هل يستطيع "الكاظمي"

تقليم أظفار الوحوش؟!

يصادف شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي مرور عام على الاحتجاجات العراقية التي خرجت تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد وإسقاط الطبقة الحاكمة، والتي سقط فيها ما لا يقل عن 20 ألف متظاهر بين قتيل وجريح، على أيدي قوات الأمن التي استخدمت الرصاص الحي لتفريق جموع المتظاهرين.

التظاهرات التي استمرت لنحو شهر في ميادين العراق كافة، نجحت بعد صمود دام نحو شهرين أمام رصاص الأمن وترهيب الميلشيات المسلحة، في إرغام رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وحكومته على الاستقالة، ليأتي مصطفى الكاظمي، صاحب الخلفية الاستخباراتية، إلى منصب رئيس الحكومة  بطموحات واسعة ومشروع سياسي كبير.

لم يمر وقت طويل على الكاظمي بعد حَلَف يمين رئاسة الوزراء بالقصر الجمهوري، حتى انبرى في معاركه الداخلية والخارجية مبكرًا، رافعًا شعار استعادة هيبة الدولة، وسط صعوبات كبيرة واجهته خلال الأشهر الستة الماضية وكادت تُطيح به خارج الملعب السياسي، وتهدد مستقبله.

نصف عام من الحروب

كان صعود الكاظمي لمنصب رئيس الوزراء العراقي حدثًا استثنائيًّا ونادرًا في بلاد الرافدين، بعدما انتزع موافقة البرلمان الذي تهيمن عليه القوى السياسية الموالية لإيران، ونال مباركة الدول المناوئة لطهران كأمريكا والسعودية، اللتين تعهدتا بدعم حكومته ماليًّا.

غير أن اشتباك الرجل مع القضايا المحظورة، واختراق الخطوط الحمراء في بغداد جعله في مرمى نيران الخصوم، حتى طالت أحد أصدقائه المُقربين وهو الباحث والمستشار السابق للحكومة العراقية هشام الهاشمي، أمام منزله وسط بغداد.

ولهذه النيران أسباب عديدة أهمها تصدي الكاظمي لملف الميلشيات المُسلحة المدعومة إيرانيًّا، وهي إحدى القضايا المحظور فتحها في بغداد على مر الحكومات السابقة، إلا أن الكاظمي تعهد بتفكيكها.

وكانت أولى خطواته في سبيل ذلك تفويض جهاز مكافحة الإرهاب للقبض على 14 عنصرًا من “كتائب حزب الله”، غير أن الكاظمي تراجع لاحقًا، بالإفراج عن 4 من المحبوسين.

وأجرى الكاظمي كذلك سلسلة تغييرات كُبرى في الجهاز الأمني أبرزها تعيين قاسم الأعرجي، مستشارًا للأمن الوطني، وتكليف الخبير عبد الغني عجيل بإدارة جهاز الأمن الوطني. كما أعاد الفريق أول عبد الوهاب الساعدي، القائد السابق لـ”قوات مُكافحة الإرهاب”، إلى الجهاز ليتولى رئاسته بعدما أطيح به خلال رئاسة عادل المهدي للحكومة.

ويقول خير الدين المخزومي، الباحث السياسي العراقي المُقيم في واشنطن، في تصريحات إلى “ذات مصر” إن الكاظمي يتمتع بدعم مجموعة كبيرة من السياسيين العراقيين، إلا أن “عملية تقويض المليشيات لا يمكن أن يُنجزها الكاظمي وحده، مؤكدًا على عدة عوامل لا بد من وجودها على أرض الواقع حتى يستطيع رئيس الوزراء القضاء على سلطة المليشيات”.

تقليم أظفار الوحش

منذ تنصيب الكاظمي، شرع الرجل في اتباع إستراتيجيات مختلفة لإحداث اختراق في القضايا الكُبرى الثلاث وهي الفصائل المسلحة المدعومة إيرانيًّا، والانسحاب الأمريكي من العراق، وأزمة رواتب الموظفين.

بدأ الكاظمي المواجهة مع الفصائل المسلحة الإيرانية، التي أصبحت صاحبة اليد العليا في التغييرات السياسية كافة، وترتيب الأوضاع الأمنية في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعدما أصبحت هذه الميلشيات أحزابًا سياسة مثل منظمة بدر أو عصائب أهل الحق  الممثلة في البرلمان العراقي، بمقاعد بلغ عددها 22 و15 بالترتيب.

وانطلق الكاظمي في هذا المواجهة بعدما أدرك أن نفوذه خارجيًّا وداخليًّا مرهون  بإنجاح محاولاته “الواعدة والمؤثرة” في تقويض هذه الميلشيات المُسلحة، بحسب جاسم بديوي، عراقي الجنسية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا، الذي أكد أن  العمليات الإصلاحية التي أقدم عليها رئيس الوزراء العراقي شبيهة “بتفكيك قنبلة موقوتة قد تنهي كل شيء”.

وأضاف البديوي في اتصال هاتفي مع “ذات مصر” أن الكاظمي اكتشف أن محاولاته لتقويض الميلشيات المسلحة  “ذهبت هباءً مع تشبث الصغار والكبار بأدوارهم الهادفة إلى ابتلاع الدولة”، موضحًا أن الرجل يحاول أن “يفعل شيئًا” عبر طرح إستراتيجية “تقليم أظفار الوحش”.

ويعتقد المخزومي الباحث العراقي الحائز على درجة الماجيستير في الدراسات العربية المعاصرة من جامعة جورج تاون الأمريكية، أنه “إذا فشل الكاظمي في تقويض هذه المليشيات، سيكون خيار الحرب هو السبيل أمام هذه المليشيات، موضحًا أنه كما حاربت الأجهزة الأمنية العراقية والحشد الشعبي العراقي تنظيم داعش، ستترتب عليها نفس المسؤولية لمحاربة هذه المليشيات الإيرانية”. 

الكاظمي والقوات الأمريكية

مهَّد مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني ونائب قائد “الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس، بضربة جوية أمريكية في مطار بغداد، الظروف السياسية لتحالف الأغلبية البرلمانية الموالية لطهران، لتشكيل ضغط سياسي على الكاظمي منذ تنصيبه، لتمرير قرار ينهي وجود القوات الأمريكية على أراضي بلاده.

غير أن الأوضاع الأمنية المضطربة وتدهور الأوضاع الاقتصادية ونفوذ الميلشيات الواسع، تجعل من انسحاب القوات الأمريكية  “مُخاطرة كبرى” تضع مستقبل الكاظمي على المحك، بحسب علي أغوان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيان في أربيل، الذي قال في اتصال هاتفي مع “ذات مصر” إنه “حال حدوث ذلك سيكون انسحابًا تكتيكيًّا من بعض القواعد الرئيسة في بعض المحافظات الوسطى والشمالية، والبقاء في قاعدة عين الأسد غرب العراق وقواعد مختلفة في إقليم كردستان، على رأسها قاعدة حريري ومطار أربيل”.

وأضاف أغوان أن الكاظمي يسعى من أجل “عراق قوي متماسك” يقيم علاقات دولية طبيعية مع محيطه، لكن لا يزال –حسب رأي الباحث-  هناك بطء بسبب أن هذا الملف تسيطر عليه أكثر من جهة، لا تتفق مع توجهات رئيس الوزراء بسبب النظام البرلماني الذي يجعل اكثر من جهة مخولة دستوريًّا بالتدخل في السياسة الخارجية للعراق.

ورقة رواتب الموظفين

في ذات السياق، أطلق رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي “الورقة البيضاء” للإصلاح الاقتصادي، بعدما وصلت بلاده إلى مرحلة إفلاس، وعجز مالي لم تشهده من قبل، نتيجة انخفاض أسعار النفط، وانخفاض صادرات البلاد النفطية بواقع مليون برميل يوميًّا بسبب جائحة كورونا.

وكان الانعكاس الأكبر للأزمة المالية هو التأخر في تسليم رواتب موظفي القطاع العام، قبل أن ينجح الكاظمي في تمويل المرتبات لشهر سبتمبر/أيلول الماضي، بعد تأخير استمر نحو 45 يومًا.

وتُشكل ورقة رواتب الموظفين أداة ضغط رئيسة للكاظمي لمواجهة خصومه السياسين في الداخل، في ضوء تفوقه على خصومه السياسين في الداخل في القدرة على جلب دعم مالي خارجي، والتفاوض مع واشنطن للحيلولة دون فرض عقوبات اقتصادية.  

وتملك واشنطن، أحد الداعمين الرئيسين للكاظمي، أوراق ضغط اقتصادي على البلد العربي، أبرزها تجميد حساب المصرف المركزي العراقي في نيويورك، والذي  يحتفظ بالإيرادات الدولية التي يحققها من مبيعات النفط، أو حظر الشركات والمؤسسات الأمريكية للاستثمار في العراق، ومنعها من خفض ديونه الخارجية.

ويعتقد البديوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا، أن الجولة الثانية من حرب تقليم الأظفار بين الكاظمي وخصومه السياسيين في البرلمان والفصائل المسلحة، ستكون أداتها الرئيسة هي “الوضع الاقتصادي الكارثي”، موضحًا أن رئيس الوزراء حاول استخدام هذا الوضع للسيطرة على المنافذ الحدودية، ووقف أنشطة اقتصادية لتمويل هذه الميلشيات.

قائد حزب سياسي جديد

حمل إعلان رئيس الوزراء العراقي عن إجراء انتخابات عامة مبكرة في السادس من يونيو/حزيران 2021 تساؤلات مفتوحة حول مستقبل الرجل الاستخباراتي السياسي، في المرحلة التالية التي يغادر فيها منصبه رسميًّا.  

وتزداد الشكوك حول مستقبل الرجل في ظل مساعي عدد من القوى للانقضاض على الكاظمي ومحاصرته، دفاعًا عن مصالحها وحصصها في العملية السياسية والإدارية.

ويرى المخزومي، الباحث السياسي العراقي، أن ما يفعله الكاظمي الآن يعتبر حملة انتخابية لتقديم نفسه للشعب العراقي كرجل قوي وقادر على الإصلاح، موضحًا أنه بذل الكثير من الجهود لزيارة العديد من المحافظات العراقية، بما في ذلك زيارته الأخيرة إلى حكومة إقليم كردستان بهدف توسيع منطقته الجغرافية.

ويرسم المخزومي مسارات لمستقبل الرجل قائلاً إنه “سيؤسس ويقود حزبًا جديدًا بعدما أدرك أن العراق لن ينجو ما لم يتلقَّ دعمًا حقيقيًّا من واشنطن، وأنه تنبغي حماية نفسه من “الجماعة الفاسدة”.

ويختتم الباحث العراقي كلامه بالتأكيد على أن المعركة الكبرى التي يفكر فيها الكاظمي الآن، تتمثل في ضرورة تحقيقه فوزًا ساحقًا في الانتخابات المقبلة، إما عن طريق الفوز بغالبية الكراسي، وإما تشكيل ائتلاف يحصل فيه على غالبية الأصوات.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram