"هنّ في الجائحة"

عزل وخصم وفصل تعسّفي

داخل حجرتها القديمة، جلست “شيرين السعيد” – اسم مستعار- تستدعي ذكرياتها في منزل أسرتها بالإسكندرية (شمال مصر) الذي تركته قبل نحو 5 سنوات، وانتقلت للعمل والإقامة في القاهرة.

قبل سنوات عدة، قررت الشابة العشرينية، خوض تجربة الاستقلال عن الأسرة، وبدء حياة جديدة بعيدًا عن الأهل، وبالفعل نجحت في تجربتها، وحصلت على وظيفة مسئولة متابعة في إحدى شركات الدعاية والتسويق، إلى أن أتت جائحة كورونا لتقلب الموازين، وتُعيدها مضطرة إلى منزل الأسرة الذي فارقته بملء إرادتها.

بدأت مشكلة “شيرين”، كما تروي لـ”ذات مصر”، يوم أن طلبت من إدارة الشركة أن تستمر في عملها من المنزل، خاصةً وأن عملها يعتمد بشكل أساسيّ على إعداد التقارير والمراسلات الإلكترونية، لكنّ مديرتها رفضت الطلب بشكل تام، رغم اعتماد عددٍ من المؤسسات على نظام “العمل من المنزل” ضمن خطة التباعد الاجتماعي الهادفة للحدّ من انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

علّلت المديرة رفضها طلبَ “شيرين” بقولها: “إنتي عايشة لوحدك ومعندكيش حد تخافي عليه، والمرض دا خطر على كبار السن فقط ولا خطورة منه على الشباب”.

وفي حين أصدر رئيس الحكومة المصرية الدكتور “مصطفى مدبولي” قرارًا بفرض حظر تجوال جزئي، في الـ24 من مارس الماضي؛ إلا أن مديرة “شيرين” رفضت تعديل مواعيد انصرافها لتتناسب مع الإجراءات الحكومية الجديدة، وطلبت منها أن تمكث وقتًا إضافيًّا بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية، بحجة أنها تعيش بمفردها ولا داعي لأن تذهب للبيت مبكرًا.

بعد أيام قليلة من فرض حظر التجوال، ذهبت “شيرين” لتقضي عطلة نهاية الأسبوع برفقة أهلها، وعند عودتها تفاجأت بعدم وجود حجز على متن رحلات القطار العائدة مطلع الأسبوع التالي، فطلبت من مديرتها مجددًا أن تستكمل العمل من المنزل، خاصةً بعد إلغاء حملات الدعاية المخطط لها بسبب انتشار فيروس كورونا، وبالفعل وافقت المديرة على الطلب الجديد.

لم تكن تلك الموافقة سوى مراوغة إدارية، فبعد وقت قصير من تسليم “شيرين” للتكليفات الخاصة بها، تلقت اتصالًا من موظف بإدارة الموارد البشرية يبلغها بأنها قد حصلت على إجازة إجبارية بدون راتب لمدة شهر. وعلى الفور سارعت الفتاة العشرينية للاتصال بمديرتها التي فاجأتها بالرد: “لما يكون في شغل هنبلغك متكبريش الموضوع”، قبل أن تقوم بحذفها من كافة المراسلات ومجموعات الاتصال الخاصة بالعمل، وتتوقف تمامًا عن الإجابة على اتصالاتها.

استلمت “شيرين” راتبها عن شهر مارس بعد خصم الأيام التي عملتها من المنزل رغم تسليمها كامل المهام، ولم تتمكن من إيجاد عمل آخر نتيجة الأزمة التي خلّفها فيروس كورونا المستجد، فاضطرت للعودة إلى منزل الأسرة بالإسكندرية بعد 5 سنوات من الاستقلال، لعدم قدرتها على تحمل مصروفات السكن في ظل الظروف الحالية.

تقول “شيرين”: “لو دفعت الشهر ده مش هعرف أدفع اللي جاي، وأنا مش واخدة مرتبي كامل، ومفيش شغل أقدر أقدم عليه دلوقتي.. ومش قادرة أصدق إني بعد 5 سنين أرجع لبيت أهلي ومبقاش عارفه أساعدهم ولا أشيل نفسي، الوضع دا غريب عليا ومحصليش من وأنا صغيرة”.
تبرر “شيرين” استغناء الشركة عنها بأن الشركة تمر بفترة ركود جراء الأزمة الحالية، وأن الإدارة ربما اعتبرت راتبها “عبئًا في هذه الفترة” بعد توقف حملات الدعاية والتسويق، أو ربما لأنها موظّفة جديدة لم تُكمل شهرها الخامس في العمل، فكان “من الأسهل التضحية بها”، بينما لا يزال باقي الفريق على قوة العمل.

تهديد خطير للمرأة

يَعتبر المجلس القومي للمرأة (مؤسسة مصرية رسمية منوط بها النهوض بأوضاع النساء) أن الأزمة الحالية تمثل “تهديدًا خطيرًا لمشاركة المرأة في الأنشطة الاقتصادية”، وبالأخص في القطاعات غير الرسمية التي تُشكل العمالة النسائية غير الزراعية حوالي 41% منها، إضافةً إلى أن ما يقرب من 34% من عمالة الإناث هي “أعمال هشة”.

ويوضّح المجلس في ورقة السياسات التي أصدرها ضمن خطة الاستجابة السريعة لوضع المرأة أثناء تفشي فيروس كورونا، مطلع أبريل الجاري، أن النساء أكثر عرضةً للانخراط في وظائف قصيرة المدى أو بدوام جزئي أو الأجور المنخفضة أو برامج التأمينات المعاشية والصحية الفقيرة وغيرها من التحديات التي تجعل من النساء الفئة الأكثر تضررًا من الانكماش الاقتصادي الناتج عن الأزمة الراهنة، لذا فأزمة كورونا لا تُمثل أزمة صحية فحسب، بل أزمة اقتصادية وتوظيفية يمكن أن تؤثر “اضطراباتها -بما في ذلك القيود المفروضة على الحركة- على قدرة المرأة على كسب الرزق وتلبية احتياجات أسرتها الأساسية”، خاصة وأن 18.1% من النساء هن معيلات لأسرهن.

نصف الراتب أو لا شيء

مع بدء انتشار فيروس كورونا في مصر، كانت “آلاء محمد” لا تكفّ عن التفكير في أسرتها، في حين تملّكها قلق من أن تكون سببًا في نقل العدوى لهم، بسبب خروجها لعملها كمسئولة وحدة بحثية بإحدى منظمات المجتمع المدني المعنية بالشباب.

مع بدء اتخاذ الحكومة المصرية إجرءات لتشجيع التباعد الاجتماعي، والحد من انتشار فيروس كورونا؛ قررت “آلاء” أن تعمل لمدة أسبوع من المنزل، لا سيما وأن عملها يغلب عليه الطابع البحثي الذي لا يتطلب حضورها إلى مقرّ المنظمة، ورغم تسليمها للتكليفات المطلوبة منها خلال فترة عملها من المنزل، فوجئت “آلاء” بخصم تلك الفترة من راتبها، وهو ما برره مديرها بتغيبها عن الحضور للمقر.

تُضطر “آلاء” إلى ركوب 4 مواصلات يوميًّا من وإلى العمل، ومع تخوّفها من التقاط عدوى كورونا واعتراضها على استمرار العمل بالطريقة القديمة نفسها، أبلغها مديرها بالموافقة على طلبها بالعمل من داخل المنزل شريطة أن تسلم التكليفات المطلوبة منها، وأن تتقاضى نصف الراتب فقط.

اعترضت مسئولة الوحدة البحثية على طلب مديرها، وأبلغته بأن المنظمة ستتسلم 100% من العمل المطلوب، فلماذا تقبل بخصم 50% من راتبها، لكن المدير اعتبر أن الفارق ستوفره “آلاء” من مصروفات الطعام والمواصلات التي تُنفقها أثناء الذهاب للعمل.

عرضت “آلاء” على الإدارة العمل من المنزل وأن تتسلم حوالي 80% من راتبها، إذا كان هناك إصرار على الخصم من الراتب، لكن عرضها قوبل بالرفض التام وأُبلغت بالرد: “يا إما النص يا بلاش”، لتخسر وظيفتها ومصدر دخلها الرئيس، فقط بسبب رغبتها في الحفاظ على صحتها وصحة أسرتها.

تقول “آلاء” إن إدارة المؤسسة تعاملت بانتهازية واستغلال للظرف الحالي، وكانت تتصور أنها ستقبل بتخفيض نصف راتبها لأنها بحاجة للعمل في ظل تراكم المسئوليات على عاتقها، وعدم قدرتها على الاستغناء عن العمل في الفترة الحالية. مضيفةً أن رب العمل برر لهم سلوكه بقوله: “مش هدفع 15 ألف جنيه (950 دولارًا) إيجار ومحدش يحضر”.

النساء أكثر تضررًا

تشير الصحفية البريطانية “هيلين لويس” في مقالها “فيروس كورونا كارثة للنسوية” الذي نشرته مجلة “ذي أتلانتيك” في مارس الماضي، إلى أن التاريخ أثبت أن الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الأوبئة تؤثر سلبًا على النساء أكثر من الرجال، مستدلّة بتأثيرات أوبئة مثل إيبولا الذي ضرب ثلاث دول إفريقية عام 2014، وزيكا في 2015، إضافة إلى الفيروسات الحديثة مثل إنفلونزا الطيور والخنازير وسارس، التي اتفق الأكاديميون الذين عكفوا على دراستها على أنها جميعًا أسفرت عن تأثير عميق وطويل المدى فيما يخص النوع الاجتماعي.

وتُدلل “لويس” على نظريتها بحديث “جوليا سميث”، الباحثة بجامعة “سيمون فريزر”، لـ”نيويورك تايمز” الذي توضح فيه أن تفشي فيروس إيبولا أثر على دخل الجميع في غرب إفريقيا، “لكنّ دخل الرجال عاد إلى ما كان عليه قبل تفشي المرض أسرع من دخل النساء”.

ويُشير تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2020، إلى أن أوضاع النساء لا تزال هي الأكثر هشاشة، خاصة في مصر التي تحتوي على فجوة جندرية فيما يتعلق بالمشاركة الاقتصادية، جعلت مصر في المركز 134 من أصل 153 دولة على مؤشر التقدم نحو المساواة بين الجنسين.

ويُفيد التقرير بأن نسبة البطالة النسائية هي 23.16% مقابل 8.38% بين الرجال من إجمالي نسبة البطالة في مصر، بالإضافة إلى أن نسبة العاملات بدوام جزئي هي 21.24% مقابل 11.77 للرجال من الفئة نفسها، مما يعني أن فقدان النساء وظائفهن أثناء فترة انتشار فيروس كورونا يعني اتساعًا أكبر في الفجوة بين الجنسين في سوق العمل.

عزل إجباري بدون راتب

في مدينة بورسعيد (شمال شرق مصر)، وبينما كان الجميع يستعد لاستقبال موجة الطقس السيء بعد التحذير من إعصار قوي يضرب مصر، 12 مارس الماضي، كانت إدارة إحدى الأكاديميات التدريبية الدولية تضع اللمسات النهائية على قرار الاستغناء عن 35 موظفة بها، دفعةً واحدة.
قبل يوم الإعصار، وافقت الأكاديمية التي يقع مقرها مباشرة على ساحل البحر المتوسط، على منح الموظفات إجازة لمدة 3 أيام دون أن تُبلغهن بأنها ستُخصم من رصيد الإجازات، بالمخالفة لقرار الحكومة المصرية الذي نصّ على منح إجازة رسمية لجميع القطاعات بسبب سوء الأحوال الجوية وقتها.

بعد إصدار قرار إجازة الأيام الثلاثة، طلبت مديرة فرع الأكاديمية من الموظفة “آية العدوي” أن تُعلق منشورًا رسميًّا بالإجازة للموظفات، وما إن عُدن حتى اكتشفن أن الإجازة كانت على حسابهن الشخصي.

اعترضت الموظفات على القرار الإداري للأكاديمية، مستندات إلى القرار الحكومي الخاص بالإجازة الرسمية، ليتفاجأن بقرار جديد من الإدارة بمنحهن إجازة إجبارية لمدة أسبوعين بدون راتب، تماشيًا مع إجراءات التباعد الاجتماعي والعزل الصحي، كما تقول “آية”.

تُضيف المديرة الأكاديمية السابقة أن الموظفات اعترضن مجددًا، وكانت لديهن حالة سخط عام بسبب تأخر استلام رواتب الشهور السابقة، فقمن بإنشاء مجموعة على تطبيق “واتساب” للتواصل الاجتماعي، وأضفن فيها مالك المؤسسة ليعرضن عليه الأمر، ويطلبن منه التدخل ومساعدتهن، لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، ففاجأهن المالك نفسه برده الحاد عن الركود في العمل، وخسارته المادية في الشهر الماضي، رغم أن الركود هذه الفترة معتاد في عملهن بالنسبة لفترة ما قبل رمضان بالإضافة للظرف الحالي، ثم أبلغهنّ بأن الفريق بالكامل مفصول من العمل.

بعدها شعرت الفتيات بالذنب إذا تركن العمل أثناء استمرار الفصل التدريبي الجاري، ومسئوليتهن تجاه الأطفال الملتحقين بالتدريبات، فقررن محاولة العودة للعمل، خاصة بعد إبلاغهن من قبل المديرة أن من تريد العودة يمكنها ذلك، وبالفعل وافقن على العودة للعمل، لكن لم يتمّ التواصل معهن بأي شكل من قبل الإدارة، وفي الوقت نفسه فوجئن بإعلان منشور على صفحة المؤسسة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” عن استمرار التدريبات ولكن عن بعد، في الوقت الذي لم يتمّ فيه تنسيق العمل والمناهج معهن.

تتابع “آية”: وقتها عرفنا أننا اترفدنا بالفعل، خاصة بعد محاولة التواصل مع الإدارة، وعدم تلقي أي رد لأيام، إضافة إلى وصول معلومات لنا بأن المؤسسة سلمت إحدى الوحدات الخاصة بتدريب الأطفال للفندق المستأجر منه مقر المؤسسة.

وتُكمل: بعد التأكد من الفصل التعسفي، حاولت الموظفات الحصول على رواتبهن بالرجوع إلى المدير المالي للمؤسسة، لكنهن تسلمن الرواتب تنقصها البدلات وساعات العمل الإضافية. وبعد مماطلات كثيرة وتسويف من الإدارة، ردت “انتوا اعترضتوا وإحنا بناء عليه اعتبرناها استقالة وقبلناها”.

لجأت “آية” إلى نشر القصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومع انتشارها وتداولها على نطاق واسع، تواصلت معها الإدارة وسلمتها المبالغ المستحقة.

تشعر “آية” حاليًّا بأسف شديد لما حدث، خاصة وأنها كانت تصبّ كل طاقاتها العلمية والعملية في تلك المؤسسة بعد أن تركت عملها السابق في إحدى المدارس الدولية، وتخلّت عن عملها الخاص ووجّهت جميع أولياء الأمور الذين كانوا يطلبونها لتدريبات خاصة لأطفالهن إلى الالتحاق بالمؤسسة، إيمانًا منها بأن نجاحها الشخصي مرتبط بنجاح المكان الذي تخلّى عنها بمنتهى السهولة، وقام بالتضحية بـ35 من زميلاتها بجرة قلم. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبتها

إسرا صالح

صحفية مصرية مهتمة بقضايا المرأة

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search