وجهات نظر

هل يدعو “الأزهر” إلى الإيمان ببعض الكتاب فقط؟

لا يمر أسبوع دون أن يخرج أحد علماء الأزهر، ليتوعد متناولي مسألة عدم فرضية الحجاب بالويل والثبور، انطلاقا من أن “العوام” لا شأن لهم بتوضيح آيات كتاب الله أو الخوض فيها أو حتى الاجتهاد، فهل يدعو الأزهر إذن أمة الإسلام إلى الخوض في حديث غير كتاب الله؟ ربما.. هل امتلك الأزهر الوصاية الكاملة على أمور عامة المسلمين التي تصل حد إنزاله الحجاب منزلة الصلاة والصوم دون استفسار من المتحجبات؟ وهل نص القرآن على فرض حجاب الرأس على المرأة وحجاب العقل على الرجل؟… لا يمكن أن يكون هذا طبعا مقصد الأزهر، الذي عهدته منارة علم وثقافة ودافعت عنه ظالما ومظلوما.

أولًا

كما درست في الأزهر منذ الصف الأول الإعدادي حتى تخرجي في كلية اللغة العربية، “النصوص قطعية الثبوت والدلالة” معروفة ومحددة، وهي ما يترتب عليها حقوق العباد أو حقوق رب العباد، منها ما هو في العبادات، ومنها ما هو في المعاملات، لكني لم أسمع في العادات نصوص قطعية الدلالة، فإن الله لم يأمر رسوله أن يفتتح المسلمون خطوطا لإنتاج الملابس، بل هناك عوامل عدة في تناول آيات الذكر الحكيم بالتوضيح والتفسير، منها أسباب النزول والسياق العام ومراعاة العصر، وآخرها -وإن كنت في حرج من ذكر ذلك لعلماء الأزهر الأجلاء- القياس اللغوي.

النص الذي لا يقبل الاجتهاد معه، أي لا يقبل اختلاق نص مواز، ولكن قاعدة “لا اجتهاد مع النص” ليست القاعدة الوحيدة في أصول الفقه، هناك قاعدة أخرى تقول: “ما اختلف فيه لا إنكار فيه”، ويمكن أن يقال إن هناك من يعتبر الحجاب فرضا، وآخرون لا يعتبرونه فرضا، والمقام يضيق عن إيراد هذه السجالات، ولكن الأمر قطعي الثبوت أن علماء الأزهر قد درسوها في سنوات دراستهم، ولن تُهدّم صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله لو أفتى الأزهر بذلك، لكن أن نجعل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، فهذا خُلف من القول، وتشبّه بفتاوى الجاهلية التي تقدم الفرع على الأصل، وتقدم قطعة قماش على أخلاق المجتمع الأهم، مثل الاحتشام والانضباط السلوكي في التعامل.

قال تعالى: “وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا” (المائدة 8)، وهي ببساطة تعني أن السجال بين الخطاب الديني الأزهري المحافظ نسبيا وبين الخطاب العلماني المنفتح نسبيا، قد دفع رجالات الدين إلى التمسك بفرضية الحجاب، وهم بذلك يقعون تحت طائلة النهي السابق، بخاصة أن غالبية آيات الحجاب وأحاديثه وآيات الخمار وأحاديثه مردود عليها، وهذا الشنآن بدأ مع بداية الدعوات المتشددة لإنشاء “دويلات إسلامية” من الإخوان، وحتى ملالي إيران، ولم نعرف قبل هذه الدعوات المشبوهة سجالا على الحجاب.

ثانيا

كما درست في الأزهر، فإن “الجيب” هو نهر الصدر، وقال الشاعر الجاهلي طَرَفة بن العبد في معلقته “رحيب قطاب الجيب منها رقيقة”، أي أن الرباط الذي تضم به أعلى حوض الثوب لتداري منبت نهر الثدي واسع، وقال ابن منظور في لسانه: “وكلُّ مُجَوَّفٍ وسَطُه فهو مُجَوَّبٌ”، لذا فإن اللغة هنا انتصرت لتفسير الجامع لأحكام القرآن، حين قال إن سبب نزول الآية هو “أن النساء كُنّ في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمِرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر”. قال النقاش: كما يصنع النبط، فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله تعالى بلَيّ الخمار على الجيوب، وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها”، فقد وضح اللفظ المراد وأوضحت الهيئة الفهم، وما دون ذلك فهو إسراف وتشدد في التكليف، والله لا يحب المسرفين.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتدبر في آيات القرآن، والتدبر هو من الجذر “د ب ر” أي انتهى، أي على المؤمنين التفكر في ما تؤول إليه الآيات، وما تؤول إليه الآيات في كتاب آخر الزمان لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينتهي عند القرن الأول الهجري وبيئته وطبيعته واحتياجاته، بل على العكس، لو وافق ما يجري الآن تفسير الأقدمين أخذنا به، ولو خالف فإن علينا التدبر، والنظر إلى ما وصلت إليه نهاية الأمر في عصرنا، والأخذ به، وإلا فقد عطلنا أمرا مباشرا من الله لا لبس فيه ولا اختلاف عليه، وهو “تدبر القرآن”.

ثالثا

كما درست في الأزهر فإن الله عز وجل أرسل رسوله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بالتعريف، والسورة تسمى سورة “النور”، بالتعريف، ففيها قبس مباشر من شعلة الرسالة، وهي جذوة الآداب والعادات وضبط المجتمع، وورد في هذه السورة 7 أمور تتراوح بين ما هو مفروض وما هو وضع للاسترشاد، ولم يفرض كل ما فيها بحسب قول بعض المغالين، والدليل أن كلمة فرضناها في قوله تعالى “سورة أنزلناها وفرضناها” لها قراءتان، الأولى فتح الراء، والثانية بتشديد الراء، وقال ابن منظور في اللسان: “فمن قرأَ بالتخفيف فمعناه أَلزَمْنا كم العَمل بما فُرِضَ فيها، ومن قرأَ بالتشديد فعلى وجهين: أَحدهما على معنى التكثير على معنى إِنا فرضنا فيها فُرُوضاً، وعلى معنى بَيَّنَّا وفَصَّلْنا ما فيها من الحلال والحرام والحدُود”.

ومن معاني التفريض أيضا في كلمة “فرضناها” بتشديد الراء هو التدرج، وهذا قد يُفهم من سياق السورة التي بدأت بالزنا وانتهت بالنهي عن النداء على الرسول باسمه مجردا “يا محمد”، وقد قرأ بالقراءتين أكابر علماء الأمة، وعليه، فإن السورة متضمنة المعنيين، الفروض وهي الحدود، والتفصيل والتوضيح على سبيل الإرشاد في ما لا حد فيه، ولا أرى من أقام الحد على تاركة الحجاب أو جاءت السنة بمثل ذلك، إذن فإن الأوامر التي لا حد فيها في السورة لا وجوب فيها.

والأمور الواردة في السورة هي: “الزنا – الاستئذان – غضّ البصر وحفظ الفرج – الحجاب – الزواج من الطلقات والأرامل – تسهيل تزويج الشباب – منع البغاء – إشاعة الفاحشة ورمي المحصنات”، فأي من هذه الأمور لذي عقل أو ذي علم أو ذي دين قد يساوي بينها، أو قد يقول إن كل الأوامر فيها مفروضة؟

رابعا

وأخيرا، تعلمت في الأزهر أن فعل الأمر يخرج على نيف وثلاثين معنى بلاغيا، منها “الإرشاد، الدعاء، التمني، التخيير، التعجيز، الإباحة، التحدي، التحقير التهكم، الإهانة” وغيرها كثير، لذا فإن قبول آيتين من آيات الله في سياق واضح ومتتاليتين في موضع واحد وموضوع واحد مترتب على بعضه، وتخريج إحداهما على أنها فرض والأخرى للنصيحة، فهذا ليس من الكياسة ولا الحصافة ولا التدبر في آيات الله ولا التذوق البلاغي للسان العربي الذي نزل به القرآن، فكيف يُعقل أن يكون ما ورد في آية الخُمر وفسرتموه على أنه تغطية الرأس، ملزما، ولا تكون الآية قبله “وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم” غير ملزمة، ولا الآية بعده “وأنكحوا الأيامى منكم” غير ملزمة؟

حسن معروف

صحفي وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى