ثقافة وفن

هند رستم .. فام فاتال السينما المصرية

حينما تحاول أن تفكر في مثالاً للأنوثة الطاغية والمرأة الجميلة الفاتنة والمغوية والفتاكة أحياناً في السينما العربية، لا يمكنك التفكير سوى في هند رستم، ومهما حاولت وفتشت في تاريخنا السينمائي الضخم الذي يتجاوز المائة عام عن من ينافسها في هذه المكانة سواء من جيلها أو الأجيال التي سبقتها أو لحقتها، وحتى الآن لن تجد ما يمكنه أن يتربع على العرش مكانها أو يشاركها فيه أو ينتزعه منها، رغم قيام بعض الممثلات المعاصرات لها بأداء أدوار الإغواء خلال مسيرتهن السينمائية مثل هدى سلطان في (إمرأة في الطريق) و(سواق نص الليل)، أو نادية لطفي في (الإخوة الأعداء) و (قاع المدينة) و(أبي فوق الشجرة)، وغيرهن. لكن تظل هند رستم هي رمز الأنوثة والغواية والمعادل المصري للـ(فام فاتال) أو المرأة المُهلكة كما تصطلح عليها السينما الأمريكية.

منحتها الصحافة ألقاب مثل ملكة الإغراء ومارلين مونور الشرق، ليس فقط بسبب أداء أدوار الإغراء التي أدتها، ولكن أيضاً لحضورها الأنثوي الطاغي في كل شخصية قامت بتمثيلها على الشاشة مهما كانت طبيعتها، ومع ذلك فإن حصر تاريخها الفني في هذه الأدوار هو ظلم فادح لموهبتها التي حاولت على مدار مسيرتها صقلها وتنويعها في محاولة للتخلص من هذا اللقب الذي طاردها وكرهته، وإثبات موهبتها وقدرتها على تقديم شخصيات مختلفة.

هند رستم
هند رستم

كانت الطبيعة سخية مع هند رستم فوهبتها المقومات الشكلية للمرأة الجميلة الساحرة التي سهلت لها دخولها إلى عالم السينما، وهو العنصر الذي يُعول عليه كثيراً وحتى وقتنا الحالي في دخول كثير من الممثلات إلى الفن، منهن من استطاعت أن تثبت أنها ذات موهبة حقيقية وأخريات اكتفين بجمالهن، فضلاً عن خفة ظلها وتلقائيتها وعدم افتعالها. لكن أهم ما دعم هند رستم وساعد في نجاحها كممثلة، هو ذكائها الفني الذي جعلها تدرك جيداً إمكانياتها، وتطمح في اختبار موهبتها وقدراتها، بالابتعاد عن النجاح السهل الذي أهله لها شكلها، واختيار أدوار مختلفة ومؤثرة في أعمال هامة، مهما كانت طبيعة الدور ومساحته على الشاشة، رغبةً منها في طرح نفسها كممثلة جديرة بالمهنة التي دخلتها بمحض الصدفة بفضل جمالها.

هند..الفتنة المُهلكة

ارتبط ظهور مصطلح فام فاتال (Famme Fatale) بظهور نوع الفيلم نوار في السينما الأمريكية في الأربعينيات، وهي عبارة فرنسية تعني المرأة المُهلكة أو المُدمرة، التي تتصف بكونها شقراء بالأساس وجميلة إلى حد الفتنة، تسحر الرجال الذين يحيطون بها، وتستخدم جمالها في إغواء البطل للإيقاع به وتحقيق غرضها الشرير، أو غرض الشرير الذي يسيطر عليها.

وحدها هند رستم التي استطاعت تقديم دور الـ(فام فاتال) في السينما المصرية بالشكل المثالي، بجانب ممثلات آخريات لكن بقدرة أقل من هند، ربما لأنها كانت ممثلة تنطبق عليها مواصفات المرأة “المُهلكة” كما وضعتها السينما الأمريكية بجمالها الأوروبي، وأنوثتها الطبيعية، وأدائها غير المتكلف، كما أنها صاحبة الرصيد الأكبر بأفلام قدمت فيها هذا الدور بتنويعات مختلفة.

هند رستم في صراع في النيل
هند رستم في صراع في النيل

من هذه الأفلام (صراع في النيل) إخراج عاطف سالم، والذي تجري أحداثه على سطح أحد الصنادل المبحرة في النيل من أحد قرى الأقصر إلى القاهرة، وهو تجربة سينمائية جديدة من نوعها في ذلك العصر، حيث تدور معظم أحداث الفيلم على سطح الماء. تحاول الراقصة نرجس (هند) إغواء محسب (عمر الشريف) الشاب القروي الساذج لتسهل على العصابة، التي تنتمي إليها، فرصة سرقة ماله، لكنها تقع في غرام ابن عمه القوي مجاهد (رشدي أباظة) الذي يقف لها بالمرصاد.

أيضاً فيلم (رجال في العاصفة) إخراج حسام الدين مصطفى التي أدت فيه شخصية الـ(فام فاتال) التي تعمل لحساب صديقها المجرم (محمود المليجي) لسرقة أموال عامل التحويلة العجوز (حسين رياض) التي تتزوجه، ولكنها تقع في حب زميله الشاب أحمد (رشدي أباظة)، وتحاول إغوائه ليقتل زميله العجوز حتى يخلو لهما الجو.

قدمت أيضاً دور المرأة المُهلكة في أفلام (رجل بلا قلب) إخراج سيف الدين شوكت، و(الأخ الكبير) إخراج فطين عبد الوهاب، و(نساء وذئاب) إخراج حسام الدين مصطفى، وكانت تؤدي فيها أدوار المرأة التي تغوي البطل من أجل الانتقام لأخيها القتيل، أو الرجل الذي خدعها وهجرها، أو حبيبها الذي تسبب في موت ولدها.

الممثلة المغامرة

امتلكت هند رستم شخصية عنيدة مغامرة جعلتها تضع نفسها في تحديات تراهن فيها على بوصلتها الداخلية التي كانت تعتمد عليها من أجل إثبات قدراتها. فبعد أن نالت عدد من أدوار البطولة، في بداية مشوارها الفني، على يد المخرج حسن الإمام الذي  أعجب بموهبتها، ووقع معها عقد احتكار وأسند لها بطولة أفلامها الأولى (اعترافات زوجة – 1954)، (بنات الليل – 1955)، و(الجسد – 1955)، رأت أن هذه الأدوار التي تشابهت كثيراً في تفاصيلها لا تُظهر كامل إمكانيتها، وعندما عرض عليها سيناريو فيلم (رُد قلبي) للمخرج عز الدين ذو الفقار لتقوم فيه بدور الراقصة، وهو ليس دور البطولة، غامرت بعقدها وعلاقتها بأستاذها لأن السيناريو والدور أعجبها، ما تسبب لها في قطيعة مع حسن الإمام امتدت لخمس سنوات.

اختيار هند رستم أدوار ثانية بعد أدوار البطولة هو ذكاء وجرأة فنية قلما اتصفت بيه قريناتها في ذلك العصر وحتى وقتنا الحالي، اللائي لم يمتلكن الجرأة عن التراجع عن أدوار البطولة في أفلامهن مهما كانت جودة وأهمية الأدوار الصغيرة التي عرضت عليهن، فهن يعدن ذلك تراجع عن مكانتهن وتقليل من شأنهن، إلا أن هند رستم كانت تولي اهتمامها للسيناريو، ولطبيعة الشخصية أولاً قبل أي شيء.

لقطة من فيلم بين السما والأرض
لقطة من فيلم بين السما والأرض

كررت هذه التجربة في عدد من الأفلام الهامة مثل فيلم (بين السماء والأرض) إخراج صلاح أبو سيف، والذي كان بطولة جماعية لعدد من الفنانين، وفيلم (لا أنام) إخراج أبو سيف أيضاً وبطولة فاتن حمامة، وأدت فيه دور صديقة البطلة التي تعجب بأبيها وتتزوجه من أجل المال بينما تربطها علاقة بشاب آخر (رشدي أباظة) تخون زوجها معه. وكان اختياراً مغامراً أيضاً بالنسبة لها لكونه دوراً شريراً، في حين أن زميلاتها كن لا يحبذن أداء مثل هذه الأدوار حتى لا يكرههن الجمهور.

من ضمن المغامرات القوية التي تحسب لهند رستم أيضاً قبولها التمثيل في أفلام مختلفة بعيدة عن التيار السائد الجماهيري الذي يضمن إيرادات شباك التذاكر، مثل (بين السماء والأرض) الذي تدور أحداثه في مكان واحد، حيث يتعطل أسانسير أحد العمارات الكبرى في القاهرة ،وعلى متنه خمسة عشر راكباً من طبقات وأطياف مختلفة من الشعب المصري، وقامت فيه هند بدور ممثلة مشهورة كانت ذاهبة لتصوير فيلم على سطح البناية. في هذا الدور تتحول هند بتلقائية شديدة ودون افتعال من ممثلة تتعامل بتأفف وارستوقراطية، وتتحدث بلغة مشوبة ببعض الكلمات الفرنسية إلى ابنة البلد الجدعة التي تساعد المرأة الحامل في ولادة طفلها داخل الأسانسير.

وبالطبع لا يمكن أن ننسى (هنومة) في (باب الحديد) إخراج يوسف شاهين، الذي كان جديداً في حكايته وشخصياته ومكان أحداثه، الأمر الذي أدى إلى فشله فشلاً ذريعا في شباك التذاكر، لكنه أصبح أحد علامات السينما المصرية، وصارت (هنومة) بائعة الكازوزا أهم دور أدته هند رستم على الإطلاق.

فيلم نساء وذئاب
فيلم نساء وذئاب

كثير من الفنانات ابتعدن عن أدوار الأم، وظلن يؤدين أدوار الفتيات الصغيرات حتى تجاوزون الخمسين عاماً، لكن هند رستم تخطت هذا الحاجز، ولم تجد أي غضاضة في أن تؤدي أدوار الأمومة في عدد من الأفلام وهي لم تتجاوز الثلاثين عاماً، والأكثر جرأة هي أن تؤديه لشاب يصغرها بسنوات قليلة مثل حسن يوسف في أفلام مثل (نساء وذئاب – 1960) إخراج حسام الدين مصطفى، (شفيقة القبطية – 1962) و(امرأة على الهامش – 1963) إخراج حسن الإمام، وتقمصت الشخصية ببراعة لدرجة إنك لا يمكنك إلا أن تصدقها وتتماهى مع مشاعر حبها لابنها وشغفها به وألمها وحزنها عليه.

هند..والطريق إلى الاعتزال

في آخر الستينات ومع حلول السبعينات لم تقدم هند رستم أفلام هامة أو أدوار مختلفة في الغالب عن أدوار الأم، كانت معظم أعمالها متشابهة إلى حد كبير، ولا يكد فيلم منهم يترك أي أثر في الذاكرة، فقد كانت السينما في هذه الفترة متأثرة بنكسة 67، وكان هناك اضمحلال في الانتاج السينمائي بشكل عام.

ومع ظهور أجيال جديدة في السينما بقيم جديدة وطريقة مختلفة في التعامل مع المهنة والشهرة والنجومية، وجدت هند رستم أنه من الصعب عليها الاحتفاظ بالبطولة والصدارة، ولم يتمكن كبريائها من تقبل التغيرات الجديدة أو أن يوضع اسم ممثلة أخرى قبلها على أفيش وتترات الفيلم، وقررت الاعتزال وهي في عز نضجها الفني.

كانت شجاعة كبيرة من هند رستم أن تعتزل الأضواء والفن وهي لم تتجاوز الخمسين من عمرها، لكن هذا القرار الذي كان بسبب كبريائها وعزة نفسها بالأساس ورفضها التخلي عن مكانها، قد حافظ على حضورها الطاغي في العقل الجمعي المصري بنفس الصورة الفاتنة التي استمرت لما يقرب من ثلاثين عاماً هي عمر مشوارها الفني.

لم تكن هند رستم تحتاج إلى افتعال الدلع أو ارتداء ملابس كاشفة حتى تؤدي أدوار الأغراء، فكانت فساتينها تشبه إلى حد كبير فساتين غيرها من ممثلات جيلها، كان يكفيها فقط أن تفهم طبيعة الشخصية التي تقدمها، وتقوم بتجسيدها بكل بساطة على الشاشة، وبرغم تقديمها كثيراً لأدوار الراقصة أو المرأة التي تدفعها الظروف لتتحول إلى راقصة أو فتاة ليل، وهو النموذج المفضل للمخرج حسن الإمام الذي يملك نصيب الأسد من مسيرتها الفنية، إلا أن هند رستم استطاعت التنويع في أدوارها ونوعية أفلامها، فشاركت في أفلام كوميدية وأفلام جريمة وميلودراما وواقعية، وقدمت العديد من الأدوار المختلفة بسلاسة وتلقائية الممثلة الموهوبة التي تدرك إمكانيتها وقدراتها وتجتهد لتنميتها.

اقرأ أيضا: شيء من القهر.. سينما تبيع الحب ولا تُنصف النساء

أروى تاج الدين

ناقدة سينمائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى