وجهات نظر

وحيد الدين خان.. “غاندي” المسلمين الذي فقدناه

هشام النجار

في أكتوبر من العام 1997م التقى المفكر الهندي وحيد الدين خان، والذي يُعرَف بغاندي المسلمين، برجل نيوزيلندي في السادسة والثلاثين من عمره اسمه ليون هايز، وصار اسمه خليل الرحمن بعد إشهاره الإسلام من منطلق دراسات مستفيضة ومتأنية.

لخص هايز لخان في ثنايا حوارهما مشكلة المسلمين في العصر الحديث بأنهم في حروب دائمة في كل بقاع الأرض، وهو ما يُوحي للآخرين بأن الإسلام دين عنف.

اشترط خليل الرحمن لتغيير نظر العالم للدين الإسلامي، ولإقلاع المسلمين صوب فضاء التقدم أن يتسقوا مع جوهر دينهم الذي يقول بأن قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعًا، وحينما يتوقفون في التورط في أنشطة عنفية ، مبنية على اجتهادات دينية مغلوطة، سيمنحون الناس الفرصة لتقدير الإسلام حق قدره وفق نسخته الأصلية السلمية، وسيتفرغون لتطوير واقعهم إلى الأفضل.

كان النيوزيلندي واقفًا حينئذ وهو يستمع لفكرة خان، والتي يعبر عنها بعبارات بسيطة تمثل خبرة رجل قضى عمره كله يؤصل لهذا التصور، ويناضل لنشره ويخوض المعارك الفكرية الكبرى لإثبات جدارته وتفوقه، ويواصل الليل بالنهار طوال عمره المديد الذي امتد لقرابة القرنK ليطبقه عمليًا من خلال نشاطه ومواقفه وعلاقاته ليصبح بالنسبة للمسلمين واقعًا معاشًا، وليس فحسب أطروحة نظرية لواحد من المفكرين.

محاور مشروع وحيد الدين خان

وحيد الدين خان صاحب النشاط الدعوي التصالحي الذي لم ينقطع إلا بإعلان وفاته كان قد أنهى عند بداية الألفية جزءًا كبيرًا من مشروعه التجديدي، القائم على جملة من المحاور؛ أهمها تثبيط العقلية القتالية التي استولت على الذهنية المسلمة، والتي جعلت غالبية المسلمين سائرين في مسالك الموت والهلاك والتيه، لا مسالك الحياة والتقدم والازدهار.

تميَّز منهج وحيد خان التغييري بأنَّه موجه للقلوب، محفز للعقول، داع للتسلح بالصبر لا بالرصاص، والبصيرة لا بالذخيرة، عبر خطوات هادئة تجعل القلوب تهوي للإسلام، ولا تنفر منه وتحول الأعداء إلى أصدقاء بدلًا من أن ينفض الجميع عن المسلمين ويتحالفوا معًا ضدهم.

قال وحيد الدين خان قبل أن يستمع لتصور النيوزيلندي الذي أسلم حديثًا للمسلمين قبل أكثر من نصف قرن من هذا اللقاء: لكي تحافظوا على قدسية دعوتكم، ونصاعة رسالتكم، ومكانة قرآنكم، وسمعة رسولكم ينبغي عليكم أن تكونوا فقط دعاة سلميِّين لا تنظيميين، ولا حَرَكيين، فضلًا عن أن تحملوا السلاح في صراعات ساخنة مع حكام وأنظمة، أو حتى ترفعونها في وجه غيركم من الأمم.

نزع مفهوم الحركية التنظيمية

وحتى ينزع مفعول تلك الحركية التنظيمية التي حوَّلت الدين بقدسيته وعلوه وروحانياته إلى ألعوبة في أوحال السياسة، انبرى وحيد الدين خان في وضع الردود العميقة على أطروحات أبو الأعلى المودودي، وهي الردود التي أثبتت فهم خان الأصيل لجوهر الإسلام ومقاصده، وأبانت اطلاعه الواسع على شؤون الحياة والسنن الاجتماعية، وامتلاكه مقدرة فائقة على فهم نصوص الوحي، وتنزيلها على الواقع المعاش، واستيعابه الذكي لتاريخ الإسلام والمسلمين.

بَدتْ معركته الفكرية مع المودودي مجرد أداة ومحطة في مشروعه التجديدي الكبير لذلك لم تستغرق الكثير من إنتاجه الفكري الذي يميزه العمق والبساطة وقوة الحجة الشرعية والعقلية، وعلى الرغم من ذلك حقق وحيد الدين خان انتصارًا مدهشًا على أفكار المودودي بشأن تسييس الدين وإقامة الحكومة الإلهية من خلال ردوده بالغة القوة والمتانة والتماسك، والتي لم يستطع المودودي حِيالها إلا الإنكار واتهام خان بقلة البضاعة العلمية وبأنه ليس في مستواه العلمي ليقبل أن يقف أمامه الند للند ويمنحه فرصة مناقشته في أفكاره وأطروحاته.

انتصار مبكر في ساحة المعارك الفكرية

هذا الانتصار المُدِوي والمبكر في ساحة المعركة الفكرية بالهند لم يحظ بمن يروج له ويحييه، ويصنع الدعاية التي تستحقه في الآفاق لصالح منهج وحيد الدين خان، بينما في المقابل للأسف -وهي النقيصة التي شابت المسألة برمتها- حظي منهج المودودي بمن تلقفه ويتبناه، لينصر به حالة لا تبغي التجديد، ونصرة الإسلام بقدر ما تبغي الثأر الشخصي والحركي في الشرق الأوسط، سواء لجماعات جهادية متشددة وضعت التراب على وجه الإسلامي الحقيقي، أو لأديب مكلوم في عاطفته، مأزوم في موهبته الأدبية مثل سيد قطب.

اقرأ أيضًا: “مائة ماعز”.. قصة غير رائجة لصعود وانهيار “القاعدة

لم تكن الردود على المودوي ونقض نسخة الإسلام الحركي التنظيمي وتسييس الدين هي فقط مشروع وحيد الدين خان بل هي إحدى ركائز مشروعه العام والأشمل المتمثل في مشروع الإسلام اللاعنفي، ولذا نجدها في مؤلف أو اثنين من مؤلفاته مثل “التفسير السياسي للدين” وتفسير خاطئ”، أما الإنتاج الأضخم فخصصه لمشروع اللاعنف وتأصيل سلمية الإسلام مثل “واقعنا ومستقبلنا في ضوء الإسلام” و”قضية البعث الإسلامي” و”حكمة الدين” و”الإنسان القرآني” و”من نحن” و”تاريخ الدعوة” و”إمكانات الدعوة” و”عليكم بسنتي” و”القضية الكبرى”، و”رسول السلام.. تعاليم النبي محمد” و”أيديولوجيا السلام”، علاوة على مختلف نشاطاته وما طبقه عمليًا طوال حياته منحازًا للصوفية السنية وللتربية الروحية والدعوة السلمية موطدًا علاقات التآخي والتصالح والتعايش بين مختلف الطوائف والأمم.

تأصيل منهج اللاعنف

لو كان الإسلام دين عنف لما كان دينًا أبديًا، هكذا يُجادل وحيد الدين خان الذي تمتاز أطروحاته بالمزج بين التحليل الفلسفي والمنطق العقلي والغوص في استنباط دلالات النصوص الحقيقية؛ فبموجب قانون الطبيعة الأبدي ذاته وسنن الخالق في الكون تقترن الأمور الصالحة من عمران وتقدم وخير ورفاهية باللاعنف بينما يرتبط نقيض ذلك بالعنف، ولأن العنف جرى نبذه من قبل الأمم المتحضرة في العصر الحديث وما يجري قبوله واحترامه ورعاية مصالحه هو فقط النظام القائم على السلام واللاعنف.
يلح وحيد الدين خان في محاضراته وكتبه على أن السلام واللاعنف هو ما يفضله الله الذي يمقت النشاط العنفي بما يتركه من آثار تخريب على حيوات الناس وممتلكاتهم؛ فالسلام هو اسم الله ومن ينشدون رضاه يهديهم سبل السلام ويُشار للفردوس في الجنة بأنه دار السلام.

ربط الإسلام بالمنهج الجديد

لم يترك وحيد الدين خان أي مصطلح أو مفهوم قرآني يمكنه توظيفه للتخديم على فكرته إلا واستغله عبر تقص لغوي ومفاهيمي معمق؛ ومن ذلك مفهوم الصبر الذي تكرر ذكره بإشادة لافتة باعتباره أعلى الفضائل الإسلامية في القرآن، وهو ما اعتبره خان دلالة أكيدة على تبني ردود الأفعال السلمية اللاعنفية؛ ذلك لأن نفاذ الصبر في المقابل هو استجابة عنفية.
في الوقت ذاته عَمَد خان لخلق اتساق بين مصطلحات القرآن في هذا السياق ومفاهيم الأزمنة الحديثة، لا بقصد إثبات سبق الإسلام في تلك الميادين إنما بقصد إزاحة الفجوة المُتَوهْمَة بينهما لدى غالبية المسلمين؛ فمصطلح الرفق بمعنى اللطف الذي يعطي الله عليه ما لا يعطي على ما سواه كما ورد بأحد الأحاديث النبوية هو نقيض العنف؛ أي أنه تعبير متقدم عن فكرة اللاعنف والسلمية المُتداوَلة في العصر الحديث.

لأجل ربط الدعوة الإسلامية بمنهج مقاومة العنف والتطرف جعل وحيد الدين خان الدعوة المجردة سِمَته الرئيسية التي تشغل المكانة الكبرى، ووضعها بمنزلة العامل الأساسي الذي إذا أتم المسلمون تنفيذه كما يجب لأُنجزت كل الأهداف الأخرى تلقائيًا؛ فمن يتأمل القرآن يجد أن المسلمين يتلقون من خلال أدائهم مهمة الدعوة دون التورط في عنف وخشونة حماية إلهية من أذى خصومهم.
ويتحول الأعداء القُسَاة من خلال الدعوة إلى أصدقاء حميمين، كما تغرس الدعوة عقلية إيجابية في ذهن الأمة فيما يتعلق بانفتاحها ونزاهتها مع أمم وشعوب الأرض، وبدلًا من تبديد الطاقات في أنشطة غير مجدية هناك الدعوة مضمونة النتائج لأنها عمل بشري يرشد عليه الخالق ويضمن نتائجه، كما يزرع الفلاح الأرض بينما يهطل المطر من السماء.

إعادة كتابة السيرة من منطلق سلمي

استهلال العمل الإسلامي تضمن أملًا في استمرارية الحركة على أسس سلمية بمعزل عن مسالك تشوبها احتمالات العنف حيث صدر الأمر “إقرأ” في ظل وجود ما يربو على ثلاثمائة صنم منصوب، ووجود برلمان منعقد وهو دار الندوة، فضلًا عن وقوع كل بلاد العرب تقريبًا تحت النفوذ المباشر وغير المباشر للإمبراطوريتين الرومانية والساسانية.
لم يأمر القرآن والحال كذلك بتكسير الأصنام المنصوبة وهو عمل عنفي، لكن الخيار الذي جرى تفضيله كان قراءة القرآن “إقرأ”، وهو نشاط يمكن استمراره على أسس سلمية بدون أن يترتب عليه رد فعل عنفي، وأيضًا خيار الهجرة كان سلميًا في مواجهة الاضطهاد والملاحقة وخطط الاغتيال وهو مبدأ اتبعه نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام طيلة حياته، وهي السياسة التي نوهت عليها زوجة الرسول السيدة عائشة فيما يتعلق بانحياز النبي للطريق الأيسر دائمًا كلما توجب عليه الاختيار بين طريقين، وهذا التنويه أفضل تعبير يُمكن أن يُقال عن تفضيل الطرق اللاعنفية على الطرق العنفية.

ولدى الوصول للمدينة أُعطيت الأولوية لإبرام مواثيق السلام مع القبائل العربية التي انضم معظمها إلى اتفاقيات الهدنة، لكن قريش لم تكف عن العدوان والغزو العسكري، وفي السنة السادسة للهجرة نجح النبي عليه السلام في عقد معاهدة سلام بموقع يُسمى الحديبية، رغم أن قريش هي التي أملت جميع شروطها.

اللجوء لاستراتيجية الردع

حاول خصوم النبي مرارًا توريطه في حرب، وفي كل المناسبات كان يتمكن من اللجوء إلى إستراتيجية الردع، أو إقامة حواجز وحفر خنادق تحول دون وقوع المواجهة العسكرية، أو عقد الهدن لتفادي الحرب، وبالتالي نزع فتيل وضع متفجر.
اضطر نبي الإسلام عليه السلام إلى مجابهة العدوان دفاعًا عن النفس في بدر وأحد وحنين، وخاض بما مجموعه ستة وثلاثين ساعة قتالًا فقط، ما يعني عدم اللجوء لخيار العنف طوال ثلاث وعشرين سنة باستثناء يوم ونصف.
هكذا أعاد وحيد الدين خان كتابة السيرة النبوية على أساس سلمي، وهو الإجراء الذي سبقه بشرح مفهوم الجهاد لتتسق المفاهيم مع مجريات الأحداث؛ حيث أوضح أن الجهاد يعني الكفاح وليس القتال بالسيف، والدليل الواضح على أن الكفاح اللاعنفي يختلف عن القتال العنفي، والأمر القرآني بالجهاد بالقرآن مضمون بالكلمات وبالحجج والبراهين، وهو كفاح ونضال فكري ودعوي من أجل غزو عقول وقلوب الناس لا من أجل غزو ديارهم وبلادهم، وإذا كان القتال نشاط عنيف فإن الجهاد نشاط لاعنفي.

خطط معاصرة على نهج الأسلاف

وضع وحيد الدين خان للمسلمين في العصر الحالي خططًا ناجعة للخروج من مآزقهم وأزماتهم مستوحاة من خيارات الرسول والمسلمين الأولى؛ فمسلمو اليوم تكبدوا أيضًا خسائر باهظة سياسيًا وماديًا على أيدي الأمم الأخرى، وأيضًا يبرز تحيز الحمية الجاهلية التي كانت سائدة ببلاد العرب لدى الطرف الآخر، والحل يكمن فيما اختاره السلف عبر تجنب إبراز إجحاف معادل بمثابرة والتشبث بكلمة التقوى لنيل النصر المبين، بمعنى المكوث في نطاق الهدنة مع العالم من أجل العمل للدعوة.
تتشابه أحوال المسلمين في الأزمنة الحديثة مع تلك التي سادت في زمن صلح الحديبية؛ فرغم إجحافهم كان الإصلاح الذاتي والتحلي بالصبر والحكمة بمواجهة الخسائر المباشرة والاستفادة من الفرص المتاحة ومباشرة الدعوة على نطاق واسع هو الخيار الأفضل، الذي لو تبناه المسلمون لأعادوا كتابة تاريخ الإسلام من جديد.يلفت وحيد الدين خان نظر المسلمين إلى أن العالم رفض أيديولوجيات العنف ونبذ الشيوعية والفاشية والنازية لأنه كان لزامًا عليها أن تدوم عن طريق العنف في حين لا يمكن أن يكون العنف مقبولًا للعقل الحديث، فضلًا عن أن دين المسلمين من الأساس هو دين الطبيعة وقد كبح العنف باعتباره غير مقبول منذ البداية، فالإسلام داعم للسلام وليس للعنف من يومه الأول.
ونبه وحيد الدين خان الذي عاش عمره كله الذي قارب المائة عام يناضل لأجل تكريس المنهج اللاعنفي في حياة الأمة المسلمة على أن السبب الأعظم للأزمات والكوارث التي يلاقيها المسلمون اليوم تعود للموقف العنفي للمسلمين ولأنهم يُستثارون للقتال والسلاح بسهولة، وهي العقلية التي تسببت في عزلهم والنظر إليهم بمقت وفزع، كاشفًا وشارحًا السبيل الوحيد للتخفيف من محنة المسلمين اليوم عبر إعادتهم إلى الإسلام اللاعنفي ومساعدتهم على فهم أن نسختهم العنفية للإسلام ليست بالنسخة الأصلية ولا الحقيقية.

الشراكة مع الأمم الأخرى

إذا سلك الدعاة والمصلحون المسلمون طريق الإسلام اللاعنفي، ووجهوا المسلمين لذلك سيصبح بمقدورهم أن يصبحوا شركاء على قدم المساواة مع الأمم الأخرى، وسينضمون إلى الاتجاه العالمي العام، وسيلقون ترحيبًا من الناس بدلًا من الخوف منهم، وسيصبحون جزءًا من الإخوة العالمية، وسيُنظر إلى قضاياهم بعدالة، وستكون شراكتهم متساوية في جميع المؤسسات الاجتماعية والتربوية.

سيمنح التفاعل السلمي المسلمين نوعًا من التحفيز الثقافي والعلمي والتنوع في الخبرات التي لابد من امتلاكها إن شاؤوا السير في طريق التقدم، كما سيسهل هذا التفاعل مهمة الدعوة على نطاق واسع، وسيتواصل ما انقطع من حوار بين الإسلام والرسالات الأخرى في أجواء طبيعية وهو بمثابة نجاح باهر من وجهة نظر الدعوة.

عبر هذا الطرح والتصور الذي قضى وحيد الدين خان حياته المديدة في سبيل بلورته وصياغته بعمق وبساطة وتفان في بلوغ المراد الإلهي الحقيقي، والصحيح وراء النصوص والأحداث، يضمن وحيد الدين خان للمسلمين إذا التزموا به أن يلعبوا دورا عظيمًا كالذي لعبه الإسلام في الماضي مُسهمًا في تطوير الإنسانية، ما أدخل التاريخ الإنساني عصرًا جديدًا من التطور والتقدم.
ولقد حان الأوان لكي يلعب الإسلام مجددًا دورًا بناءً عظيمًا، فيقود التاريخ الإنساني مرة أخرى إلى عصر جديد من التقدم.

هشام النجار

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى