده هذا من ناحية على نتائج التأريخ بالكربون المشعّ الصادرة حديثًا، كما ذكرنا أعلاه، وعلى حقيقة أن أحد القصور التي اكتشفت في السامرة، المدينة التي شيدتها سلالة عُمري لتكون عاصمة لمملكتهم، وأن قصرًا آخر اكتُشف في مجدو (القصر الذي يحمل الرقم الكودي 1723)، يحتويان على علامات بنائية متطابقة نُقشت على الأحجار المُستخدمة في البناء. هذان القصران هما البناءان الوحيدان في كل إسرائيل اللذان يحملان علامات متطابقة من هذا النوع. ولما كان تاريخ قصر السامرة يرجع إلى زمن عمري وآحاب في القرن التاسع قبل الميلاد، فإنه من المرجح أن القصر المُكتشف في مجدو، ويحمل الرقم الكودي 1723، يرجع إلى زمن عمري وآحاب أيضًا، مما يعني أن القصر الذي يحمل الرقم الكودي 6000، ويُوجد في نفس المستوى الآثاري للقصر الذي يحمل الرقم الكودي 1723، بجانب ما يُتصور أنه سور مزدوج وبوابة ذات ست غرف؛ كلها أيضًا تنتمي إلى زمن يتجاوز كثيرًا زمن سليمان.

الفخاريات التي عثر عليها فينكلستاين ‏

لو كان هذا صحيحًا فإن الفخاريات التي لطالما اعتبرناها فخاريات تنتمي للقرن العاشر، ليس لها في الواقع أدنى علاقة بالقرن العاشر، بل تعود إلى فترة لاحقة، إلى القرن التاسع أو حتى الثامن؛ ولا يقتصر هذا على مجدو، بل يمتد ليشمل أيضًا كل المواقع الأخرى في إسرائيل التي تحتوي على فخاريات مماثلة. وسيعني هذا أن كل فرضياتنا بشأن القرن العاشر لا يتعيّن إعادة النظر فيها فحسب، بل أيضًا أن سليمان، وربما جزءًا كبيرًا من القرن العاشر، سيتعيّن حذفهما بشكل كامل من السجل الأركيولوجي والتاريخي الذي بحوزتنا حاليًّا. وفي ضوء هذا، فبمقدور المرء أن يفهم الجدال الدائر حاليًّا بشأن أورشليم القرن العاشر -التي أشرنا إليها أعلاه- على نحو أفضل، وكذلك تساؤلات الباحثين حول مدى اتساع المدينة زمن داود وسليمان.

إلا أن أميهاي مازار، عالم الآثار البارز بالجامعة العبرية بالقدس (وابن عم إيلات مازار) يدفع بأن التأريخ التقليدي لداود وسليمان وبوابات المدن والأسوار المزدوجة في كل من مجدو وحاصور وجزار -الذي يضعهم في القرن العاشر قبل الميلاد- هو في جوهره تأريخ صحيح. فأنتج حججًا مضادة لحجج فنكلشتاين باستخدام نتائج تأريخ الكربون المشع من تل رحوف؛ الموقع الذي نقبه بنفسه، ونتائج أخرى من مواقع أخرى في إسرائيل، مدعومة ببيانات من طبيعة أخرى. ونتيجة لهذا الانقسام، بات لدينا نسختان مختلفتان لتاريخ وأركيولوجيا إسرائيل في تلك الفترة، ولكن يبقى الجدال مستمرًّا دون أن يُحسم بشكل قاطع، وتظل إشكالية حجم وقوة مملكة داود وسليمان، والزمن الذي من المفترض أنها قامت فيه قائمة دون حل.

داود وسليمان ..تاريخ أم أسطورة؟!

إذن، هل داود وسليمان شخصيتان تاريخيتان؟ من المرجح أنهما شخصيتان تاريخيتان، هذا إن جاز لنا اعتبار نقش تل دان، وإشارته إلى سلالة داود (بيت داود)، دليلًا على وجودهما التاريخي. ولكن يظل الجدال حول مدى أهميتهما، ومدى اتساع إمبراطورتيهما، وحول ما إذا كانت التقاليد والقصص التوراتية حول الرجلين، في جوهرها، ذات مصداقية تاريخية، أو أنها مجرد تخيلات وتوهمات أدبية أنتجت في فترة لاحقة؛ في زمن الملك يوشيا في القرن السابع قبل الميلاد أو حتى في زمن لاحق؛ مستمرًّا دون حسم. وعلى الرغم من نجاة داود وسليمان من عدمية التسعينيات وعدمية السنوات الأولى من الألفية الجديدة التي أخرجت التقاليد التوراتية بشأنهما من زمرة التاريخ كليةً، ووضعتها في زمرة الخرافات؛ فإن الجدالات بشأنهما ما تزال مستمرة، مع ظهور اكتشافات جديدة تُلقي بظلالها على النقاشات الدائرة، وتساعد أيضًا في دفع علم الآثار التوراتي ككل إلى الأمام.

فعلى سبيل المثال، وجد أرين مائير، المحاضر بجامعة بار إيلان، في أثناء تنقيبه في مدينة تل الصافي (جت التوراتية)، في المستوى العائد إلى القرن العاشر أو القرن التاسع قبل الميلاد، كِسرة فخارية يبدو أنها تحمل المكافئ القديم لاسم “جوليات” منقوشًا عليها. وعلى الرغم من أن الكِسرة (والاسم) يكاد يكون من المؤكد أنها ليس لها علاقة بجوليات خصم داود في القصة الشهيرة، فإنها تشير -لو كان الاسم المنقوش على الكِسرة هو “جوليات” بالفعل- إلى أنه كان هناك اسم علم من هذا القبيل شائع في المنطقة في نفس الفترة الزمنية التي من المفترض أن المواجهة بين داود وجالوت وقعت فيها.

وفي تل رحوف، الموقع الذي نقبه أميهاي مازار، في وادي بيت شآن، عُثر على ثلاثين خلية نحل (تشكل معًا منحلًا) تعود إلى القرن العاشر أو التاسع قبل الميلاد. هذه الخلايا هي أقدم الخلايا التي عُثر عليها على الإطلاق في كل أنحاء الشرق الأدنى القديم، وتعطي معنى جديدًا للعبارة التوراتية التي تقول: “أرض تفيض لبنًا وعسلا”. بدأ المنقبون يشكون في أنهم بصدد منح، لذا قرروا إجراء تحليل للبقايا المُكتشفة؛ عن طريق إزالة الطبقة التي تحيط بالإناء المكتشف، أو فحص جزء مهشم منها، واستخدام تقنيات مثل الاستشراب الغازي ومطيافية الكتلة للبحث عن أي مواد عضوية قد تشير إلى نوع الطعام الذي كان يُوضع في الآنية. في رحوف، أظهر تحليل البقايا وجود شمع نحل متحلل في الآنية، الأمر الذي أكَّد شكوك علماء الآثار بأنهم بصدد منحل.

يوسف جارفينكل

وفي موقع خربة قيافة (من المحتمل أنها شعرايم القديمة)، اكتشف يوسف جارفينكل، الأستاذ بالجامعة العبرية بالقدس، كِسرة فخارية يُحتمل أنها تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، مكتوبًا عليها سطور بالعبرية، كُتبت بأبجدية كنعانية قديمة، الأبجدية التي ستنبثق عنها الأبجدية العبرية. بالإمكان تمييز كلمات مثل “ملك” و”قاضٍ” و”عبد” بسهولة، إلا أن بقية السطور كانت باهتة لدرجة يستحيل معها قراءتها بالعين المجردة. وبالتالي، أرسلت الشُّقفة إلى الولايات المتحدة، حيث يستخدم جريج بيرمان، الذي سبق له العمل في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، ويعد من الرواد في استخدام تقنيات التصوير الحديثة في علم الآثار، عددًا من الأنظمة التكنولوجية المتقدمة في معهدي ماساتشوستس وكاليفورنيا للتكنولوجيا لالتقاط صور أعمق. عندما يجري تحليل كل الصور المُلتقطة، من المفترض أن نكون قادرين على قراءة النقش بأكمله؛ ولو تمكنا من هذا، فمن الممكن أن يسلط ذلك الضوء على الجدال الدائر حول داود وسليمان، ولو أن هذا غير مُرجح.

وفي خربة النحاس في الأردن، نشر عالِمَا الآثار توم ليفي، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا بمدينة ساد يجو، ومحمد نجار، العضو بجمعية أصدقاء الآثار الأردنية، أدلة تشير إلى أن الموقع يحتوي على بقايا عمليات صهر صناعية، على عمق يتجاوز عشرين قدمًا. وفقًا لليفي، تُرجِع نتائج الـتأريخ بالكربون المشع تاريخ هذا الموقع إلى القرن العاشر أو التاسع قبل الميلاد، أي أقدم بثلاثة قرون مما كان يُعتقد سابقًا. لو كان هذا صحيحًا، فيمكن ربط تلك البقايا بمناجم الملك سليمان النحاسية الشهيرة، ولكن الجزم بذلك يحتاج إلى أدلة إضافية أكثر حسمًا.

من المؤكد أن هناك الكثير من الأشياء التي لم تُكتشف بعد فيما يتعلق بداود وسليمان بوجه خاص، والتقاليد التوراتية بشكل عام، ومن المؤكد أن اكتشاف المزيد منها سيثير دهشتنا. وعلى الرغم من أن علم الآثار التوراتي ليس علمًا جديدًا -إذ كان علمًا ممُارسًا منذ أكثر من مئة عام- فإنه واكب التطورات الحديثة. ففي بدايته، كانت الأدوات الأساسية هي المعول والمجرفة. أما الآن، فإن علماء الآثار يستخدمون مقاييس شدة المجالات المغناطيسية، ورادارات استكشاف باطن الأرض، وأجهزة قياس المقاومة الكهربائية، والتصوير عن طريق الأقمار الصناعية، وبالطبع بجانب أساليب التنقيب التقليدية، مما يمكنهم من الكشف عما تحت سطح الأرض قبل الشروع في عمليات التنقيب المادية. كما يُستخدم التأريخ عن طريق الكربون المشع بجانب أساليب التأريخ التقليدية مثل التسلسل الكرونولوجي للفخاريات ودراسة الأنماط (التيبولوجيا). ويتعاون علماء الآثار مع المختصين في التحليل البيتروغرافي للفخاريات، وتحليل البقايا المادية، وتحليل الأحماض النووية، وذلك للإجابة عن الأسئلة الأنثروبولوجية المتعلقة بالإثنية والجندر والتجارة، وظهور السلطة والمجتمعات المعقدة.

تساعدنا تلك الأدوات أحيانًا في تأكيد مصداقية النص التوراتي، وأحيانًا لا. وفي كثير من الأحيان، فإنه بإمكان علماء الآثار إعادة الأشخاص والأماكن والأحداث الواردة في الكتاب المقدس إلى الحياة. ولكن ليس الهدف من علم الآثار التوراتي -في النهاية- هو إثبات أو نفي صحة الكتاب المقدس، أو حتى تحديد إذا كان داود وسليمان شخصيتيّن تاريخيتيّن أم لا. فهدف علماء الآثار التوراتيين في الواقع هو تحليل الثقافة المادية للمواقع والحقب التاريخية موضع البحث، وإعادة بناء ثقافة وتاريخ الأرض المقدسة عبر فترة زمنية تتجاوز الألفي عام. وهذا الأمر -في حد ذاته- يحمل من السحر والإدهاش الكثير، بالنسبة للمتخصصين والعامة على السواء.

الكاتب: إريك إتش كلاين، رئيس قسم اللغات والآداب الكلاسيكية والسامية بجامعة جورج واشنطن
المصدر: موقع The bible and interpretation
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

أحمد السعدني

كاتب ومترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram