ثقافة وفن

وداع رشيق.. “مُريد” يذهب إلى حياته الأكيدة بعد الموت

لا بأسَ أن نموت والمخدَّةُ البيضاءُ،

لا الرصيفُ، تحتَ خَدِّنا..

وكَفُّنا في كَفِّ مَن نُحِبّ،

يُحيطُنا يأسُ الطبيبِ والممرِّضات..

وما لنا سوى رَشاقَةِ الوداعِ

غَيرَ عابِئين بالأيامِ

تاركين هذا الكونَ في أَحوالِهِ

لعلَّ (غَيْرَنا)

يُغَيِّرونَها”..

بعد أن ملأ هواء العالم بكلماته النابضة بالحياة، ومنح جميع المخلوقات الحق في الكلمة، وترك بصمةً واضحة بشِعر ومواقف، ستُبقيه حيًا بيننا سنواتٍ، رحل أمس الأحد عن عالمنا الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي عن عمر 77 عامًا.

مريد ورضوى

بين المنافي والوطن

سافر الطالب الفلسطيني مريد البرغوثي، ابن قرية “دير غسانة” قرب “رام الله” في الضفة الغربية، إلى مصر عام 1963 ليلتحق بجامعة القاهرة ويدرس بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها، وفي عام تخرجه 1967، صُدم مع المصريين والعرب بأخبار العدوان الإسرائيلي، لكن زاد غمه عندما سمع من إذاعة صوت العرب أن “رام الله” لم تعد له، سقطت مدينته ومنع الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينيين الموجودين خارج البلاد من العودة إلى الضفة الغربية.

تزوج “مريد” من الروائية والأكاديمية المصرية رضوى عاشور عام 1970، بعد أن التقيا قبل عامين من هذا التاريخ في جامعة القاهرة.. أنجبا طفلهما الوحيد، وتقاسموا جميعًا تجربة الاغتراب والشتات، وحب الكتابة بألوانها.

وفي بحثه الطويل عن الهوية في أماكن غربته وسنوات شتاته، كان “مريد” يحكي لابنه “تميم” عن موطنه فيقول له: “وُلدت هناك”، وبعد مرور ثلاثين عامًا، استطاع أن يقول له: “وُلدت هُنا”، بعد أن منحت اتفاقية “أوسلو” الفلسطينيين حق العودة، واعترفت بالحكم الذاتي الفلسطيني.

وقف “مريد” في غرفة منزلٍ في قرية “دير غسانة”، محدثًا ابنه عن الوطن والهوية، ولكنه اكتشف فيما بعد أن هويته تحت جلده وفي قلبه وذكرياته، يقول عن سنوات منفاه: “كان المستحيل التشبث بمكان.. أنا لا أعيش في مكان، أنا أعيش في الوقت، في مكوناتي النفسية، أعيش في حساسيتي الخاصة بي”.

عاش المفكر والكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد تجربة مشابهة، حيث النفي والترحال، والعودة بعد 45 عامًا، لذلك كتب في مقدمة النسخة المترجمة إلى اللغة الإنجليزية للجزء الأول من سيرة “مريد” الذاتية “رأيت رام الله”، التي حققت لكاتبها شهرةً واسعة:

“إن عظمة وقوة وطزاجة كتاب البرغوثي تكمن في تسجيله بشكلٍ دقيقٍ مُوجع هذا المزيج من مشاعر السعادة، والأسف، والحزن، والدهشة، والسخط، والأحاسيس الأخرى التي تصاحب هذه العودة، وفي قدرته على أن يمنح وضوحًا وصفاءً لدوامة من الأحاسيس والأفكار التي تسيطر على المرء في مثل تلك الحالات.. إن التميز الأساسي لهذا الكتاب هو في كونه سجلًا للخسارة في ذروة العودة ولم الشمل”.

ويبدو أن العالم كان متآمرًا على استقرار البرغوثي ومنحه فرصة لالتقاط أنفاسه أو الالتحاف بدفء وطنٍ ما، نُفي من القاهرة في عام 1977 لمدة سبعة عشر عامًا، تخوفًا من رد فعلٍ مُعارض منه لزيارة السادات إلى إسرائيل، وأيضًا بسبب وشاية لزميل له في اتحاد الكتاب الفلسطينيين.

كان “البرغوثي” يرى أن “قصص الأوطان المجروحة كقصص المنافي الآمنة، لا شيء في الجهتين يتم على هوى الضحايا”.. فقد عاش رحّالًا خلال تلك الأعوام بين بغداد وبيروت وبودابست وعمان حتى تمكن من العودة إلى القاهرة واجتمع بأسرته الصغيرة.

يذكر في “رأيت رام الله”، أن للسادات دورا حاسما في تحديد حجمهم كأسرة، “فقراره بترحيلي من مصر، ترتب عليه أن أظل أبًا لولدٍ واحد لا ثاني له”.

كانت بلدان العالم بالنسبة لـ”مريد”، على الرغم من اتساعها وتنوعها واستيعابها له في بعض الأوقات، بمثابة سجن بلا قضبان، يقول في إحدى قصائده: “طوبى للطيور في أقفاصها لأنها تعرف حدود سجنها”.

ويؤكد أنه “مهما احتضنتك بلاد ليست لك، سيظل الناس ينظرون إليك كغريبٍ عنهم، فالغريب هو الذي عليه أن يقدم البراهين والإثباتات، هو الذي يسألونه دائما: من وين الأخ؟” أو يسألونه: وهل الصيف عندكم حار؟”.. الغريب هو الذي يقول له اللطفاء من القوم: أنت هنا في وطنك الثاني وبين أهلك، هو الذي يحتقرونه لأنه غريب، أو يتعاطفون معه لأنه غريب.. والثانية أقسى من الأولى”.

مريد يلقي قصائده

مُريد والشِعر

أَحَب “مريد” الكلمات وقدرة الشعر على بلورة المشاعر، فصادقه الشِعر وفتح له قلبه، وخرج معه انسيابيًا كأنه تداع حُر لكل ما تحمله روحه من تجارب وذكريات.. نشر ديوانه الأول “الطوفان وإعادة التكوين” عام 1972، وتوالت الدواوين، مثل (الأرض تنشر أسرارها، قصائد الرصيف، طال الشتات، رنة الإبرة، الناس في ليلهم، وآخر دواوينه استيقِظ كي تحلُم).

استطاع من خلال تلك الدواوين التسلل إلى قلوب كثيرٍ من القراء حول العالم، حيث رسم فيها بدِقةٍ جراحية صورًا شديدة الحساسية تعبر عن الهَم الإنساني، وتؤكد خطابه الذي حمله في قلبه طوال حياته المُوزّعة على مختلف البلدان، فحينما يُعبِّر عن ثورية الكتابة يستخدم لفظ “غُربة”، فيقول: “الكتابة غربة عن الصفقة الاجتماعية المعتادة، غربة عن المألوف والنمط والقالب الجاهز، غربة عن طرق الحب الشائع وعن طرق الخصومة الشائعة…”.

ابتعد “البرغوثي” عن النبرات الصارخة، واهتدى إلى ما يسميه بـ”تبريد اللغة وإبطاء المعنى”، فيقتصد في التعبير الشعري ليكون أشد وقعًا على المتلقي، وبالرغم من أنه يعتبر الشعر عملا وبناء لا بد من هندسته، فإنه كان مُجرّبًا وتاركًا نفسه للقصيدة ولا يعترف بوصفات جاهزة للشِعر.

يؤكد في أحد حواراته أنه يطيع بدايات قصيدته ومسودتها الأولى: “أذهب حيثما تقودني، لا أبالي إذا قادتني إلى البحور الخليلية أو إلى الاستغناء عن الموسيقى أو إلى النثر المحض، قد تقودني إلى قصيدة من سطرين فأتوقف، أو إلى كتاب كامل فلا أتوقف في منتصفه، كما أتحاشى المفردات المستعملة ذات المعاني الجاهزة.. القصائد التي تفعل ذلك تمارس بطالة شعرية، وترشو القارئ بلغة متوقعة وكسولة”.

استطاع “مريد” بلورة العديد من المعاني الإنسانية: الحب والموت والاغتراب والحنين.. إلخ، بطريقةٍ مغايرة وضعته في مكانة خاصة بين شعراء جيله، فهو يميل إلى طرح الأسئلة، ويمتلك عقلًا نقديًا للمجتمع، واللغة، والتعريفات، والعلاقات، والمفاهيم المجردة.

وقد يتخلى حتى عن منطقه ليتيح المجال لمنطق الكائنات الأخرى، فيستخدم التجسيد والتشخيص ليُلبس الجمادات الروح الإنسانية ويمنحها أصواتًا وحياة، في ديوانه “منطق الكائنات” 1996، يقول في قصيدة بعنوان “المرآة”:

قالت المرآة:
ما أشد تعاستي
لا أحد ممن ينظرون إليّ
يريد أن يراني..

يتكئ الشعر عنده على الحرية، حرية الشاعر والقارئ معًا، الشاعر يحاول الهروب من اللغة السائدة والمستخدمة إلى لغة مُبتكرة وخاصة: “إذا نجح في الهروب وأصبح حرًا، يصبح غريبًا في نفس الوقت.. الشاعر غريب، بنفس الدرجة التي يتمتع فيها بحريته”. والناس يحبون التخفي وراء الشعر في أوقات الظلم أو ما يسميه “أوقات الصمت الجماعي”، التي لا يقدرون فيها على إتيان فعلٍ مُعارِض حقيقي، ولكنه يرى أن “الشعر الذي يهمس ويوحي، لا يشعر به إلا الرجال الأحرار”.

القضية الفلسطينية

عُرف عن “مريد” مواقفه السياسية الحازمة ومهاجمته الاحتلال الإسرائيلي وفساد السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية الشمولية.

عبّر عن صوته الرافض في كتاباته الشعرية والنثرية بطريقةٍ غير صاخبة، يُعرِّف الأدب المقاوم بأنه هو “ليس الذي يهتف ضد العدو أو بسقوط الديكتاتور، بل الذي يصنع لغة مختلفة تهز الثابت وتبشر بالتغيير”.

ولا تخلو حواراته من الحديث عن السياسة أو الهَم العربي والإنساني، وكان يرى أن اتفاقيات السلام التي عقدتها الدول العربية مع إسرائيل “خسارة للمنطق التاريخي للعرب”.

لم يكن خطابه عن التحرر والقضية الفلسطينية مُستهلكًا وكليشيهيًا، ولكن من زاوية أن تذكُّر الماضي والتذكير المستمر به، لن يجعلك تَنسى ولا يَنسى الآخرون، وبهذه الطريقة، يمكن استعادة ما كان لهم.. فهو يرى أن الاحتلال يخلق “خلودًا مؤقتًا” تؤجل فيه الحياة الطبيعية، حيث “لا تعايش مع دبابة”.

يؤمن “البرغوثي” بالعروبة، وضرورة الكلمة الواحدة وتوحيد الصف العربي، ويرى أنه لا بديل لذلك، ويُحمِّل الحكومات العربية نتيجة ما وصل العرب إليه من انقسامات وتوغل إسرائيلي في أوطانهم بشكلٍ أو بآخر، يلومهم بكلماته: “كيف تنعس أمة بأكملها؟ كيف غفلنا إلى ذلك الحدّ.. إلى هذا الحدّ.. بحيث أصبح وطننا وطنهم؟”.

مع رضوى عاشور

خاتمة لذكرى رضوى

سبقته “رضوى” في الرحيل، ورثاها بكلماتٍ دافئة تنقل مشاعر الفقد بهدوءٍ أليم، يقول:

“افتحوا الأبواب لتدخل السيدة.. مَن ينشغل بحزنه على فقد المحبوب ينشغل عن المحبوب، الآن أطلب من حزني أن يتجه إلى أقرب بوابة ويغادر هادئًا كما أشاء أو هادرًا كما يشاء، لكن دون أن يلفت الأنظار”.

لا يخلو شعر “البرغوثي” من الموت برمزياته، ولكنه كان في بعض الأحيان معادلًا موضوعيًا للحياة، فلا ننتظر من المنفي إلا أن يرثي نفسه في حياته ويُمنّي نفسه بحياة أخرى بعد الموت، يقول:

“أتلمَّس أحوالي منذ وُلدتُ إلى اليوم
وفي يأسي أتذكر..
أن هناك حياةً بعد الموتِ
هناك حياة بعد الموت
ولا مشكلة لدي..
لكني أسأل: يا الله.. أهناك حياة قبل الموت؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى