وجهات نظر

هل قرأتَ الفاتحة لفرعون اليوم؟

مصطفى علي

قال لي وهو واقع فريسة للدهشة والضحك من سلوك المصريين حين رأى صورة شاب بسيط يقف أمام تابوت يضم مومياء فرعونية ويقرأ لها الفاتحة: ليس لهم كتالوج هؤلاء المصريون! بيقرا الفاتحة لفرعون؟!

بيني وبين نفسي استعدتُ هذه الصورة وما تشي به من توغل المصري القديم في فكرة الإيمان، ومع هذا التوغل فإنه يتعامل مع الأمر ببساطة.. هو يرى أنه مجرد ميّت ويحتاج إلى دعاء يعينه في آخرته، حتى لو كان من في هذا التابوت هو فرعون موسى.

موكب الممياوات الملكية
شاب يقرأ الفاتحة أمام إحدى القطع الآثرية

موكب المومياوات.. اقرؤوا الفاتحة لفرعون

هذا المبدأ يمكن استنتاجه من سلوك هذا الشاب المصري في الصورة التي انتشرت بالتزامن مع موكب نقل المومياوات الملكية المصرية إلى متحف الحضارة بحي الفسطاط بالقاهرة، ذلك الحدث السياحي الأبرز في العالم خلال الأيام الماضية.

ونقرأ في سلوك الشاب أن المصري لا ينشغل بإهلاك الآخرين، بل إنه غير مهموم إلا بأن يعيش الناس في رحمات متبادلة رخيصة الثمن لن تكلف أحدا أي معاناة.

ربما يشكو المصري الظلم أو القهر من فلان لكنه لا يُعادي ولا يتذكر العدوان، بل إن ما يشغله هو الوقوف احتراما للموتى، أيا كانت ملّتهم، ويرفع يديه بدعاء لعل عدوَّه هذا يكون بفضل دعائه ذاك بين المرحومين في العالم الآخر.

اقرأ أيضًا: في يوم “موكب المومياوات”.. ماذا تقول الصحف العالمية عنه؟

ذاك المصري مستعد دائما لسلوك التسامح وجهده.. تلك الصفة الإلهية غير المنقطعة عن البشر، إنه يرى الله من منظور الخلود والجبروت والرحمات على حد سواء.. ويرى الإنسان -كما تحدث عنه خالقه كخليفة- وكامتداد له في العفو والخلود، لا يفرق بين أحد من خلقه، فالكل سواسية أمام رحمة الإله، ولا يغالي المصري إن قرأ فاتحته على روح فرعون، عدو الله..

ينحّي النص السماوي جانبا ويتعامل أرضيا مع أهل الأرض، لكنه لا يتأخر في صرف رصيده من السماء على من يرى أنه في احتياج إليه أو يستحقه، علاوة على أنه ربما يرى أحقية للبشر جميعا في كتاب السماء.

 

على جانب آخر، لا يقل دهشة من تلك الصورة، على هامش الموكب الملكي، انشغل “الداعية الإخواني” وجدي غنيم بلقطة انكشاف شعر الملكة “تي”، مبديا تساؤلا حول ترك مومياء الملكة مكشوفة الرأس، واصفا الأمر بأنه “فُجْر”..

 

لقد وقف المصري القديم، والجديد، خارج إطار تلك الخناقة التي دارت بين دعاة المصرية ودعاة العروبية والإسلام، فلا ينتصر لأي منهما، حتى لو انزلقت قدماه أحيانا على الفضاء الإلكتروني بتغريدات وتدوينات ضاحكا وساخرا وباكيا وزاعقا ومتطرفا.. إنه في حقيقته لا يريد إلا أن يرتاح الجميع في واحة واحدة حتى لو جاوره ذلك الفرعون الشرير.

 

الفاتحة لفرعون ومنطق التدين

هذا النوع من التدين المصري ربما ليس موجودا بهذه العفوية عند غيرنا، إنه تدين لا ينحاز إلا إلى الخير، ينبذ كل عدوان وشر، هو التدين الفطري الذي يخرج سلوكا دون تفكير.

وربما هو نوع التدين الذي أشار إليه المؤرخ اليوناني هيرودوت قبل 500 عام من ميلاد المسيح وهو يصف المصريين بأنهم “أشد البشر تدينًا، ولا يُعرَف شعب بلغ في التدين درجتهم، وكتبهم في الجملة أسفار عبادة ونُسك”.

هنا يمكن النظر إلى تدين المصري القديم على أنه تدين التعايش الأرضي، ففكرة تعدد الآلهة لدى المصري القديم في فترة من فترات رحلته إلى مفهوم “الإله الواحد” ما هي إلا صورة من تأقلم أقاليم مصر، رغم اختلاف معبوداتها، على شكل توحيدي، بل إن الأمر لا ينطوي على حدود بين الآلهة أصلا، فهم يستعيرون الكل ويسقطون عليه ما في تصوراتهم من ألوهية.. “فرد إله وإله حشود”.

لقد عبد المصريون في عصور سحيقة “الإله الواحد المتعذر وصفه أو إدراكه، الأبدي في صفاته، الأسمى”، وهذا ما تزخر به تراتيلهم العبادية، كما ذكر في ترتيلة آمون على أن “آمون” هذا كان “أصل كل شيء وأن كل شيء آخر صدر عنه”.

لقد قدّر المصري الموت وطقوسه كتقديسه للحياة، فاهتم بمراسم الدفن والاستعداد لما بعد الموت، وهذا الاهتمام يأتي من إيمانه بإله وفكرة البعث والحساب والحياة الآخرة، وقد تم تصوير هذا الأمر في بردية تتحدث عن محاكمة الميت ودقة الحساب، تماما بما يتسق مع روح الآيتين 7 و8 من سورة الزلزلة:

“فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره.. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”، وأيضا يتسق محتوى البردية مع آيتي سورة الشعراء في المعنى: “يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم”..

وعلى وعي ووحي المفردتين الأخيرتين، “قلب سليم”، ربما بنى المصري القديم والحديث إيمانه، مثلما فعلت تلك اللقطة -أعلاه- وهي الفريدة في فكاهتها وعفويتها وطفولتها وجديتها الدينية في آنٍ لشاب لم ير في الدعاء لمومياء فرعونية ما يتعارض مع ما يدين به في بلدة طيبة لها رب غفور.

مصطفى علي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى