دراسات وتحليلات

هل يملك اقتصاد إيران رفاهية التخلي عن “الاتفاق النووي”؟

“ضعوا خططًا للاقتصاد بفرض استمرار العقوبات!”..

هكذا خاطب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، الإيرانيين بمناسبة عيد النوروز، رأس السنة الفارسية، وجعل من دعوته هذه مرتكزا رئيسيا لزيادة الإنتاج الاقتصادي مع افتراض استمرار العقوبات، مُعلنًا تبني استراتيجية “اقتصاد المقاومة”.

ذلك المصطلح لم يكن بجديد، ولم يبتكره خامنئي في خطابه هذا العام، بل يرجع جذوره إلى عام 2007، حين اقترحه لأول مرة، ثم عاود وطرح الفكرة مرة أخرى بعد عام واحد من توقيع الاتفاق النووي ودخوله حيز النفاذ ورفع العقوبات الأمريكية، ليعلن المرشد الأعلى أن عام 2017 هو “عام اقتصاد المقاومة والإنتاج والتوظيف”.

حذّر حينها من الخداع الغربي وتوقع تدهورًا في الاقتصاد الإيراني، وما أن أعاد دونالد ترامب العقوبات الأمريكية وتراجع الاقتصاد الإيراني على إثرها، وجد خامنئي في ذلك دليلًا على صحة فرضيته، ليعاود تأكيد فكرة مقاومة الاقتصاد باعتبارها السبيل الوحيد للخلاص من الأزمة الاقتصادية.

وعلى عكس التوقعات، ورغم حالة التفاؤل الحذر التي سادت إيران بعد انتخاب جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، فإنه وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر على وصول بايدن إلى سدة الحكم، بدا أن الرئيس الجديد ليس في عجلة من أمره لإصلاح الأمور مع إيران، كما لم يُظهِر قادة إيران اهتمامًا كبيرًا بالعودة السريعة إلى المحادثات مع الولايات المتحدة، ولم يُبدِ أي من الطرفين استعدادًا للتنازل.

الأمر الذي يدفع لطرح تساؤلات رئيسية: هل بإمكان الاقتصاد الإيراني حقًا الصمود أمام استمرار العقوبات؟ وهل يمتلك رفاهية عدم العودة إلى الاتفاق النووي؟ وما هامش المناورة الذي يراهن عليه المرشد الأعلى الإيراني؟

اقتصاد إيران
الاقتصاد الإيراني في مواجهة الانسحاب من الاتفاق النووي

مؤشرات ضعف الاقتصاد الإيراني

بعد سنوات من عودة العقوبات الأمريكية، يعاني الاقتصاد الإيراني من وضع حرج، ولا تزال طهران في المقابل تصر على مواقفها بشأن العودة للاتفاق النووي وتشترط على واشنطن رفع العقوبات الموقعة عليها كاملةً قبل أي شيء.

فيما يلي نتناول ستة مؤشرات تصف حجم المعاناة التي يكابدها الاقتصاد الإيراني:

  1. انكماش الاقتصاد

في عام 2016، بعد التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني بعام واحد، شهدت إيران نموًا اقتصاديًا كبيرًا بنسبة 12.5%، غير أن ذلك لم يدم طويلاً، حيث سرعان ما انكمش مرة أخرى منذ عام 2017، بفعل العقوبات الأمريكية التي انعكست سلبًا على الاقتصاد الإيراني وميزانية الحكومة، ليصل مقدار الانكماش في 2020 وحده نحو 4.99%، بيد أن صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة 3٪ في عام 2021.

الاقتصاد الإيراني
معدلات نمو وهبوط الاقتصاد الإيراني
  1. تراجع إنتاج النفط وصادراته

تمكنت العقوبات الأمريكية من تقليل قدرة إيران على بيع النفط، ومنعتها من استعادة أموالها من مبيعات الطاقة، وبحسب “إليوت أبرامز”، الممثل الأمريكي الخاص السابق لإيران خلال إدارة ترامب، فإن “هناك مليارات الدولارات في بنوك في العراق والصين وكوريا الجنوبية لا تستطيع إيران السيطرة عليها بفعل العقوبات”، ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فمن المتوقع أن تستمر صادرات النفط الإيرانية في الانخفاض في عام 2021.

النفط الإيراني
معدلات إنتاج وتصدير النفط الإيراني
  1. تراجع مستويات التجارة العالمية مع إيران

تراجعت الصادرات والواردات بشكل حاد بعد إعادة فرض العقوبات الأمريكية، فإلى جانب النفط، تم فرض عقوبات أخرى على المعادن الصناعية الإيرانية، التي تُعد مصدرا كبيرا لإيرادات الدولة من الصادرات.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن إيران سقطت في عجز تجاري بقيمة 3.45 مليار دولار في عام 2020، بعدما بلغ الفائض التجاري في 2019 نحو 6.11 مليار دولار.

التجارة الخارجية الإيرانية
معدلات التجارة الخارجية الإيرانية (تصدير واستيراد)
  1. ارتفاع معدل التضخم

منذ أوائل عام 2018، انخفضت قيمة العملة الإيرانية بشكل مطرد، غير أن الريال الإيراني استقر إلى حد ما خلال الأشهر الأخيرة، فلا تزال قيمة العملة في السوق غير الرسمية ثابتة عند أكثر من 250 ألف ريال للدولار، فيما يبلغ السعر الرسمي للبنك المركزي نحو 42 ألف ريال للدولار، وهو ما يُستخدم في الأغلب لمعظم السلع المستوردة.

ولعل ضعف العملة الإيرانية هو ما يجعل الواردات أكثر تكلفةً وأغلى ثمنًا على السكان المحليين.. ومع ارتفاع التضخم وتكلفة المعيشة الباهظة إلى جانب ضعف الاقتصاد وسوق العمل، تزداد الأعباء المعيشية على كاهل المواطنين الإيرانيين.

الاقتصاد الإيراني
معدلات التصخم في الاقتصاد الإيراني
  1. سوق عمل ضعيفة

من المتوقع أن تزداد معدلات البطالة بشكل أكبر في ظل العقوبات الاقتصادية على إيران، إذا ما استمرت، فوفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فمن المتوقع أن تصل نسبة السكان العاطلين عن العمل في 2021 إلى 12.4٪.

البطالة في إيران
معدلات البطالة في الاقتصاد الإيراني
  1. اتساع عجز المالية العامة

ما يحد من قدرة طهران على تحسين النشاط الاقتصادي بها والتعافي السريع من تداعيات جائحة فيروس كورونا، أن الحكومة الإيرانية تنفق أكثر من إمكانياتها، وهو ما يؤدي إلى معاناة الاقتصاد الإيراني من عجز مالي متزايد، حيث أن جانبا كبيرا من الميزانية الوطنية يذهب إلى تمويل الحرس الثوري و”حزب الله” والميليشيات الشيعية في العراق، الأمر الذي يأتي على حساب الوضع الاقتصادي للدولة.

البطالة في إيران
معدلات العجز المالي في الاقتصاد الإيراني

وإلى جانب الطوابير الطويلة، التي يصطف فيها المواطن الإيراني لشراء احتياجاته الرئيسية، والارتفاع الصاروخي في الأسعار ونقص المواد الغذائية في السوق، لا تُظهِر المؤشرات الاقتصادية الهامة -كالسيولة والتضخم والنمو الاقتصادي- أرقامًا واعدة.

وبينما يشهد الاقتصاد الإيراني نموًا اقتصاديًا إيجابيًا خلال العام الجاري (2021) مع بلوغ الناتج المحلي الإجمالي للدولة نحو 1.06 تريليون دولار، وفي ظل توقع صندوق النقد الدولي بأن ينمو اقتصادها بنسبة 3٪ طوال عام 2021، فإن معدل التضخم والسيولة بنهاية فبراير من العام الجاري وصل إلى 34.2% و3300 مليار على التوالي.

 موقع العقوبات من أزمات الاقتصاد الإيراني

طالما ألقى نظام الملالي اللوم على العقوبات الأمريكية باعتبارها السبب الوحيد للأزمة الاقتصادية في إيران، إلا أن هناك عوامل أخرى فاقمت من حدة الأزمة الاقتصادية، لعل أبرزها:

  1. انتهاج النظام الإيراني سياسات اقتصادية “كارثية”، كان لها الدور الأكبر في تفاقم الأزمة الاقتصادية، وذلك كطباعة الأوراق النقدية، التي أدت بدورها لزيادة معدل السيولة، بما أسفر في النهاية عن نمو سريع في معدل التضخم.

ووفقًا لرئيس البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، فإنه خلال عامي 2019 و2020، لجأت الحكومة الإيرانية لطباعة العملة للتعويض عن العجز في الموازنة والموارد الحكومية.

  1. تداعيات تفشي فيروس كورونا، وما صاحبها من إدارة سيئة للأزمة، إذ لم تستطيع الحكومة الإيرانية أن تُموِّل رزمة التحفيز المالي من أجل دعم النفقات بهدف التصدي لتداعيات فيروس كورونا الاقتصادية، لذا عمدت الدولة إلى إصدار سندات عبر عمليات السوق المفتوحة، تُضاف إلى جانب الديون الحكومية الأخرى مستحقة السداد للمؤسسات العامة كـ”منظمة الضمان الاجتماعي”، تلك الزيادة الكبيرة في كمية الأموال المتداولة، تسبّبت في ارتفاع الأسعار، ومن ثَمَّ زيادة معدل التضخم الذي يشكل أحد أكبر وأبرز المشاكل الاقتصادية التي عاني منها الاقتصاد الإيراني على مدار الأربعين سنة الماضية.
  2. أسهم الفساد الاقتصادي في تعقد الأزمة الاقتصادية وازدياد الوضع سوءًا، فعلى مدار عقد من الزمن بلغت حجم الاختلاسات في إيران نحو 44 مليار دولار، ما يعني نحو 4.4 مليار دولار سنويًا، علاوة على إنفاق النظام الإيراني ملايين الدولارات على مشاريعه النووية والصاروخية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يكابدها اقتصاده.
  3. قامت مجموعة العمل المالي بوضع إيران ضمن القائمة السوداء في مارس 2020، وهو ما مثّل سببًا إضافيًا لتدهور الاقتصاد الإيراني، فبينما حاولت طهران أن تتعايش مع العقوبات الأمريكية عبر الارتباط ببنوك صينية وروسية، بجانب بنوك أخرى صغيرة تتجاهل العقوبات الأمريكية، فإن قرار المنظمة زاد الأمور تعقيدًا، إذ تسبّب في توقف بنك “كونيليون” الصيني عن توفير الخدمات البنكية للإيرانيين، كما توقّف مشروع الانضمام إلى شبكة “مير” الروسية، فضلاً عن توقف بنوك وسيطة عن التعاون مع إيران في عدة بلدان كألمانيا وكازاخستان والعراق وتركيا.
البرنامج النووي الإيراني
البرنامج النووي الإيراني

رفاهية عدم العودة للاتفاق النووي

“إذا قبلوا سياستنا، فسيكون كل شيء على ما يرام، وإلا سيستمر الوضع ونحن على ما يرام”.

المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي..

تحاول إيران خلال الفترة الحالية الترويج لفكرة “اقتصاد المقاومة”، الذي لا يعني الاكتفاء الذاتي، بل استبدال إيران لمواردها الوفيرة من النفط والغاز بالواردات والتقنيات الجديدة، وذلك في إشارة إلى استعدادها للاستمرار في التعايش مع العقوبات الأمريكية ما لم يُنفِّذ الرئيس الأمريكي جو بايدن شروطها من أجل العودة إلى الاتفاق النووي.

الأمر الذي يثير سؤالا رئيسيا، هل يقوى الاقتصاد الإيراني على الاستمرار في تحمل وطأة العقوبات؟

وما بدائل طهران؟

وإلى أي مدى تثق في خطواتها؟

بدايةً، ورغم تردي الوضع الاقتصادي في إيران، فإنه بحسب المؤسس والرئيس التنفيذي لمؤسسة “بورس آند بازار”، “إسفنديار باتمانجليج”، فإن الاقتصاد الإيراني كان أفضل بكثير مما توقعه، ولعل سوء التقدير في التوقعات كان نابعًا من حقيقة أن اقتصاد إيران يُنظر إليه على أنه اقتصاد قائم على النفط، ومن ثَمَّ استهدفت العقوبات ذلك القطاع وكان لها تأثير خطير عليه.

غير أن قطاع النفط الإيراني ظل على مدار العشرين عامًا الماضية، لا يمثل سوى من 10-20% من الناتج المحلي الإجمالي، ووفقًا لأحدث بيانات رسمية من البنك المركزي الإيراني بالنسبة للسنة الإيرانية المنتهية في مارس 2020، فإن إسهام قطاع النفط والغاز في الاقتصاد بلغ 7.4% فقط بفعل العقوبات الأمريكية.

الاقتصاد في إيران
العلم الإيراني

هذا يعني أن ثمة قطاعات أخرى، سواء قطاع الزراعة أو الخدمات أو التصنيع، قد تدخلت وسدّت الفجوة التي خلّفها تراجع الإنتاج النفطي وتأزُّم القطاع برمته، ذلك التنوع في الاقتصاد مكّن إيران من حماية نفسها في ظل أي ضغوط خارجية شبيهة، وذلك عبر نشر استراتيجية تجارية تجمع بين إحلال الواردات وتشجيع الصادرات.

وفي إطار بحث إيران عن هامش للمناورة، تضمن به عدم تقديم أي تنازلات وتضغط من خلاله على الإدارة الأمريكية الجديدة، فإنها قامت بتوقيع اتفاقية اقتصادية وأمنية شاملة مع الصين، وذلك باستثمار صيني قدره 400 مليار دولار في البنوك الإيرانية والاتصالات السلكية واللا سلكية، والمواني والسكك الحديدية والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات، على مدى 25 عامًا قادمة، مقابل النفط الإيراني.

وقد أبدى وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، دعمه التام لإيران قائلاً:

“إن الصين تدعم إيران بقوة في حماية سيادة دولتها وكرامتها الوطنية، ومن الواجب على الولايات المتحدة أن تُسقِط فورًا عقوباتها على إيران”..

تلك الصفقة وذلك الدعم، ربما لن يجعلا لدى إيران أي حافز للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، ما لم تتنازل الولايات المتحدة عن عقوباتها كلها على طهران، إذ مع تدخل الصين وتردد بايدن، تضاءلت احتمالات أي تقدم لإحياء الصفقة قبل إجراء إيران الانتخابات الرئاسية في يونيو القادم من العام الجاري.

سهير الشربيني

باحثة مصرية في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى