ثقافة وفن

وجيه غالي.. رحلة بحث عن وجوه يفضلها الضباب

في الرابع والعشرين من مايو 1964، كتب وجيه غالي في أول دفاتر يومياته في ألمانيا: “على طريق الجنون، بما أن هذا ما أبدو ماضيا فيه، لعله سيكون من الأفضل أن أدوّن يومياتي.. ولو كان ذلك فقط من أجل التشبث بمسحة من سلامة العقل”.. بعدها بنحو أربع سنوات، ينتحر وجيه في شقّة صديقته ديانا آتهيل في لندن، ليحقق نبوءة مصيره المستقبلي، ويغلق دفترا كبيرا مليئا بالتخبّط وبمحطات شخصية تدفعه نحو الهاوية.

وجيه غالي، بوجوهه المتعددة، يحفل تاريخه الشخصي بالوقوف الدائم في المنتصف بين الأبيض والأسود، شخص يفضّله الضباب ويسكنه اللون الرمادي، تكوّنت طفولته ومراهقته بين عائلة أرستقراطية، يتعلم في مدارس لغتها الرسمية الإنجليزية، يتحدث الفرنسية في البيت، ويعيش في مصر خلال صحوة التخلّص من الملكية وتأسيس جمهورية جديدة ودس القومية العربية في أجواف الشعب.

يقف “وجيه” بين الظرف السياسي وتطوراته الكبرى، وبين المساحة الآمنة لموقع عائلته في صدارة تراتبية طبقات المجتمع، لا ينتمي بصورة أو بأخرى لأي جانب، ليس مصريا من الطبقة المتوسطة، وليس غنيّا.. لديه حضور مركزي في مجتمعه، بل كان مُحتقَرا من بين أقاربه، يعيش هو وأمّه على مساعدات العائلة ووجاهة النسب والأقارب.. انتماؤه السياسي ونشاطه مع الحزب الشيوعي، وقتها، لم يكن انتماءً كاملاً، لم يكن بداخله أي شعور بالالتزام، لذلك لم يكن وجيه مصريّاً بالممارسة، ولا حتى بمعايير مجتمعه.

نشأة متخبّطة، سفر بوصاية من الأقارب إلى لندن لإنقاذ ابن العائلة الغنيّة من خطر الاعتقال، وهناك يعيش حياة جديدة، ينغمس في كل مفرداتها بسذاجة مفرطة، وانسلاخ يسير من هويته المُشوّهة، ثم انتقال إلى ألمانيا، كبديل إجباري عن العودة إلى مصر، وهناك ينطلق نحو ذروة قوس حياته الدرامي، كي ينهيها بعد ذلك بإتقان درامي، أتصور أنه لو فكّر في حياته بقدر ما فكّر في موته، ربما وقتها لتغيّرت أشياء كثيرة.

وجه أول.. وجيه في نادي البلياردو

رغم أن وجيه كتب قصصا متفرقة، رسائل ويوميات، فإن نصّه الإبداعي الوحيد المتكامل “بيرة في نادي البلياردو” يظل نقطة الانطلاق الأولى، التي يمكن من خلالها قراءة تاريخه الشخصي، وهو نص يزيح نفسه من التصنيفات نسبيا ويحاول استقطابها جميعا.. نُشرت الرواية في عام 1964، السياق الزمني لها يضعها ضمن إطار “أدب ما بعد الاستعمار” وباعتبارها تتناول أجزاء وملامح من حياته الخاصة على نحو تفصيلي، يمكن وضع الرواية في سياق روايات السيرة الذاتية.

رواية بيرة في نادي البلياردو
رواية بيرة في نادي البلياردو

ولأن وجيه مثقف عربيّ بالاسم فقط، ولأن ثقافته تكوّنت من علاقته باللغتين الإنجليزية والفرنسية أكثر من العربية، كتب صاحب “البيرة” روايته بالإنجليزية، وتم نشرها ضمن إصدارات دار “بينجوين” الإنجليزية، لتندرج الرواية ضمن “أدب الوجود” ذي المنحى الواقعي في الغرب.

تتجاوز أحداث الرواية التيمات التقليدية لتصاعد الحدث، تتجاهل طبيعة المكان وحيثياته ويعتمد وجيه خلال نصّه على خلق حالة حكائية تبتدئ من نفسه، يبدأ وجيه في الكشف عن نفسه بصور مستترة، وبصور تحاول تطويع الواقع من قبل الخيال كي تستمر الرواية في سياق الطموح الساذج، الذي يضع كل التغيرات المتوقعة على عاتق أحلام اليقظة، والأمل الذي لا يخلو من تفاهة، لكنه يسكن وجيه ويدفعه إلى انتظار تغيّر الظروف المحيطة.

لذلك يتنقل في الرواية بين التصالح مع العالم والحكي المتدفق والسلس، وبين احتقاره المطلق لنفسه ولكل من حوله وبين كتابة فقرات مطوّلة قائمة على اليأس والخيبة وفقدان الرغبة في الحياة.

عندما نقف على سياقات مستقطعة في الرواية لنضع الشخصية في أطر متعددة كي يظهر تاريخه الصغير أكثر، يتبين أن وجيه لم يكن شخصا صاحب هموم وجودية، أو التزامات أخلاقية وسياسية كبرى.

تبدأ الرواية بزيارة سريعة لرام “الصورة المستترة لوجيه” إلى خالته لاقتراض مبلغ من المال، يوضّح فيها وجيه بسخرية يائسة وحرفية إبداعية طبيعة الحياة متفحّشة الثراء لدى خالته، والتي تعكس طبيعة ثراء العائلة على مستوى عام، ثم ينتقل إلى خلق بورتريهات مشهدية متعددة لمجموعة من أصدقائه، حكي مُطعَّم بالخيبة، الرغبة الجامحة في الشرب والسُكر، ومحاولات توصيفية لشخص يتوسط عالم تربطه به حالة اغتراب يتسيد كل شيء.

الحضور المتعدد لشخصية “رام” في مختلف أحداث الرواية يمكن تقسيمه إلى عناصر عدة: أولها علاقة “رام” بعائلته، والتي يظهرها بصورة واضحة، عائلة شديدة الثراء، تنفصل عن سياقات الهموم المجتمعية انفصالاً كاملاً، وينفصل معها وجيه، لكنه ليس انفصالاً عن الجانب الآخر، والحقيقي، من المجتمع، بل انفصال مزدوج، لأنه يقف في المنتصف بين طبقته الاجتماعية، التي ينتمي إليها بالاسم فقط، وبين الطبقات الحقيقية للمجتمع المصريّ، التي لم يشتبك معها وجيه على أي مستوى.

العنصر الثاني والمركزي في حياة وجيه، هو علاقته بالمرأة، ذلك البعد الذي يتخذ جانباً مركزياً في حياته القصيرة بصورة عامّة، يوضّح واحداً من وجوهه المهمة، التي شكلّت مصيره بشكل أساسي.

الحكي عند وجيه في الرواية، طالما ليس هناك عنصر نسائي في المقابل، يصبح مونولوجات متكررة، خفيفة الظل، من طفح للغضب والانفعالات المتكررة، ثم انعكاس كل هذه الانفعالات على ذاته، لكن حينما تظهر في المشهد امرأة أخرى، يبدأ في إظهار فانتازيا ذكورية، إطلاق متتابع من الأحكام، تدفق سرديّ محفوف بالقدرة على جذب انتباه أي أنثى في محيطه.

في مثل هذه السياقات يحكي وجيه بلسان الخبرة والتجربة، رغم أنه في حياته الواقعية، لديه تجارب ذليلة وفاشلة، تضعه دائما في الجانب الأضعف، الأكثر تعرّضا للقهر والضعف.

واحدة من العلاقات القليلة، التي تعتبر علاقة نوعية في حياة وجيه، حتى إن كانت في إطار المتخيّل، هي علاقة “رام” في الرواية  بـ”إدنا”.. في النص الروائي، كلما وجدت “إدنا” في أفق الحدث، يندفع وجيه بفقرات متدفقة، أكثر حكمة وقدرة منطقية على التفاعل الإبداعي مع اللغة.

توظيف المفردات نفسها يتغير بصورة كبيرة عن سياقات أخرى لا توجد فيها حبيبة “رام”، رغم أن هذه العلاقة في الرواية تنتهي بالفشل، فإنّها كانت المنفذ الوحيد لوجيه، كي يحكي من خلال “رام” عن تكوّن ثقافته المعرفية والسياسية، وتوسّع أفق رؤيته للمجتمع المصريّ الحقيقي، الذي يقول عنه “رام” إن ذلك المجتمع ليس نوادي أصدقاء العائلة، وليس البارات وأصدقاء لعب البولينج والاسنوكر. المجتمع هو الطبقات المسحوقة في القاهرة، الجنود التي تقاوم العدوان الثلاثي في مدن القناة.. المجتمع المصري مثلما يعبّر “رام” في الرواية، هو أولئك المولودون في مدن مغتربين عن أراضيها.

غلاف الطبعة العربية من رواية بيرة في نادي البلياردو
غلاف الطبعة العربية من رواية بيرة في نادي البلياردو

لكن لأن الانفتاح على المشهد السياسي تم من خلال قراءة الكتب والانتباه لتفصيلات عيش المجتمع الحقيقي من خلال حبيبته “إدنا”، يتكوّن الالتزام السياسي عند “رام” من دفعات شعورية، عبر وساطة الحب لا خشونة التجريب والاشتباك المباشر، لذلك تظل التجربة السياسية عند وجيه تجربة ناقصة، قائمة على محاولة خلق حكاية ليس أكثر.

أو مثلما يعبّر “رام” في أحد اعترافاته المباشرة في الرواية، إن قراءة الكثير من الكتب في مرحلة محورية لمجتمع يبحث عن الخلاص والحرية، إما تدفعه إلى تبنّي أفكار شيوعية أو تدفعه إلى الجنون.

على كل حال، لم يثبت أن لوجيه غالي نشاطا هاما مع الحزب الشيوعي المصري وقتها، رغم أن عائلته سفّرته إلى لندن خوفا من اعتقاله بتهمة الانتماء للشيوعية، وفي آخر الرواية، أثناء حديث “رام” مع إحدى نسوة مجتمع الصفوة، ينفعل في وجه “ديدي” شديدة الثراء بأنها لا تعرف شيئا عن المعتقلين والفقراء والقمع الحاصل للكوادر السياسية، وتفّحش السلطات العسكرية التي أتت بالثورة ثم بدأت في ممارسات القمع المستتر، وحينما تسأله ديدي نخلة عن الغرض من معرفة كل هذا، يخبرها بأنه يهوى جمع الحكايات ليس أكثر من ذلك.. فجأة، في الصباح التالي، يتحوّل غضب “رام” تجاه سذاجة “ديدي” إلى شعور بالبهجة لوجود هذه الفتاة بجواره وتناولهما الفطار معا.

تشغل تجربة السفر إلى لندن جزءاً مهماً من الرواية، هناك يتنازل وجيه عن اختبائه الكامل وراء شخصية “رام”، يتحدث بصوت واضح: ولكن فيما يخصني فأنا منذ وضعت قدمي في لندن فشخصيتي قد تغيرت أو ربما شخصيتي الحقيقية قد ظهرت.

بدأ وجيه في كتابة روايته الوحيدة عقب الخروج من مصر، بدأ أحداثها بتجربته في مصر، ثم السفر إلى لندن، والعودة إلى مصر مرة أخرى، لتنتهي بانتصاره الساخر على عائلته، حينما وافقت “ديدي” على الزواج منه والإنفاق عليه وعلى والدته لأنها أكثر ثراءً منهم، بينما “منير” ابن خالة “رام”، شخص شديد الثراء، يتعرّض للرفض من “ديدي” ويجرّب شعور الرفض الذي طالما واجهه “رام” في علاقته مع العائلة.

لكن في الواقع، يغادر وجيه إلى لندن، وهناك، بعد إقامة متوسطة الوقت، يشتبك مع ظابط شرطة إنجليزي أثناء مظاهرات تناهض العدوان على مصر، يتجه إلى ألمانيا، لأنها البديل الوحيد الممكن الإقامة فيه والذي ينقذه من العودة إلى مصر.

بيرة في نادي البلياردو، في المجمل كانت تبشّر بوجيه غالي كروائي لديه قدرة خلاّقة على الحكي، والأهم، لديه الخفّة، رغم ثقل ظروف حياته، في الانتقال السريع بين الغضب والهدوء، بين السعادة والحزن، بين الشعور الجارف بالحب والتشبّع بالكره، كل هذه الثنائيات تتداخل في سياقات مركبّة، تحيط بمبدع تحكمه التجربة بالكتابة من مساحات رمادية.

يكتب وجيه كتابة تضعه في حالة شد وجذب مع نصّه، كتابة لا تقبل أن يتسيّد حيثياتها المبدع، يكتب دون أن يتخيل شكلاً كاملاً للنص، كتابة تهرب من الحرفية والتقنية المفرطة، تعتمد على استدعاء دفعات شعورية صادقة، تخرج عن إطار ثنائيات الصحيح والخطأ، الجيد والسيئ، الجميل والقبيح، وتحاول استقطاب الدواخل النفسية لخلق حكاية.

وجه ثان.. وجيه والمرأة، احتمالات دائمة للحب

أول شهر يونيو عام 1964 يكتب وجيه غالي في يومياته إنني أقع في الحب بسهولة شديدة. بغرابة شديدة. أي شخص مقبول جسديّاً بالنسبة إليّ مرشح لحبّي.

جملة جانبية في فقرة طويلة من يوميات وجيه، تبلور بشكل كبير، أثناء اعتراف واضح منه عن نفسه، طبيعة حضور العلاقات النسائية في حياته.. المرأة في حياة وجيه، منذ صغره، تمثل علاقة إشكالية، طالما دفعته بتتابع ثابت إلى هاوية الانتحار، بالشراكة مع وضوح التأثيرات المباشرة لمرضه النفسي بمرور الوقت وتداعي تجربته القلقة.

كتب وجيه اعترافه بسهولة وقوعه في الحب، يظهر ذلك خلال واحدة من علاقاته النسائية في ألمانيا، مع بنت اسمها “ليزلوت”، حضورها في يوميات وجيه يتجلى من جانب اهتمامه الجامح بها، يحكي عن تجاهلها له ومحاولاته المستمرة في استعادة القرب منها مرة أخرى.. يتبين من حديث وجيه في بيرة في نادي البلياردو، أنه يكتب عن “ليزلوت”، بعد تجربة عاطفية فاشلة بينهما.

الجانب شديد الثقة، مطلق التمكن والقدرة في التعاملات النسائية، بالنسبة لتصرفات “رام” في الرواية، يتنحى جانباً ليظهر آخر أكثر واقعية، جانب وجيه منعدم الثقة، شديد التأثّر بأقل التصرفات، الذي يندفع في كل شيء دائماً لينتهي به الأمر خاضعاً للبؤس المطبق على حياته، ووحدته التي تتفحّش عقب كل تجربة.

في سياق آخر، وخلال مرحلة زمنية قريبة من نفس التجربة العاطفية السابقة، يظهر وجيه في علاقة عاطفية مماثلة بصورة مختلفة تماماً عن حضوره القهريّ السابق، يحكي لصديقته “ديانا” في رسائلهما عن “إديث سيمان” التي تسكن في الطابق الأعلى منه. فلأن “إديث” وافقت على النوم مع وجيه دون عناء أصبحت في نظره “عاهرة”، افترى عليها وجيه في رسائله بأحكام ذكورية مطلقة التحيّز، لم تكن محاولته التعبيرية عنها تشير لاحتكاك رومانسي ذكوري، بل كانت بمفردات مباشرة، حادة ومنتقمة دون مبرر.

يحكي وجيه لـ”ديانا” أنه فقط يُقبّل “إديث” فقط كي تنام معه، لكن حينما تبدأ “إديث” في التودد لوجيه بتعبيرات تشير إلى شعور حميمي تجاهه، يدفعها بعيداً، ينفر منها ويصبح مجرد وجودها بجواره تهديد لشعوره بالهدوء والأمان.

يكمن الحدث المحوري لهذه العلاقة، في تعاملات وجيه غالي القائمة على الأنانية البحتة، وهي حيلة نفسية يستخدمها كغطاء ذاتي للبعد عن كراهية نفسه على كل حال، ففي هذه الفترة، سواء في اليوميات أو في الرسائل، كان وجيه يعبّر عن اندفاعه نحو التخبط النفسي بصورة مستمرة.

غلاف رسائل وجيه غالي إلى ديانا آتهيل
غلاف رسائل وجيه غالي إلى ديانا آتهيل

تحاول “إديث” أن تبحث عن علاقة سوية أكثر، تنطوي على تبادل عاطفي أكثر، لذلك تبدأ في التعرّف على أشخاص جدد وتعاشر آخرين غير وجيه، يكتب وجيه لـ”ديانا” عن تصرّفات إديث، أنها عاهرة تنام مع أي حد، مع اعتبار أن وجيه هو جزء من عمومية هؤلاء الناس.

في أكثر من مناسبة يصعد وجيه إليها، يعنّفها، ويضربها أحياناً، رغم  أنه لا يحبها، ولا يقبلها على أي مستوى عاطفي، لكنّه فقط، لا يريدها أن تعاشر رجال آخرين.

في آخر الرسائل المتعلقة بهذه العلاقة، يحكي وجيه لـ”ديانا” على سبيل الضحك عن ذروة غضبه من “إديث” حينما تجاهلته وخرجت مع رجال آخرين، فصعد في ليلةٍ ما إلى شقّتها وانهال عليها بالضرب. يختم وجيه رسالته: ماذا بوسعي أن أقول؟ ليس لديّ عذر، لا أحبها، أنا مجنون، أنا غير منصف، أناني، فظ، هتلر النساء، نفاية.

التباين الحاصل بين سياقات العلاقات النسائية عند “رام” في الرواية، حيث الثقة المطلقة والقدرة على التحكم في مجريات الأمور، وبين علاقات وجيه على أرض الواقع، على اختلاف هذه العلاقات أيضاً. كل ذلك التباين، الذي يتداعى مع ذكر تفصيلات أكثر، يتحول إلى تضاد واضح، يبيّن تفّحش المرض النفسي وتأثيراته على حياة وجيه.

كل ذلك يأتي خلال مرحلة مكوثه الأولى في ألمانيا، تنقّل بين وظيفة كتابية في الجيش الألماني، وبين أعمال شاقة يومية في أواخر شهور تواجده ألمانيا، طوال هذه الفترة كثرت عليه الديون ، وكان أيضا سكّير شره، ومقامر تأكله يده كلما حصل على مبلغ مالي. تقاطعات ما بين الخاص والعام، أشياء داخلة على حياة وجيه، متولّدة من حظه العثر، وأشياء أخرى من داخل وجيه نفسه، شكلّت وجها من وجوهه العديدة، وجه يعبّر عن إحدى الجوانب الأكثر أنانية وقبح عنده.

وجه ثالث.. وجيه وديانا، انتصار مركز القوى

وجيه غالي وديانا آتهيل
وجيه غالي وديانا آتهيل

خلال تواجد وجيه غالي في ألمانيا، أثناء محاولاته لتحرير بيرة في نادي البلياردو ومحاولة نشرها، تواصل مع المحررة الأدبية وكاتبة السير الذاتية الإنجليزي ديانا آتهيل، أصبح الاثنان صديقين سريعاً بعد تبادل عدّة رسائل.

أثناء زيارة سريعة من وجيه إلى لندن، تعرّف أكثر على ديانا كصديقة، يحكي في يومياته عن شعور الحب، الذي تولّد سريعاً، من قِبَل ديانا تجاهه، ومحاولاتها في هذه الزيارة أن تنام معه، إلا أنّه بأدب واضح، يختلف عن رفضه الفظّ وعنفه المفرط في صدّ محاولات نساء آخريات، رفض وجيه محاولات “ديانا”.

ولّد ذلك الرفض شعور بالذنب عنده، لكن الهدوء الواضح على “ديانا”، وقدرتها على التعامل بود بَيِّن عقب ذلك الرفض، أحال العلاقة بينهما إلى صداقة قريبة، ثم تحولت بفعل ارتكاز وجيه بكل احتياجاته على “ديانا”، إلى صداقة شديدة الخصوصية، تخللتها ممارسات خيرية بيّنة من قبل ديانا في قدرتها على التعامل مع شخص متناقض، مريض نفسيّ، دائم التخبط، مثل وجيه.

منذ عودة وجيه من لندن، ومكوثه في ألمانيا حوالي 5 سنوات حتى رجوعه إلى لندن مرة أخرى، بعد قبول ديانا لإقامته مؤقتاً في شقّتها، حتى يتخلص من شبح انتهاء حياته، وتصاعد أزمته النفسية، التي حدد أن سببها الأول هو حياته المتعثّرة في ألمانيا. كانت هذه السنوات مبّشرة بعلاقة آمنة، ربما لأنها تكوّنت كليّا من خلال تبادل الرسائل، تحولت “ديانا” من حبيبة محتملة عند وجيه، إلى صديقة ودودة، قارئة مخلصة لكل شكواه في الرسائل، صديقة تقدّم الخير والعون دائماً، التفهم والحب والقبول والدعم المادي الثابت وهدايا الكتب والثياب بمناسبة ودون مناسبة.

في يأسه، آمن غالي بأن آتهيل سترعاه جيداً. لقد كوَّن صورة غير واقعية عن الشخصية الأمومية التي تمنحه دعماً غير محدود، حباً غير مشروط، بدون أن تدعي لنفسها أي متطلبات تخصها هي. فانتازيا غالي الذكورية عن الحب الأمومي على هذا النحو قد يكون مردها إلى صدمة التعامل في أثناء الطفولة مع أم غير مكترثة.

مقدمة وائل عشري لرسائل وجيه غالي

تحوُّل مشاعر “ديانا” تجاه وجيه، من احتمالية الحب إلى علاقة شبه أمومية، أسس لمواقع أكثر اختلافاً من حيث مراكز القوى لدى الطرفين، علاقة تتسيّدها أم طيبة، وطرفها الآخر ولد مسكين، غبيّ وعنيف، متطرف وغير مسؤول، يحتاج إلى دعم مطلق، تقبُّل لا ينقطع، والأهم، حضور دائم يدفع غيمة الوحدة عن حياته.

كانت كل هذه التفصيلات حاضرة في الرسائل المتبادلة بين وجيه و”ديانا”، حتى اقترح وجيه عليها أن يستقيل من عمله غير المحتمل، يعود إلى شقّتها، خلاصه الوحيد والأخير في مثل هذه الظروف، يعيش معها مؤقتاً حتى يدبّر أموره. هناك، يستطيع وجيه مثلما يقول أن يتابع الكتابة، ينتج نصوصاً أكثر، ويصبح في مساحة آمنة.

كانت عودة وجيه إلى لندن والإقامة في شقّة “ديانا” هي الاختبار الأول، لحقيقة بواطن هذه العلاقة، خاصة بالنسبة لـ”ديانا” وليس لوجيه. بدت “ديانا” ممتعضة من طبيعة عيشه العشوائي، لأنه بالطبع، ولد غير مطيع، يشرب دون حذر ويقامر دون حذر، لا يحترم خصوصية المكان، ضيف دمّه ثقيل على كل حال.

وضحت ندّية العلاقة بين وجيه و”ديانا” حينما قرأت الأخيرة يومياته خلسة. بالنسبة لرواية “ديانا”، فإنها وجدت دفتر اليوميات موضوعاً على المكتب في غرفة وجيه أكثر من مرة، اعتبرت أن هذه ربما إشارة غير مباشرة منه لإمكانية أن يقرأ أحد غيره هذه اليوميات، لكن وجيه عبّر عن تخوفه من تتبّع “ديانا” ليومياته ورغبتها غير المباشرة في الإطلاع عليها.

يعود تخوّف وجيه من أن تقرأ صديقته المقربة هذه اليومات، أو أي أحد غيره عموماً، إلى أنّه اعتبر هذه الكتابة شبه اليومية، محاولة شديدة الخصوصية للتمسك بحياته لأطول فترة ممكنة، غير أن أحد وجوه غالي، التي لم يحب أن تراها “ديانا”، حتى لا يفقد وجودها بجواره، كانت موجودة في هذه اليوميات.

خلال سنوات تبادل الرسائل بين وجيه و”ديانا”، كانت الأخيرة ترسل له نصوصها الأدبية، لم يكن وجيه يحبّها على كل حال، ولأنه قارئ نهم، فإنه كان يتعامل أثناء إبداء رأيه بأحد وجوهه التي لا يصح أن تبدو أمام الأم الحنون: وجيه المتغطرس، المغرور، الذي يطلق أحكاماً قيمية وآراء حادة دون حذر.

عبّر وجيه أكثر من مرة لـ”ديانا” أنها كاتبة “حرفية”، أي تكتب بالشوكة والسكينة، غير أن وجيه، كان يوضح دائماً، أنّه لا يعتبر ذلك الشكل من الكتابة فنّاً، بل يعتبره مجرد عمل تقنيّ وتمكّن دينامي مُتْقن.

حينما قرأت “ديانا” رأي وجيه في أحد نصوصها بأنها “خراء”، وحينما اطلّعت على تفصيلات ذات خصوصية أكثر لم تعرفها من رسائله المرسلة إليها، ظهرت لغة الخطاب الاستعلائي عندها، أصبحت هي في مركز القوى، صاحبة السكن والنقود والإمدادات الدائمة، منقذته الوحيدة التي لديها كل الأوراق الرابحة.

احتدّت العلاقة بين الاثنين، ثم أخّذت أقرب أشكالها الحقيقية، حينما سافر وجيه بصحبة “ديانا” في إجازة إلى يوغوسلافيا، (على حساب ديانا طبعا) هناك، تداعت تدخلّات “ديانا” في خصوصيات وجيه، منعته من الخروج مع إحدى الفتيات للعشاء وطلبت هي منه الذهاب إلى نفس المكان، احتدّت لغة وجيه كرد فعل على تدخلاتها وطلب منها أن تتوقف عن التورط عاطفياً معه.

بسبب تصاعد الخلاف بين الطرفين، تطلب “ديانا” من وجيه أن يغادر، يتراجع وجيه، يكتب في يومياته عن خوفه الشديد، رعبه من شعوره بالذل أمامها، سلطتها، خوفه منها شخصياً، يظلّ بضعة أسابيع مقيماً في الشقة ويتحرك خلسةً أثناء الليل، وفي السادس والعشرين من ديسمبر عام 68، ينتحر ليلاً، في شقة ديانا، تاركاً يومياته مع اقتراح صغير: أترك لك يومياتي، ياحب- إن حُررِت جيداً ستكون عملاً جيداً.

النسخة المترجمة من كتاب بعد جنازة
النسخة المترجمة من كتاب بعد جنازة

الممارسات السلطوية المستترة التي مارستها “ديانا” تجاه وجيه، أخذت شكلها الواضح بعد وفاته، حينما قدّمت أحقيتها في الحكي بإصدارها كتاب “بعد جنازة” الذي يتناول علاقتها مع وجيه غالي.

هناك يصبح وجيه مجّرد “ديدي”، معدوم الأحقّية في أن يحكي روايته بنفسه، رغم أن يومياته متاحة وموجودة بين يديها، وبحكم عملها في مجال النشر الأدبي، تستطيع نشرها بسهولة، خاصة وأن رواية وجيه لاقت اهتماماً نقدياً جيداً ومبشّراً، إلا أن ديانا تمسكت بسيادتها وبكل الصلاحيات المتاحة للحفاظ على كونها في مركز القوى، أن تحوّل وجيه من شخص يحكي إلى مادة جانبية، يتم حكي تجربته بصورة مستقطعة، ومن خلال عين أكثر حكمة، واستقراراً، وثباتاً نفسيّاً.

خلال العمل على هذا المقال، كنت أتعرّض لوجيه بصورة شخصية على أنه تمثيل واقعي للمتخّيل في رؤوسنا، خاصة في أوقات الغضب، حينما تتملكنا فكرة انتقامية: عداء ورغبة في تفريغ كل ذلك الحنق، ثم نطرحها عن رؤوسنا بعيداً. كنت أرى وجيه هو النموذج الواقعي لكل ذلك المتخيّل، تجربة حياتية قاسية، يندفع صاحبها بفعل مشاكله النفسية وسوء سياقات حياته إلى الانتحار تدريجياً.

من ناحية أخرى، وعند كل موقف عدائي كنت أقرؤوه عن وجيه غالي، كنت أتصور، أن ذلك الغاضب دائماً، تكمن مشكلته المركزية، أنه ينتقل يوم بعد يوم، إلى مساحات أكثر تفّحش وقسوة من الوحدة.

أي نوع من الجنون هذا، لست أدري .الذهاب إلى طبيب نفسي لن يكون سوى مزحة، أعرف في أعماقي أنني منتحر محتمل، ومن الغريب بما فيه الكفاية، أنّ هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعلني أواصل حقيقة أو بالأحرى معرفة أنني أستطيع إنهاء الأمر برمّته في أي وقت.

اليوميات- 29 مايو 1964

إسلام العزازي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى