هل علينا مشاهدة أفلام "نولان" مرتين؟

قبل عرض أحدث أفلام المخرج الإنجليزي الشهير “كريستوفر نولان”، فيلم “Tenet” (عقيدة)، ظهر جدل كبير حول الفيلم، خاصة مع الإشارة الواضحة في الإعلان عنه لوجود تفاصيل تخص التلاعب بالزمن في أحداث العمل. والزمن أحد التفاصيل التي تشغل “نولان” في أفلامه بشكل واضح، ليصبح أحد الملامح التي يبحث عنها عشاق المخرج الإنجليزي في أفلامه.

وبعد عرض الفيلم خرجت الآراء متضاربة ومتناقضة، بين من رأوا الفيلم تحفة فنية، وبين من رأوه أضعف أفلام “نولان”. وبالتوازي مع ما كُتب عن الفيلم، من قِبَل النقاد والمتابعين، ظهرت آراء أخرى تطالب من لم يعجبهم الفيلم بمشاهدته مرة أخرى، إذ إنه -في نظرهم- يجب أن يُشاهد مرتين حتى يستطيع المشاهد أن يفهمه، وهي مسألة تستدعي التحليل.

كريستوفر نولان
الجمهور يطلب المزيد

هناك شريحة من المشاهدين تفضّل أفلام التشويق، وخاصة التي تنتهي بـ”Twist” (التواءة) تقلب الأحداث وتجعل المشاهد يُعيد النظر فيما شاهده. وكلما كانت هذه الأفلام محبوكة بشكل جيد، زاد تأثيرها وبقاؤها في الأذهان.

“نولان” لا يعتمد في أفلامه عادةً على فكرة “الالتواءة”، لكنه يجدد في استخدام مفهوم الزمن، سواء باستخدام سرد معكوس مثل فيلمه “Memento” (تذكار)، أو سرد متوازٍ لعدة أحداث وقعت في حيز زمني قريب، لكن في مدة مختلفة، مثلما في “Dunkirk” (دانكِرك)، بينما اعتمد في فيلمه الأكثر تعقيدًا “Inception” (استهلال) على التداخل في الزمن بين أكثر من حدثٍ يترك كل منها تأثيره على الآخر.

هكذا أصبح المشاهد ينتظر في كل فيلم لنولان لعبةً جديدة تخص الزمن. لكنّ الأمر لا يجب أن يكون بهذه الصورة. فمن الطبيعي أن يكون للمخرج هوس ما، لكن هذا لا يعني أن يكون مُطالَبًا بأن يقدم جانبًا من هذا الهوس في كل فيلم جديد له.

بالتدقيق سنجد أن اثنين من أفضل أفلام “نولان” لم يعتمدا على التلاعب بالزمن بشكل أساسي وهما: “The Prestige” (الخدعة)، و”The Dark Knight” (فارس الظلام)، ومن هنا نجد أنه يجيد صناعة أفلام جيدة بعيدًا عن لعبة الزمن.

لكنّ ما حدث في “Tenet” هو أن “نولان” قدم فكرة جديدة للتلاعب بالزمن داخل إطار فيلم تقليدي، فطغى الاهتمام بتفاصيل الزمن وكيفية تقديم خدعته الجديدة على بقية تفاصيل الفيلم. قد تكون هذه هي النتيجة المنطقية للغرق في هوس الزمن، أو ربما تكون النتيجة للرغبة في إرضاء الجمهور الذي بات يبحث عن شيء محدد في أفلام “نولان”.

ومع ظهور الكثير من الانتقادات للفيلم، كونه أكثر تعقيدًا من اللازم، فيما يخص تفاصيل الانتقال عبر الزمن تحديدًا، خرجت المطالبات والملاحظات من قِبَل جمهور “نولان” تدعو منتقدي الفيلم لمشاهدته مرة ثانية قبل الحكم عليه.

مرة واحدة تكفي

بالنظر إلى أفلام “نولان” سابقة الذكر، وخاصة أعقدها من حيث التداخل في الأحداث “Inception”؛ سنجد أن بعض هذه الأفلام ربما يحتاج بالفعل إلى أكثر من مشاهدة واحدة للإلمام بالتفاصيل التي ربما تكون قد غابت عن المشاهد في المرة الأولى. لكن السؤال الأهم قبل الذهاب إلى حتمية المشاهدة الثانية: هل غياب بعض التفاصيل انتقص من متعة المشاهدة الأولى؟

إذا طبقنا هذه القاعدة على أفلام “نولان” السابقة فإن الإجابة على الأرجح ستكون: لا، فمن المرة الأول يمكنك الاستمتاع أو عدم الاستمتاع بالفيلم، والإلمام بأغلب تفاصيله، أو على الأقل التفاصيل اللازمة لكي تستكمِل الصورة الكبيرة، وهذه المشاهدة الأولى الممتعة هي ما تدفعك لمشاهدة الفيلم مرة أخرى حتى تستكمل ما غاب عنك في المرة الأولى، من الصعب الاعتقاد بأن هناك من سيذهب لإعادة مشاهدة أحد الأفلام التي لم يستمتع بها في المرة الأولى، فقط ليفهم المقصود منها.

مع “Inception”، تدخل الشخصيات في تجربة متخيّلَة داخل عقل رجل أعمال لزراعة فكرة ما، ونظرًا لصعوبة الفكرة التي سيزرعونها داخل رأسه، فإنهم يصممون فكرة داخل فكرة داخل فكرة. بالتأكيد الأمر يصبح أكثر تعقيدًا على الشاشة، لكنْ بمجرد أن يلتقط المشاهد هذه الفكرة الرئيسية سيجد نفسه يتلقى الفيلم بشكل جيد.

في “Tenet”، هناك عصابة لديها أسلحة تتيح لها التحكم في الزمن والعودة إلى الماضي بشكلٍ ما، تبدو الفكرة بسيطة للوهلة الأولى، لكن بمرور الأحداث سنجد أن أبعاد الأمر تزداد تعقيدًا، وكلما شرحت الشخصيات داخل الفيلم بعضًا من تفاصيل وقواعد التحكم في الزمن، صار الأمر أكثر تعقيدًا، عكس المتوقع.

عكس الكثير من الأفلام التي قدمت فكرة السفر عبر الزمن، ومن أشهرها في الفترة الأخيرة فيلم “Avengers: Endgame” (آفنجرز: نهاية اللعبة)، بالنظر إلى أن السفر عبر الزمن أمر غير واقعي بالأساس، فإنّ سيناريو “Tenet” يُرسي قواعده الخاصة لهذه العملية، وبالتالي لا يمكننا أن نحاسب الفيلم على شيء لم يرد فيه، فهكذا يلتزم كتاب السيناريو عادة بوضع الشروط التي تتيح لهم السفر عبر الزمن داخل أحداث الفيلم بما يتماشى مع متطلبات الحبكة التي يريدونها، دون الدخول في تعقيدات كثيرة.

في “Tenet” وجدنا سردًا يعتمد على الحوار بشكل أساسي لكيفية الانتقال في الزمن وطبيعة الهواء وطبيعة الحركة، لكن عندما تبدأ تتابعات النهاية نجد أن هناك خللًا ما في كل ما ذُكر، وربما لو كانت التفاصيل المذكورة أقل والاعتماد على الصورة أكبر، لكنا شاهدنا تجربة أكثر ثراءً وأكثر منطقية.

المعضلة مع “Tenet” لم تكن مجرد سقوط بعض التفاصيل من المتفرج ليحتاج إلى مشاهدة الفيلم مرة أخرى، بل كان الأساس الذي بُني عليه الفيلم بعيدًا عن الوضوح، ووسط كل هذا التعقيد تأتي العبارة السحرية على لسان إحدى شخصيات الفيلم أثناء حديثها عن فكرة الحركة في الزمن: “لا تحاول أن تفهم، اشعر”. قد تبدو هذه العبارة منطقية، بل وتلقائية، في كثيرٍ من أفلام السينما، لكن مع الشرح الطويل في “Tenet” بدا الأمر وكأنه محاولة للخروج من مأزق التعقيد.

في فيلمه الرائع “Mulholland Dr.” (غادة مولهولاند)، يقدم المخرج ديفيد لينش تجربة فريدة في السرد، ويجعل المشاهد بعد انتهاء الفيلم يشعر بأنه يجب أن يعيد مشاهدته فورًا حتى يعيد ترتيبه في ذهنه.

في هذه الحالة لا يمكن القول إن الفيلم يحتاج إلى أكثر من مشاهدة حتى نفهمه، في الحقيقة إعادة مشاهدة هذا الفيلم تقدم تفسيرات جديدة على الأرجح ولن تؤكد تفسيرًا واحدًا.

مع فيلم كهذا يمكن أن نقول: “لا تحاول أن تفهم، اشعر”، إذ إن التجربة العظيمة للمشاهدة، مع الأحداث التي تبدو بسيطة حتى قرب النهاية، لا يفسدها على الإطلاق غرائبية الثلث الأخير من الفيلم، على العكس تضيف هذه النهاية المزيد من البريق إلى الفيلم الذي لا يحاول مُخرجه طيلة الوقت أن يشرحه داخل الأحداث، بل يتركه لشعور المشاهد.

ولكن في فيلمٍ يعتمد على العقلانية في كل شيء مثل “Tenet” تصبح هذه العبارة في غير محلها، ويصبح الحديث عن ضرورة المشاهدة الثانية ليس غرضه استكمال الصورة بل محاولة رسمها من الأساس.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أندرو محسن

كاتب وناقد سينمائي

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search