هوس الشراء "أونلاين"

تخفيف وهميٌّ من ضغوط كورونا النفسيّة

تفتح الفتاة الثلاثينية باب منزلها لمندوب التوصيل من إحدى شركات الشحن لاستلام الطلب الخاص بها، “تي شيرت” طلبته من أحد المحلات “أونلاين”، دفعت المبلغ المطلوب ثم اتجهت لغرفتها لفتح الطلب، فوجدت قميصًا في دولابها اشترته الأسبوع الماضي بنفس التصميم واللون تقريبًا، لتدخل في دائرة من الحزن تُصيبها بعد كل عملية تسوّق غير ضرورية.

“أميرة ماهر”، مهندسة مصرية، تبلغ من العمر 33 عامًا، تهوى التسوق بجميع أنواعه، وخاصة تسوق الملابس والمستلزمات الخاصة بالعناية بالبشرة والشعر، ولكن الهواية تحولت إلى إدمان بعد التزامها بالحجر المنزلي في ظل تفشي وباء كورونا.

تحاول “أميرة” السيطرة على لجوئها المتكرر للشراء الإلكتروني، لكن كل محاولاتها للتعافي تنتهي بعودتها مجددًا للشراء والتسوق من جديد. تقول لـ”ذات مصر”: “أنا مكنتش كده من زمان، أول مبدأت أشتغل في شغل خاص وبمرتب معقول من 3 سنين، بدأت أقدر أجيب حاجات نفسي فيها ومحتاجاها فعلًا، زي لبس وأدوات عناية بالبشرة والشعر، وده كمان علشان مظهري في الشغل، وكنت بنزل أشتري بنفسي اللي محتاجاه، وبعد شوية لقتني بنسحب للأونلاين شوبينج”.

المهندسة الشابة والأم لطفلة تبلغ من العمر عامين ونصف العام، تصف رحلة تحوّل التسوق بالنسبة لها إلى هواية قائمة بذاتها، فتقول: “قبل استقراري في العمل، وقبل سفر زوجي الطبيب للعمل بإحدى الدول العربية، كنت أشتري احتياجات المنزل واحتياجاتي الضرورية واحتياجات الطفلة فقط، وكانت المصاريف على القد، وكان هو المتحكم في المصاريف، بس ده اتغير بعد ما سافر وبقى فيه دخل زيادة وبقيت أنا اللي متحكمة في المصاريف”.

بدأت “أميرة” بتجديد خزانة ملابسها والبحث عن أسماء المحلات الكبرى، فكانت تتسوق في بداية الأمر من المحلات نفسها، ثم تحولت للتسوق إلكترونيًّا، حسب قولها، وفي خضم محاولتها للهروب من الضغوط النفسية الناجمة عن أزمة كورونا تحول الشراء إلى هوس حقيقي.

في تقرير لـدويتشه فيله بعنوان “الشراء القهري.. إدمان على التسوق قد يصعب التخلص منه”، تبيّن أن الأشخاص الذين يعانون من إدمان التسوق، يحتاجون إلى الدعم، بحسب البروفيسور “نينا رومانتشوك” زايفرت، كبيرة الأطباء النفسيين بمستوصف الطب النفسي والعلاج النفسي في مستشفى شاريته الجامعي في برلين، بجانب ضرورة اعترافهم بأنه مرضى ويحتاجون للعلاج.

الشراء لا يقضي على ملل الحجر.. وتبديد الأموال مصدر إحباط

الشعور بالسعادة عقب التسوق أمر تشعر به المرأة دائمًا، كما تقول “نوران ناصر”، فهي محبة لشراء أدوات المكياج والتجميل بكثرة، برغم أنها لا تستخدمها كثيرًا، ولكنه يسبب لها الإحساس بالبهجة.

السعادة المؤقتة التي ترافق عملية الشراء سرعان ما تتحول لدى “نوران” إلى شعور بحزن ومشاعر سلبية، لأنها أصبحت تشتري أشياء لا تحتاجها، وما ينجم عنه من تبديد للمال في ظل الأوضاع الاقتصادية التي فرضتها أزمة كورونا.

تقول “نوران” لـ”ذات مصر”: “الموضوع فعلًا بقى متعب، ومش عارفة أوقف، وبعد ما كنت ببقى فرحانة بالحاجة بحس بحزن على الفلوس اللي راحت في حاجات مش مهمة أو موجودة عندي، وبرغم الشعور ده لسه إيدي ما بطلتش تقليب في صفحات الأونلاين شوبنج، ولسه بحط حاجات في سلة المشتريات”.

وتضيف: “مرة جبت لابني ملابس من أمريكا ودفعت بكارت الفيزا 2000 جنيه عشان كان نفسي أجيب خامة جيدة تعيش معه، ولما الأوردر وصل دفعت عليه جمارك 500 جنيه، وفي الآخر لقيت الملابس صينية وموجود منها في مصر بربع التمن اللي دفعته. ومرة لقيت نفسي من غير ما أحس اشتريت 7 جزم في أسبوع وقبلهم بيوم واحد كنت جايبة 4”.

“نوران” تؤكد أن طلب التسوق الإلكتروني أصبح طقسًا مهمًّا بالنسبة إليها، خصوصًا مع فترة الحجر المنزلي، إذ إنها تدخل لتصفح المواقع وتشتري مجموعة جديدة من السلع التي تصفها بالمشتريات العشوائية، ما بين منتجات للشعر أو البشرة أو ملابس، وأيضًا أدوات تساعد في التمارين الرياضية من المنزل بهدف القضاء على الملل الناجم عن فترات العزلة الطويلة التي فرضها الفيروس.

لا ترى “نوران” أنها وصلت لمرحلة الإدمان، فهي حتى الآن تمارس عملية التسوق الإلكتروني كتعويض للأشياء الممنوعة، مثل الخروج والسفر وغيرها من الأمور التي فرضتها أزمة كورونا، والتي ساهمت أيضًا في رواج التجارة الإلكترونية.

ولكن يبدو أن محاولات التعويض النفسي الذي تهدف إليه لن تكتمل بسبب تجربة سيئة مرت بها الأسبوع الماضي: “أنا وجوزي طلبنا حاجات كتير كسرت الألف جنيه، وفضلنا شهر ونص بنتصل بخدمة العملاء علشان الحاجة توصل ومجتش في الآخر، وده غالبًا اللي هيخليني أعيد النظر في موضوع الشراء أونلاين”. أخيرًا استطاعت “نوران” اتخاذ القرار الصعب، والذي تحاول جاهدة منذ عام كامل تنفيذه، توقفت عن الشراء الإلكتروني، وتحاول إيجاد بدائل لتمضية الوقت في ظل الحجر.

التسوّق القهري يخلق سعادة زائفة.. ويحتاج إلى جلسات نفسية

الشعور بالسعادة المؤقتة ثم الشعور بالذنب بعد الوقوع في أزمات مالية عقب إهدار الأموال المخصصة للإنفاق على مستلزمات المنزل، شعور يلازم “منى عطا”، محاسبة بإحدى الشركات، والتي انتقلت مؤخرًا للإقامة مع زوجها بالقاهرة. تقول “منى” لـ”ذات مصر”: “جوزي نقل شغله من الإسماعيلية للقاهرة، وجيت معاه ونقلت لفرع الشركة هنا، بس للأسف لقيت نفسي لوحدي في مدينة جديدة من غير صحاب ولا حتى معايا طفل ممكن يشغل وقتي بعد الشغل، لأن جوزي بيقعد وقت طويل في الشغل”.

الانتقال للإقامة في مدينة جديدة دون صحبة وفي ظروف استثنائية متعلقة بالحجر المنزلي، دفع “منى” للبحث عن عالم جديد لها وجدته في عالم الشراء، لكنه تحوّل إلى “عالم مخيف” حسب وصفها بعد تسببه في صنع أزمات مالية أسفرت عن مشاكل مع زوجها الذي أصبح يراها “زوجة مبذرة”، وهو الاتهام الذي لا تستطيع إنكاره.

تقول “منى”: “بقيت مهووسة برندات، بما إني ما أعرفش أماكن المحلات هنا فبقيت بدور على أسماء المحلات الكبيرة أونلاين وأشتري منها، وبقيت أحس بالسعادة مش علشان اشتريت اللي محتاجاه، لا، علشان جبت من اسم البراند نفسه لدرجة إني بحتفظ بالأكياس، ولو مش معايا فلوس بدفع من كارت الفيزا اللي بستلف منه وأسدد للبنك”.

شراء الملابس والإكسسوارات وأدوات المطبخ والديكورات وغيرها من فئات المشتريات، تبحث عنه “منى” وتضعه في عربة التسوق وتطلبه بالفعل، لينتهي الأمر بشجار يومي مكرر مع زوجها الذي أصبح يرى أن الشراء المتكرر دون حاجة أثّر على حياتهم اليومية بالسلب، خاصة وأنها تشتري أشياء غير ضرورية، وهي أيضًا ترى الأمر نفسه، فينتهي الشجار بوعد منها بالتوقف عن تلك العادة، ولكنها تكررها في اليوم التالي بشكل لا إرادي.

الأخصائية النفسية كانديلا مولينا جوتيريز، منسقة مركز “سيبسيم” أحد مراكز العلاج النفسي في مدريد، تقول إن إدمان التسوق مرض بالفعل يجب التخلص منه، ويطلق عليه “التسوق القهري”، الذي يدفع الفرد للاتجاه بقوة نحو التخلص من الأموال وإنفاقها، وبعد إنفاق المال يشعر الفرد بالسعادة المؤقتة والقصيرة، مؤكدةً أن الأمر يحتاج متخصصين لتخطيه.

الدكتور “محمد سامي”، أخصائي الطب النفسي وعلاج الإدمان، يرى أن التسوق القهري مجرد عرض لأمراض أكثر خفاءً، فمن الممكن أن يكون عرضًا للوسواس القهري، أو لمرض الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، أو مرض الاكتئاب خصوصًا في ظل الأوضاع الحالية التي فرضتها أزمة كورونا، فيتجه الشخص للشراء بكثرة، حتى يصل الأمر للإدمان وفقدان السيطرة على إنفاق الأموال.

“سامي” يقول لـ”ذات مصر”، إن علاج مثل تلك الحالات يبدأ بالأدوية التي تندرج تحت مضادات الاكتئاب والمداومة عليها، والتي تعمل على علاج المرض الأصلي الذي يعاني منه المريض، والذي يتم تحديده في جلسة طويلة مع المريض والتحدث معه، وتحديد الجرعة المناسبة للعلاج، مع ضرورة اعتراف المريض بالأزمة، وسعيه لحلها.

الدكتور محمد سامي

وتابع أخصائي الطب النفسي وعلاج الإدمان: “بعد فترة يمكن اللجوء للجلسات النفسية التي يُجريها الطبيب مع المريض، حتى إتمام ما يطبق عليه كورس العلاج”، مشيرًا إلى أنه عند تحسن الحالة بالدواء يمكن الاستغناء عن الجلسات النفسية مع الطبيب.

نموّ مبيعات التجارة الإلكترونية 20% في الربع الأول من 2020

“مروة محمد”، ربة منزل، وأم لثلاثة أطفال، مقيمة في مدينة السادس من أكتوبر، تقول لـ”ذات مصر”، إنها كانت تشتري احتياجات المنزل بنفسها والتسوق مرة أو مرتين في الأسبوع، ولكن مع بداية الجائحة أصبحت تخاف على أطفالها وعلى نفسها وزوجها فاتجهت لشراء احتياجات المنزل “أونلاين” من المتاجر الكبرى.

تضيف “مروة”: “النزول من البيت بقى فكرة مرعبة لي وللولاد، بقيت بطلب حاجة البيت مرة في الأسبوع من كارفور أو سوق أو أي أبلكيشن من على الإنترنت، ووقت ما الحاجة بتوصل بقيت بعرف أعقمها كويس واتخلص من كل الأكياس، وبعمل ده في كل احتياجات البيت من خضار وفاكهة وبقالة وكل حاجة وده أضمن لي وللأولاد”.

في السابق كانت مروة تتحاشى شراء الملابس أونلاين، إلا أنها خلال عيد الفطر الماضي اشترت ملابس الأطفال من إحدى مجموعات بيع ملابس الأطفال على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تقول عن ذلك: “عمري ما جربت أشتري ملابس أونلاين، لازم أنزل واشتري بنفسي، بس الأزمة قعدتنا في البيت وخلتني اضطريت أجيب بيجامات وهدوم جديدة للولاد يلبسوها في البيت في العيد، والملابس ما كنتش بنفس جودتها زي ما في الصور، وكنت متوقعة دا، بس أهي حاجة تقضي الغرض لحد ما الأزمة تنتهي ونرجع لحياتنا الطبيعية”.

شركة سيلزفورس كشفت عن نتائج تقرير مؤشر التسوق للربع الأول من عام 2020، نشرتها مجلة الشرق الأوسط، والذي يتناول بيانات وأنشطة ما يزيد على مليار متسوق حول العالم، وأوضحت نتائج التقرير أن هناك تغيرات في سلوكيات الشراء حول العالم بسبب التأثر بجائحة فيروس كورونا، وإقدام العملاء على شراء المنتجات خلال التزامهم بالبقاء في منازلهم.

إقبال غير مسبوق على "جروبات" البيع الإلكتروني في ظل كورونا

مع انتشار وباء كورونا وفرض حظر التجوال، انتعشت “جروبات الأونلاين” التي تعرض منتجات عدة للبيع وتوفر خدمة التوصيل للمنازل، وفقًا لـ”سماح عبدالله”، صاحبة إحدى تلك المجموعات المتخصصة في أدوات المطبخ.

“سماح” تقول لـ”ذات مصر”: “مع بداية الحظر الشغل بدأ يزيد جدًّا، قبل كورونا كانت الدنيا مريحة وناس كتير بتكنسل أوردرات أو ترفض الاستلام، لكن حاليًّا زاد الطلب برغم إن الناس قاعدة في البيت وما بتنزلش”.

تستقبل “سماح” يوميًّا ما يقرب من 8 إلى 10 طلبات، وهو رقم لم تحققه قبل أزمة كورونا، تقول: “من وقت لآخر تخبرني العديد من السيدات أنهن يضعن مشتريات قادمة في قائمة المحفوظات لشرائها في الشهر المقبل”، وبالتالي تعدى الأمر شراء احتياجات بعينها إلى ممارسة الشراء الإلكتروني كهواية.

“سمر حسن”، واحدة من العاملين في مجال التجارة الإلكترونية، وصاحبة مجموعة متخصصة في بيع ملابس وإكسسوارات خاصة بالنساء، تقول لـ”ذات مصر”، إن عملية البيع أونلاين زادت مع فرض حظر التجوال بالذات.

وتُضيف “سمر”: “الناس حاليًّا خايفة تنزل، وبتفضل تطلب الحاجة من البيت، وتوصلهم وياخدوها من على الباب، خصوصًا بالنسبة للملابس لأنه في خوف إنهم ينزلوا المحلات ويلفوا ويمسكوا هدوم مسكها غيرهم، فطلب الأونلاين بقى أأمن لهم علشان كده الشغل زاد”.

الدكتور “أحمد سباق”، أخصائي الطب النفسي، يقول لـ”ذات مصر”، إن أولى خطوات العلاج لهوس الشراء اعتراف المريض بوجود أزمة تحتاج لعلاج، واللجوء للطبيب.

“سباق” أوضح أن علاج تلك الحالات يمكن أن يكون من خلال الجلسات السلوكية فقط، دون الحاجة لعقاقير طبية أو مضادات اكتئاب، مع الحصول على مجموعة من النصائح التي يقدمها الطبيب للمريض، وعليه اتباعها حتى التعافي تمامًا من هذا النوع من الإدمان.

ويؤكد “سباق” ضرورة التفرقة بين المرض الحقيقي وبين التأثر بأزمة كالتي نمر بها حاليًّا مع فيروس كورونا، والتي تدفع عددًا كبيرًا من المواطنين للتبضع وشراء احتياجاتهم بكثرة، سواء مأكولات أو أدوات تنظيف، أو حتى العقاقير الطبية، خوفًا من نفادها أو صعوبة الحصول عليها، وهنا الأمر لا يحتاج لعلاج لأنه ليس مرضًا بل حالة مؤقتة بسبب الظروف الحالية.

ويضيف أخصائي الطب النفسي أن علامات الإصابة بإدمان التسوق إصرار الشخص المصاب على إنفاق الأموال في أشياء لديه بالفعل مثلها، أو لا يحتاج لها من الأساس، كما أن هناك أشخاصًا يشترون الشيء نفسه لفترات طويلة، مؤكدًا ضرورة التفرقة بين المصابين بالهوس الحقيقي للشراء، وبين آخرين يسعون لكثرة الشراء لتقليد الآخرين أو الرغبة في التجربة، وهو الأمر الذي يحدده الطبيب بعد التحدث مع المريض.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هبة أنيس

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram