زوايا

هل يختفي الأوفسايد من مباريات كرة القدم قريبا؟

يتذكر كل منا بدايات تعرفه على كرة القدم.. البطولة الأولى التي تابعتها في طفولتك وشكلت بداخلك الإطار الكبير لعلاقتك القادمة مع “الجلد المدور”.. إعجابك بهدف هذا اللاعب، ومهارة ذاك التي حاولت تقليدها في اليوم التالي أمام منزلكم.

كل شيء سهل الإدراك، إلا تلك اللحظة التي يطلق فيها الحكم صافرته فيترك المهاجم الكرة، ويلعبها مدافع الفريق المنافس، كأن هناك مخالفة.. تسأل نفسك: ما الذي حدث؟ لماذا احتسب الحكم مخالفة ولم يكن هناك أي احتكاك بين اللاعبين؟

يخبرك والدك بقانون التسلسل (الأوفسايد).. تبدأ مراقبة ما أخبرك به والدك، فتفهم الأمر شيئا فشيئا.. تمر الأيام وتصبح مشجعا خبيرا بكافة تفاصيل حالات التسلل، أكثر من الحكم الذي طالما انهالت عليه الشتائم حين ظلم فريقك برفع رايته في لعبة لم تكن تسللا من الأساس.. لم يكن هناك VAR حينها بالطبع.

يشاركك كافة متابعي اللعبة حول العالم تلك التفاصيل، جميعم مروا بتلك المراحل مع قانون التسلل، بما فيهم الكاتب الإنجليزي الأبرز في صحيفة الجارديان (جوناثان ويلسون ).. جميعهم سألوا أنفسهم السؤال ذاته الذي سألته لنفسك في طفولتك: لماذا نتمسك بذلك القانون القاتل لمتعة اللعبة؟ لماذا لا نلغي قاعدة التسلل ونستمتع بمزيد من الأهداف؟

انشغلت أنت في حياتك العملية ولم تهتم بالبحث عن إجابة هذا السؤال، لكن ويلسون اهتم بالإجابة عنه ووصل إلى نتيجة عرضها في دراسة عمرها 10 سنوات، وهي أن قاعدة التسلل بتعديلاتها كان لها فضل كبير في أغلب الفترات التي لُعبت فيها كرة القدم الجميلة.. فلماذا يقول جوناثان ذلك؟

كيف بدأ الأمر؟

يجب علينا في البداية معرفة لماذا ظهرت قاعدة التسلل من الأساس؟ ومتى؟

في القرن الثامن عشر، كانت أغلب مباريات كرة القدم تُلعب في إنجلترا، وتحديدا في المدارس.. كل مجموعة من المدارس لها قوانينها الخاصة.. لم يكن هناك “فيفا”، أو دوري إنجليزي، أو مباريات دولية في إطار واضح.

تحديدًا بين عامي 1860 و1870 بدأت كرة القدم تتقولب في قالب مشابه لما نحن عليه الآن، وصارت القوانين أقرب ما يكون للاتفاق، إلا في بعض التفاصيل.. أحد أهم هذه التفاصيل كان قانون التسلل.

اتفقت المدارس على ضرورة وجود قانون التسلل لمنع ثبات لاعب أو لاعبين عند مرمى المنافس طوال المباراة، ومن ثم بطء الحركة أثناء المباراة وحضور دائم للرتابة، لكن هذا الاتفاق على ضرورة وجود القانون لم يمنعهم من الاختلاف حول كيفية تطبيقه.

بعض المدارس تقول إن التسلل لا يحدث طالما أن هناك 3 لاعبين من لاعبي الخصم أمام المهاجم، ومدارس أخرى تقول إن لاعبَين فقط يكفيان.. مدارس تقول إن احتساب التسلل على اللاعب يكون من لحظة تسلمه الكرة، ومدارس أخرى تلعب على لحظة خروج الكرة من قدم زميله.

استمر الوضع كذلك في التغيرات والاتفاقات غير الرسمية، حتى عام 1925 الذي استقرت فيه أندية العالم على وجوب وجود لاعبَين اثنين من مدافعي الخصم على الأقل أمام المهاجم لحظة خروج الكرة من قدم زميله حتى لا يكون متسللًا.

نحن الآن في عام 1990.. “الفيفا” يقرّ تعديلا بالاكتفاء بلاعب واحد فقط خلف المهاجم حتى لا يكون متسللا في محاولة لجعل اللعبة أغزر أهدافا وأكثر إمتاعا.. وفي عام 2005 جاء تعديل آخر باعتبار المهاجم متسللا إذا تقدم أي جزء من أجزاء جسده يستطيع أن يحرز به هدفا شرعيا عن جسد المدافع.

لكن ما تأثير كل ذلك على كرة القدم؟ ولماذا وصف جوناثان ذلك بأحد مسببات جمال كرة القدم؟

ما الذي تغير؟

خطان متلاصقان بلونين مختلفين، أولهما نتج عن إسقاط عمودي من جسم المدافع والآخر من جسم المهاجم.. وكادر ضبابي نسبيا بعد تقريب الكاميرا للداخل لنرى أي خط منهما يسبق الآخر.. صار هذا المشهد مألوفا لمتابعي كرة القدم عقب ظهور تقنية الـVAR في الملاعب.

العودة للفار

ادعى كثيرون أن تلك التقنية هي التي حجّمت بشكل كبير من معدلات التسلل في كرة القدم الحديثة، لكن تقرير مفصل نشرته منصة Tifo Football منذ عام تقريبا عن دراسة قام بها باحثون أكاديميون في منصة The Athletic الأمريكية، دحض تلك الاتهامات تماما، وأكّد أن التسلل يتلاشى تدريجيا في كرة القدم في العشرين عاما الأخيرة قبل ظهور الـVAR.

يقول التقرير إن معدلات التسلل للمباراة الواحدة في البريميرليج انخفضت على النحو التالي: (7.8 تسلل/ مباراة ) في موسم 1997/1998، ثم انخفض إلى (6.3 تسلل/ مباراة) في موسم 2005/2006، ثم واصل الهبوط إلى (4.2 تسلل/ مباراة) في موسم 2013/2014، ليصل إلى (3.65 تسلل/ مباراة) الآن.

الأمر ليس ظاهرة إنجليزية فحسب، بل حتى في كأس العالم حدث الأمر ذاته. فمعدل التسلل للمباراة الواحدة قد انخفض بشكل تدريجي من 8.5 تسلل/مباراة في مونديال إيطاليا عام 1990، إلى 2.7 تسلل/مباراة في مونديال روسيا عام 2018.

فلماذا تقل معدلات التسلل بهذا الشكل؟ وما علاقة تلك التغيرات بزيادة المتعة في كرة القدم كما يرى جوناثان ويلسون؟

دارين بينت

لماذا تغير؟

يرى (جاك بيتبروك ) الكاتب بصحيفة The Athletic بنسختها البريطانية، أن الأمر برمته خاضع لتغيرات كرة القدم الكبرى، إذ صارت اللعبة أكثر تنظيما، وطغت التفاصيل التكتيكية على أفكار المدربين، وصارت المساحة التي يتحركها اللاعب محسوبة بالقدم.. من سيقع في مصيدة التسلل الآن بأكثر من خطوة عن مدافع الفريق المنافس سيكون مثارا للسخرية بكل تأكيد.

تواصلت The Athletic مع المهاجم الإنجليزي دارين بينت، باعتباره واحدا من أعلى المهاجمين وقوعا في مصيدة التسلل في الدوري الإنجليزي الممتاز منذ موسم 2006/2007، في المركز الثالث برصيد 276 تسللاً.. يتقدم عليه فقط إيمانويل أديبايور (328 تسللا) وجيرمن ديفو (314 تسللا).

أكّد “بينت” صحة اعتقاد كاتب The Athletic، حيث قال إن الأمر في بداية الألفية كان معتادا بالنسبة إليه.. كان الأمر أشبه بلعب القمار، سأسبق المدافعين بشكل مبالغ فيه 10 مرات في المباراة الواحدة، وبالتأكيد سيخطئ أحدهم مرة أو اثنتين.. سأستغل أخطاءهم وأسجل.

مع مرور الوقت ودخول العقد الثاني من الألفية الجديدة، صار الجمهور لا يتقبل تلك المقامرة.. الجمهور يميل أكثر إلى التكتيك، والنظام، واحتمالات الإحصاءات الرياضية التي تقول إن احتمالات تسجيل الهدف تكون أعلى بنقل الكرات القصيرة والاختراق من العمق.

صلاح وماني

 ثورة تكتيكية

لكي نكون أكثر دقة في وصف كلمات مثل: التنظيم في الكرة، والتغيرات التكتيكية .. إلخ، دعنا نشرح لك الأمر ببساطة.

اعتادت كرة القدم الإنجليزية -والتي عادة ما تكون مصدر التغيرات التكتيكية حول العالم- اللعب بطريقة 4-4-2 قديما.. المهاجمان، أحدهما (رقم 10) مهاري خفيف الحركة يساند لاعبي الوسط، والآخر (رقم 9) ثقيل الحركة نسبيا مقارنة بزملائه، لكنه هدّاف، يمتلك حسا تهديفيا عاليا وقدما لا تخطئ المرمى وقدرة عالية على اللعب بالرأس.

كرات بينية طويلة، وكرات عالية من فوق المدافعين، كانت هي الاستراتيجية التي تحتل مساحة كبيرة من مباريات تلك الحقبة.. إذا وضعتَ ذلك بجانب ثقل الحركة النسبية للمهاجم ستدرك لماذا وصلت معدلات التسلل في هذه الفترة إلى 7-8 حالات تسلل/مباراة.

ما حدث مؤخرا، هو اتجاه العالم كله للعب بطريقة 4-2-3-1 أو 4-3-3 والتي تعاظم فيه الاعتماد على الأجنحة، واختلفت فيها أدوار المهاجم رقم 9.

صار المهاجم أخف حركة، ويهبط إلى الأسفل قليلا ليساند الأجنحة أو صانع الألعاب رقم 10 في تحضير اللعب.. لم يعد المهاجم يقبع في الأمام منتظرا الكرات البينية الطويلة، أو الكرات العالية مثلما كان في سابق الأعوام.

أما الأجنحة فحدث في تكوينها وطريقة لعبها اختلافان حاسمان، وفقا لدراسةThe Athletic، أولهما هو معدلات نمو عضلاتهم، والتي صارت أقرب للعدائين ولاعبي ألعاب القوى، أما ثاني هذه الاختلافات هي التحركات القطرية للأجنحة من طرف الملعب إلى العمق، والعكس بسرعات كبيرة للغاية وفقا لطبيعة كل كرة.. لم تعد الأطراف أو الأجنحة تتحرك طوليا فقط على الخط طوال المباراة.

محمد صلاح، وساديو ماني، ورحيم ستيرلينج، وسون هيونغ مين، وماركوس راشفورد وغيرهم من أجنحة الدوري الإنجليزي خير مثال على هذا التغير الذي حدث في كرة القدم.

كما ترى: سرعات أكبر، والتحامات بدنية أكثر حمية، وتفاصيل تكتيكية أكثر ذكاءً في تحركات اللاعبين، ومن ثم مستويات تنافسية أعلى بين الأندية وحماس أكبر في المدرجات.

لم يخطئ جوناثان ويلسون بكل تأكيد حينما قال إن متعة كرة القدم ارتبطت ارتباطا وثيقًا بانخفاض معدلات التسلل في الثلاثين عاما الأخيرة.

أحمد ماهر

كاتب رياضي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى