هل يُغنينا تحسين النسل عن تعلم الحياة؟

سعيد ناشيد

كاتب وباحث مغربي

بصدد النقاش الدّائر حول مآلات التفكير الفلسفي في القرن الحادي والعشرين، وحول رهانات فن العيش في سياق عالم موسوم باللّا توقع، وعدم اليقين، وانعدام الأمان؛ هناك سؤال استشرافي قد يخطر ببال المطلعين على بعض تفاصيل ما بات يُعرف بـ”نزعة الإنسانية المتحولة” Transhumanism، والتي تتّخذ شكل مشاريع علمية عملاقة لغاية تحسين النوع البشري في مختلف أبعاده العضوية والعقلية والوجودية، وهي المشاريع التي لا تخفي غايتها الأساسية: العمل على تشكيل سلالة بشرية متطورة من حيث القدرات الذهنية، والقوة العضلية، ومدى الحواس، والمناعة الصحية، ومعدل العمر، وسائر الأبعاد الأخرى.

لا نملك أيّ يقين حول حدود العلم والخيال والتجارة في هذه المسائل التي لا يزال يكتنفها بعض الغموض، على أن النقاش يجب أن يتواصل في كل الأحوال بين الفلاسفة والعلماء والمشرعين والسياسيين، وصولًا إلى عموم المواطنين، طالما أن النتائج الأولية قد ترى النور قريبًا، وبالتالي ستجد المجتمعات كافة نفسها أمام تحديات غير مسبوقة. لكن كيفما كانت النتائج الأولية التي ستظهر في الأجل المنظور، يبقى هناك سؤال مبرر.

ما السؤال؟

بعد أن يخضع الإنسان لقدر معين من التحسين الوراثي والبيوتقني، والذي قد يبلغ مع مرور الوقت وتراكم الخبرات درجة التعديل الجزئي أو الكلي، وبحيث يتحرّر الإنسان جزئيًّا أو كليًّا من تجارب الألم، والمرض، والشيخوخة، وقصر الحياة؛ فإنّ السؤال الذي سيفرض نفسه لا محالة هو التالي:

هل ستبقى هناك حاجة إلى فلسفات العيش؟

لمزيد من تبرير السؤال، نضيف ما يلي: قد يشهد معدل عمر الإنسان طفرات كبيرة، وقد يتراجع الموت بعشرات السنين، أو مئاتها حسب بعض التقديرات، وصولًا إلى ما تسميه تقديرات أخرى بـ”الخلود الرقمي” أو نحو ذلك، والحال كذلك، فإن كانت فلسفات العيش تهتم بتنمية القدرة على تقبل الألم، والمرض، والموت؛ فمعنى ذلك أن الحاجة إليها قد تتراجع في المستقبل المنظور! ومن يدري؟ قد نعود حينها إلى “شائعة موت الفلسفة”!

لعل الأمر يتعلق بفرضية معقولة كما يبدو، بيد أننا بعد اختبارها نحصل على نتائج داحضة، وبوسعنا أن نبسطها على النحو التالي:

أولًا: بصدد الألم، يصور “شوبنهاور” الحياة مثل رقاص الساعة الذي يتأرجح دومًا بين الألم والملل، فما إنْ يتخلص الإنسان من الألم حتى يتربص به الملل الذي ينبع أساسًا من كون الحياة بلا معنى. بالنسبة لـ”شوبنهاور” فإن الملل هو لحظة الحقيقة المؤلمة، والدليل الأكبر على أن الحياة بلا معنى. معنى ذلك كله أن اختفاء الألم -إن أمكن ذلك في المستقبل- سيفاقم من معضلة الملل، التي قد تصبح بمثابة المعضلة الأساسية بالنسبة لفلسفات العيش، لا سيما مع إطالة عمر الإنسان وفق مجمل التقديرات.

ثانيًا: بصدد المرض، إن كان التخلص من أمراض الجسد ممكنًا، مع أن النصر لن يتحقق سوى بنحو متدرج وطويل الأمد؛ إلّا أن أمراض الكينونة التي تمثل مصدر شقاء الإنسان سترافق النوع البشري إلى أجل غير مسمى، من بينها سطوة الملل والندم والحنين والشعور بالذنب، فضلًا عن سطوة الخوف والغضب والكراهية، وهي أمراض لا تعالج بالتعديل الوراثي، أو التحكم الرقمي، أو ما شابه ذلك؛ لأنها تتعلق بأسلوب الحياة. ومع إطالة العمر، سيحتاج الإنسان أكثر إلى مهارات التعامل مع الملل والأمل والندم والحنين، حتى لا تطغى عليه فيفقد بالتالي القدرة على الحياة.

ثالثًا: بصدد الموت، يعتقد معظم فلاسفة العيش أن دور الفلسفة أن تعلمنا كيف نموت، لا سيما في سياق وجود عرضي وحياة قصيرة، إلا أن “الانتصار” على الموت، والذي سيبقى جزئيًّا إن كان ممكنًا، من شأنه أن يجعل من تعلم الموت أولوية بالغة الأهمية بالنسبة لإنسان المستقبل. كيف ذلك؟ بقدر ما ستكون مضاعفة عمر الإنسان أمرًا ممكنًا باللجوء إلى وسائل طب المستقبل، وتقنيات النانو، والذكاء الاصطناعي، وما إلى ذلك؛ يجب على الإنسان -في المقابل- أن يكون قادرًا على رسم حدود الرغبة في البقاء بنفسه، بحسه، وبحدسه، وأن يقول في اللحظة المناسبة: “هذا يكفي”، وذلك حتى لا يصبح ثمن البقاء على قيد الحياة هو الحياة نفسها. يتعلق الأمر بالقدرة على التحكم في القدرة، وهنا يكمن المعنى الحقيقي لمفهوم القدرة على الحياة.

معنى ذلك أن الموت الرّحيم بدلالته الواسعة، قد يندرج ضمن استراتيجيات فن العيش في حضارة المستقبل. ففي اليوم الذي لن تحدد فيه الطبيعة البشرية للإنسان مواعيد انصرافه عن الحياة، بحيث سيمنحه العلم بدائل أخرى لمواصلة البقاء، إلى أبعد الحدود الممكنة أحيانًا، وإلى ما وراء حدود الحياة والموت في بعض الأحيان، طالما سيتجه المنحى تدريجيًّا نحو الاستبدال بالأعضاء البشرية، أعضاء اصطناعية، وأجهزة رقمية، وروبوتات نانوية، وفقًا لمجمل رهانات مشاريع “الإنسانية المتحولة”؛ ففي تلك اللحظة بالذات يجب أن يكون الإنسان قادرًا على تحديد لحظة انصرافه عن الحياة. بحيث مهما بلغ نجاح العلم في إطالة عمر الإنسان، ستأتي لا محالة لحظة تصبح فيها البدائل الباقية مجرّد استنزاف لطاقة الحياة، قيمة الحرية، وكرامة الإنسان، اللهم إذا تعلق الأمر بـ”موت مختلف”. مثلًا، قد يكون نجاح المرء في التحول جسديًّا أو عقليًّا إلى جهاز آلي، مجرّد موت غير معلن، لكن، لأنه موت غير معلن، فإنه قد يطيل من مشاعر الحزن والأسى والذنب والحنين، وقد يؤبدها، لدى سائر الأحبة الأحياء.

اكتساب القدرة على تقبل الموت، وفق تعاليم سقراط وأفلاطون وأبيقور وسينيكا ومونتين، وصولاً إلى ديريدا في آخر حواراته؛ ستغدو قدرة من بين القدرات الأخلاقية الأساسية بالنسبة لإنسان المستقبل، بل ستغدو جزءًا من قواعد السلوك المدني، لا سيما عندما يصبح الخط الفاصل بين الحياة والموت باهتًا أو ممسوحًا.

يبقى الرهان على العلم ضروريًّا في كل الأحوال، لكن العلم له حدود يتوقف عندها بالضرورة، ولو مؤقتًا أو إلى حين، وهو ما يبرر حاجة الناس إلى فلسفات العيش لكي يتعلموا لا العيش مع الخيبة فحسب، طالما “لكل شيء إذا ما تم نقصان”؛ بل العيش بفضل الخيبة طالما أن التخلص من سطوة الأمل يمثل فرصة سانحة للعيش النبيل.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram