سياسةمختارات

وجع الحياة.. أطفال إيران يفضلون الانتحار: وداعًا للفقر

 

عادت والدة الطفل الإيراني محمد مصوي زاده من التسوق لتفاجأ بابنها ميتًا داخل مطبخ المنزل.. الطفل، صاحب الـ11 عامًا، لم يجد بُدًّا من اتخاذه قرار إنهاء حياته بعد أن عجز عن الحصول على هاتف ذكي لمشاركة دروسه مع زملائه عبر الإنترنت. ودون تردد، دبّر الطفل، المقيم في مدينة بوشهر الجنوبية الغربية، وسيلة ما لينتحر بها.

وعقب الحادثة، التي وقعت قبل شهر، قالت الأم المكلومة: “كانت لدينا مشكلة منذ 3 أشهر، إذ كنا نعيش في منزل مستأجر، مع مرض رب الأسرة.. لم يكن لدى ابني هاتف مناسب، لأن هاتفه ليس باستطاعته إرسال مقاطع صوتية إلى معلمه الذي سبق أن طلبها منه، وأمام ضغط المعلم اتخذ الطفل قراره بالانتحار، خصوصًا بعد أن طلب المعلم منه أن يشكو إلى والده”.

الطفل الإيراني محمد موسوي

زاده ليس الأول!

واقعة انتحار “زاده” واحدة ضمن وقائع عديدة لأطفال قرروا إنهاء حياتهم بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي يعيشها الإيرانيون، وفق ما ذكرته منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر مؤخرًا، والذي يوضح أن هذه ليست سوى أمثلة قليلة تدل على عمق الكارثة الإنسانية التي تشكلت في ظل حكم الملالي في إيران.

إلى جانب “زاده”، انتحرت الطفلة جليلي عازار، 13 عامًا، لنفس السبب، فضلًا عن الطفلة “روجان”، 14 عامًا، و”سنندج”، 17 عامًا، خلال شهر سبتمبر/أيلول الماضي، وفي أكتوبر/تشرين الأول الحالي انتحرت “عسل”، 16 عاما، و”زهرة” 16 عامًا، في كنجان بوشهر، و”مرتضى”، 10 أعوام، في إيلام، و”موبينا”، 11 عامًا، في طهران، وفق المرصد الحقوقي الإيراني.

صورة تعبيرية للانتحار

إعدام علني

خلال السنوات الماضية، نفذت إيران أحكام إعدام علنية وجماعية في الشوارع تقدر بالمئات، ووفق تقارير إعلامية فإن هذا السلوك أدى إلى انتشار ظاهرة الانتحار شنقًا، وهو أكثر أشكال الانتحار شيوعًا في إيران، وفي سبتمبر/أيلول 2019 قالت وزارة الصحة الإيرانية إن الفئة العمرية بين 15 و34 عامًا هي الأعلى ضمن محاولات الانتحار في البلاد بـ75%، مع تسجيل نحو 100 ألف محاولة انتحار على الأقل داخل البلاد، التي تضم 31 محافظة، خلال الفترة من مارس/آذار 2018 إلى مارس/آذار 2019.

الإعدام في إيران

 

تبلغ نسبة الأطفال المتسربين من التعليم نحو 36%.

أكثر من 240 ألف طالب في محافظة إيرانية واحدة ليست لديهم هواتف ذكية.

مسؤولون في الحكومة الإيرانية

 

الفئة العمرية بين 15 و34 عامًا هي الأعلى ضمن محاولات الانتحار في إيران.. 

سُجل ما يقرب من 100 ألف محاولة انتحار خلال عام.

وزارة الصحة الإيرانية


ظروف اقتصادية سيئة

وعلى وقع جائحة كورونا، أوضح تقرير لمركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والإستراتيجية مطلع أكتوبر/تشرين الأول الحالي، أن إيران شهدت خلال الأشهر الأخيرة انخفاضًا سريعًا ومستمرًّا في قيمة العملة الرسمية وارتفاعًا في التضخم أدى إلى ارتفاع الأسعار ودفع ملايين الإيرانيين إلى دائرة الفقر، بالإضافة إلى أن قيمة الصادرات النفطية الإيرانية تراجعت من 100 مليار دولار سنويًّا إلى 9 مليارات دولار هذا العام، بسبب انكماش الاقتصاد العالمي من جراء انتشار الفيروس، إلى جانب تأثير العقوبات الأمريكية التي فُرضت قبل عامين على إيران منذ أن انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018.

وأمام هذه التطورات، اضطر النظام إلى طبع مزيد من العملة، ما أدى إلى فائض سيولة هائل في الاقتصاد، وهو ما قد يؤدي إلى عودة التضخم إلى 40%، إن لم يكن أعلى.

ويشير التقرير أيضًا إلى احتمال نفاد العملة الأجنبية من احتياطات النظام، ومن المرجح أن تواجه الحكومة الإيرانية قريبًا أزمة في ميزان المدفوعات، ما قد يؤدي إلى إغلاق جزء من الاقتصاد.

تراجعت قيمة صادرات النفط الإيرانية من 100 مليار دولار سنويًّا إلى 9 مليارات دولار بسبب كورونا.

توقعات بعودة التضخم إلى نسبة 40%.

مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والإستراتيجية

 

مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والإستراتيجية

وعلى أثر هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، ارتفع خط الفقر للأسر التي تُقدر بنحو 60 مليون مواطن، ليصبح 50% من عدد السكان الإجمالي، البالغ 84 مليونًا، ليواجهوا الفقر المدقع، كما أن 16% منهم يعيشون تحت خط الفقر، ليصبح دخل الأسرة المكونة من 4 أفراد نحو 314 دولارًا شهريًّا، بحسب هيومن رايتس ووتش. في حين أوردت تقارير إعلامية أن إيران خسرت نصف إيراداتها من النفط والسياحة والتجارة والصناعات غير النفطية والخدمات، وتراجعت إيرادات صادراتها بسبب العقوبات وكورونا.

50% من عدد سكان إيران يواجهون الفقر المدقع.

16% منهم تحت خط الفقر.

314 دولارًا شهريًّا هو دخل أسرة مكونة من 4 أفراد.

هيومن رايتس ووتش


دوافع الانتحار

الظروف الاقتصادية الصعبة والعنف الأسري، سببان كافيان لتفاقم ظاهرة الانتحار بين الأطفال والشباب في رأي أستاذ الدراسات التركية والإيرانية في جامعة القاهرة، سامح الجارحي، خصوصًا في المناطق الواقعة على أطراف إيران، ويسكنها عدد كبير من الأقليات، التي لا يرغب فيها النظام الإيراني، لذا يتركها تعاني التهميش والإقصاء، بجانب أن العنف الأسري، الذي يمارَس ضد الطفل والمرأة، هو نتاج أيضًا للأحوال الاقتصادية المتردية، بحسب ما قال الجارحي لـ”ذات مصر”.

سامح الجارحي

أحد الأسباب الأخرى وراء تفاقم ظاهرة الانتحار، بحسب الجارحي، هو عمالة الأطفال؛ عدد كبير منهم يعمل في مهن خطيرة وصعبة أدت إلى تسربهم من التعليم، فضلاً عن أن الظروف الاقتصادية أثرت في النواحي الاجتماعية وخلّفت تفككًا أسريًّا عظّم المشكلات النفسية لدى الأطفال، ومن ثم ميلَهم إلى التخلص من حياتهم. ونسبة كبيرة من هؤلاء الأطفال تكون من أبناء اللاجئين الأفغان، لأن ذويهم يتعرضون للقمع والتعذيب، ما يجعلهم يفقدون العائل الأساسي لأسرهم. كل هذا لأن النظام الإيراني يمارس العنصرية تجاه اللاجئين.

في المقابل، لا يتخذ النظام الإيراني أي خطوات للقضاء على ظاهرة انتحار الأطفال، ويعبأ فقط بحفظ ماء وجهه في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، ولكن العمل على اختفاء الانتحار يتطلب مواجهة عمالة الأطفال في المهن الخطرة التي يكون معظمها ما بين الحدادة وحفر الآبار، وجمع القمامة التي تسبب أمراضا خطيرة، فضلاً عن ضمان حياة كريمة لذوي الأطفال اقتصاديًّا واجتماعيًّا لتخلصيهم من فكرة الانتحار، إلى جانب سن تشريعات قوية للحد من العنف الأسري تجاه الأطفال والنساء، والقضاء على إقصاء وتهميش الأقليات، وفق قول أستاذ الدراسات التركية والإيرانية.

 

هاجر حسني

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى