هل كان الشافعي شيعيًّا معتزليًّا؟

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

وقف الإمام الفقيه أمام هارون الرشيد في لقائهما الأول، ليبادره الخليفة وهو يتفرس ملامحه بإمعان: قد سللت علينا لسانك وهو أمضى من سيفك. فرد عليه الإمام دونما تردد: هو لك يا أمير المؤمنين إن قبلته لا عليك. بهذه العبارة انتقل محمد ابن إدريس، المعروف بالشافعي، إلى طور جديد ودع فيه قسمًا مجهولاً من حياته لدى غالبية الناس، لكن الباحثة المغربية ناجية الوريمي نقبت عنه لتعرضه في ورقةٍ بحثية، كاشفةً محاولات الطمس.  

كان الشافعي في مرحلة مبكرة من حياتهبحسب مرويات قوية شيعيًّا زَيديًّا، شارك كما تسجل المصادر التاريخية في الحراك العلوي باليمن. فأرسل والي نجرانالبلد الذي نزل فيه الشافعي إلى الرشيد يخبره أن 9 من العلويين تحركوا بالدعوة، وأن منهم رجلا يدعى محمد ابن إدريس الشافعي، يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه. فأمر الخليفة بإرسالهم إليه ليمثلوا أمامه، وضارب أعناقهم جميعًا عدا الشافعي، لِما كان منه، ولتشفُّع الفقيه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة.

في هذه الفترة “الزيدية” اتجه الشافعي للاعتزال، فتتلمذ على يد اثنين من رموزه، وهما: إبراهيم بن أبي يحيى المديني، ومسلم بن خالد الزنجي. أما إبراهيم فكان يقول بالقدر وخلق القرآن، وهو ما أثبته الشافعي نفسه. وبحسب الوريمي، كان ذلك سببًا في أن يَعُدَّه مالك ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم من أصحاب الحديث ليس ثقة “لا في دينه” ولا في الحديث. إلا أن ذلك لم يمنع الشافعي من الرواية عن ابن أبي يحيى، دون أن يذكر اسمه صراحة، بل سيُكنّي عنه كلما روى بـ”حدثني من لا أتهم”. 

الأستاذ الآخر للشافعي

أما الأستاذ الآخر للشافعي، مسلم خالد الزنجي، فكان من أصحاب غيلان الدمشقي. اختلف أهل الحديث فيه، فمنهم من أقر بضعفه لاعتزاله، ومنهم من اعترف بعلمه، ومنهم من تردد بين هذا وذاك. وفي رده على دعوى المعتزلة، في انتماء الشافعي انطلاقًا من تلمذته على يد الإمامين المعتزلين، ذهب فخر الدين الرازي إلى أن الشافعي اقتصر في الأخذ عنهما على علوم الفقه والحديث، لكنه في ذات الوقت أورد آراء كثيرة منسوبة إلى إمام أهل السنة تدخل في نطاق الاعتزال

وتنقل الباحثة المغربية شهادة عن إمام معتزل آخر، هو بشر المريسي، عين الجهمية، تقول إنه عندما قدم إلى مكة حاجًّا قابل الشافعي، فلما رجع قال لأصحابه: “رأيت بالحجاز رجلاً ما رأيت مثله سائلاً ولا مجيبًا”، ولدى قدومه إلى بغداد استضافه المريسي بمنزله وأكرمه (وإن تغير موقفه من الشافعي في مرحلة لاحقة بسبب تبدل حاله وهو شيء أثبته حديث للمريسي إلى أصحابه) ثم كانت علاقة قوية جمعت الشافعي بعلي بن الحسين الكرابيسي، القدري المعتزل الذي كفره أهل الحديث إلى جانب المريسي.

قُرب من أهل الاعتزال

هذه الإشارات تبين درجة قرب الشافعي الفكري والاجتماعيفي مرحلة مبكرة من عمره من أهل الاعتزال، تضاف إليها قراءات قرآنية تنحاز إلى المبادئ الكلامية في القضاء والقدر والإرادة، جمعها الرازي وناقشها نافيًا صحتها، على اعتبار أن لإمام أهل السنة آراء أخرى مشهورة تنفي تلك القراءات، كأن لا إمكانية لاعتقاد الشافعي فيها في مرحلتين مختلفتين من حياته!

في حين حَشَدَ آخر، هو ابن عبد البر، الأدلة على أن الشافعي لم يعرف علم الكلام ولا اشتغل به، مستشهدًا بأقوال ومواقف للشافعي ينتقد فيها العلم، وهي استشهادات رأت الباحثة أنها تضمنت دلالة أخرى غير مباشرة، لكون نقد الإمام السني للآراء المعتزلية صادرًا عن عليم بموضوعها

في المقابل كانت هناك جماعة تعاطت مع صلة الشافعي بعلم الكلام على نحو آخر، فأثبتت علمه به لكن على “طريقة أهل السنة” متمثلة في ضرورة المعرفة بالعلم للرد على “شبهات وتلبيس وتدليس” أهل الكلام. 

وقد ترددت الأقاويل عن هذه الصلة بالمعتزلة، ودراية الشافعي بعلم الكلام تلميحًا وتصريحًا في حضرته، فكان يغضب نافيًا أي رابط بين آرائه وما يقول به علماء الكلام، وسُئل مرة عما يجمعه بمتكلم مثل إسماعيل بن علية فأجاب: أنا مخالف له في كل شيء، وفي قول لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول، أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلم موسى عليه السلام تكليمًا من وراء حجاب، وذاك يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلامًا أسمعه موسى من وراء حجاب”، وإن كان في مواطن أخرى لا ينفي الإمام درايته بعلم الكلام.

صياغة العقل الفقهي

يتقدم الشافعي على غيره من أئمة المذاهب باعتباره الرجل الذي صاغ العقل الفقهي، وقعَّد له القواعد، بل تجاوز نفوذه الفكري أبعد من ذلك، إلى العقل العربي عمومًا، فجعله مشدودًا إلى القديم لكون العلم “يؤخذ من أعلى” وبوصف القديم هو النموذج الأكمل، مقيِّدًا العقل بالقياس، فـنصيب المعرفة من الحقيقة يقاس بمقياس النقل“.

تلك الخصوصية وذلك النفوذ الممتد إلى اليوم، يتخطى بموضوع الباحثة المغربية حاجز الأكاديمية. وبعيدًا عن صورة الشافعي التي أبرزت الوريمي الجزء الغاطس منها، هناك جانب يتعلق بالثقافة تبرزه حالة الشافعي مثلما عرضتها الباحثة، فالانطباع الأول الذي يرد إلى الذهن أنها ثقافة منغلقة، ولو أخذت خطوة للأمام ستبصرها تتحرى النموذج المثال، للاقتداء به وتقليده. لذلك تجد الشافعي يغض الطرف عن هذا القسم من حياته، تاركًا المجال للتخرصات. ثم هو يغضب عند أي ربط بين آرائه وعلم الكلام، مع أنه يثبت في روايات نُقلت عنه معرفته الوثيقة بالعلم، أي أن هذا العلم المعتزلي له نصيب من بنيته الفكرية؛ وطبيعي أن ينعكس على أفكاره ورؤاه!

غير أن النموذج المثال لا ينبغي أن تشوبه شائبة، فالسيرة القدوة ممنوع عليها مخالطة علم يبطن الابتداع بل الزندقة والكفر“. لذات السبب، انقسم من تناولوا سيرته بين مُنزِّه للشافعي عن أي صلة تربطه بالزيدية أو علم الكلام بوصف مروياتها محض افتراءات، وبين من يثبت معرفته بعلم الكلام لكن ليس كمرحلة فكرية عبرها إلى مذهبه المعروف، بل كحصيلة معرفية كانت ضرورية للرد على ضلالات المتكلمين. 

إنها ثقافة الإجابة النموذجية بغرض التقليد والاقتداء، في تأكيد على أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. على عكس الثقافة الغربية التي كانت منذ فجرها مع سقراط ثقافة سؤال، في تعبير عن الشك والنقص وعدم الاكتمال. وفيما تتطلب الأولى التسليم ثم الاقتداء، تدعو الثانية إلى التأمل والتفكر، أي تميل إلى النقد والنقض. لهذا، فالأولى ثقافة اطمئنان محرِّض على الركود، والثانية ثقافة قلق باعث على التغيير. 

عادل إذًا أن تُعدّ ثقافة أحد أعمدتها فكر الشافعي، ثقافةَ انغلاق وتراجع، لكونها متعلقة بالنموذج المكتمل أو بالقديم الأكمل (الماضي). أما نظيرتها الغربية، فارتباطها بالسؤال أو بالشك المفتوح على جميع الاحتمالات، يجعل ديدنها التقدم والتطلع إلى المستقبل. وإذا أردت أن تعلم إلى أي الثقافتين أنت أقرب، فاسأل نفسك: هل أثار العنوان استياءك فدخلت مستكشفًا بغرض تأكيد شعورك، أم واصلت قراءتك إلى هذا الموضع بدافع من الفضول فقط؟ ففي ثقافتنا أحيانًا يكون مجرد طرح السؤال بما هو دعوة للتحرر وتوليد للأفكار أمرًا مثيرًا للاستياء والغضب، فهل يغضبك ما قرأت؟ 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram