زوايامختارات

وشاح التفاؤل سقط في “بوزنيقة”.. “المناطقية” تُطفئ مستقبل ليبيا!

 

أمل جديد بدأ يطرق باب الليبيين بعد سنوات من الاقتتال الداخلي، حيث ينتظر الجميع من المشاركين في ملتقى الحوار الليبي، المقرر عقده في تونس 9 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، أن يكملوا الحلقة في سلسلة المشاورات التي ستؤول في النهاية إلى اختيار سلطة جديدة مؤقتة للبلاد.

لكن وشاح التفاؤل لم يكف لتغطية الكثير من المخاوف حول المستقبل السياسي في ليبيا. فبينما تموج الساحة حاليّا بالانتقادات، غربًا وشرقًا، لمن اختارتهم بعثة الأمم المتحدة للدعم لدى ليبيا للمشاركة في الملتقى، يبدي محللون قلقهم مما سيتوافق عليه هؤلاء المجتمعون، وذلك على أساس حوار بوزنيقة.

بوزنيقة، المدينة المغربية المطلة على المحيط الأطلسي، شهدت اتفاق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، على تقاسم المناصب القيادية للوظائف السيادية الآتية: محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس ديوان المحاسبة، ورئيس جهاز الرقابة الإدارية، ورئيس جهاز مكافحة الفساد، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات وأعضاؤها، ورئيس المحكمة العليا، والنائب العام، أن منتقدي مخرجات بوزنيقة يؤكدون أن مضمون المادة المذكورة لم يشر بتاتًا إلى موضوع المحاصصة.

العملية السياسية في ليبيا تشهد تقدما

كما اتُّفقَ على اختيار بنغازي مقرًّا لهيئة الرقابة الإدارية ومقر ديوان المحاسبة في طرابلس، ومقر هيئة مكافحة الفساد في سبها، وقد انتقد المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا إقحام الجهاز القضائي في سياق المحاصصة، وأصدر بيانًا شديد اللهجة، اعتبر تفاهمات بوزنيقة في ما يتعلق بالسلطة القضائية “تدخلاً ومساسًا بسيادة واستقلال هذه السلطة”.

“لبننة” في ليبيا؟

ويرى المتابعون للشأن الليبي أن تفاهمات بوزنيقة لا تُبعد شبح الحل الطائفي المتبع في لبنان منذ عقود -مع الفارق في الشكل والتكوين-  حيث يجري تقاسم المناصب السيادية طبقًا للطائفة، فالرئيس مسيحي ماروني ورئيس الوزراء مسلم سني ورئيس مجلس النواب شيعي، أما الوضع في ليبيا فسيكون “مناطقيًّا” أو “جهويًّا” بين أقاليمها الثلاثة.

هذا عين ما يذهب إليه الكاتب الصحفي الليبي الحسين المسوري، الذي انتقد بشدة ما أنتجته مائدة الحوار في بوزنيقة، قائلاً إن المجتمعين “تفاوضوا على تقاسم ثروات ليبيا”، كأن المسألة “تصارع على السلطة”.

وأضاف، في حديثه إلى “ذات مصر”، أن من يريد حل الأزمة الليبية وإنهاء الانقسام والذهاب إلى دولة المؤسسات والقانون، عليه طرح قضية “الحكم المحلي” بوضوح ومناقشة النظام الذي يضمن ذلك، تحقيقًا للعدالة في توزيع الثروة بين الأقاليم، وليس تسييس المناصب الرقابية والسيادية.

الحرب في ليبيا

وحذر الحسين من أن تسييس  المناصب الرقابية واقتسامها بين طرفين قد يخفي من ورائه أزمة حقيقية، من أجل استخدام هذه المناصب لحماية قادة طرفي هذا الاتفاق، فستكون لكل طرف جهة رقابية من نصيبه يهدد بها منافسه إذا ما حاول خصمه محاسبة أحد المسؤولين التابعين له، مشيرًا إلى أن هذه المناصب يجب أن تكون بعيدة عن الاصطفاف والصراعات السياسية.

وأكمل: “العدالة في توزيع الثروة والتنمية بين سكان الأقاليم الثلاثة في برقة وطرابلس وفزان تكون بدسترة نظام حكم محلي، يضمن ذلك من خلال تبني النظام الفدرالي مثلاً وكيفية تطبيقه، وليس بتسييس المناصب الرقابية والسيادية من أجل حماية الفاسدين لدى كل طرف”.

جانب من محادثات جنيف

المحاصصة الطائفية؟

ويتوافق أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي محمد زاهي المغيربي مع هذه الرؤية، قائلاً إن “الحوار القائم على توزيع المناصب وتقاسم الغنائم لا يبني دولة ولا يحقق تنمية”.

وأوضح أن “التوصل لرؤية وطنية مشتركة ومشروع تنموي متوازن هو المحك الحقيقي لكل حوار وليس تقاسم المناصب”.

ولفت المغيربي إلى أن ما أنتجته المرحلة الحالية في ليبيا من تعاظم أدوار القبيلة، والتي تصحبها تنامي لمسألة المحاصصة وفقا للانتماءات القبلية، مضيفًا أن “الدولة فشلت في بناء المؤسسات القادرة على استيعاب هموم الوطن والمواطن”.

ولا يختلف أستاذ العلوم السياسية في جامعة طرابلس مالك أبو شهيوة مع رؤية سابقيه، فيؤكد على أن المحاصصة ليست هي الطريق للحل في ليبيا وإعادة بناء الدولة المنشودة، بل هي الطريق لتفتيت الكيان الليبي، مذكرًا بالعراق كنموذج.

الفرقاء الليبيون في القاهرة – أرشيفية

“المحاصصة الطائفية” كانت أيضًا عنوانا للبناء السياسي في العراق منذ العام 2003، بحيث تتوزع المناصب الرئاسية في حكومة البلاد بين المكونات والأطياف على أسس طائفية، ولا يزال الحكم السياسي في هذا البلد مبنيًّا وفق هذا النظام الذي يرى فيه كثيرون مشكلة وليس حلّاً لأزمات العراق، خصوصًا وأنه “صناعة أجنبية”، وليس من نتاج العراقيين الذين كانوا لزمن طويل بعيدين عن الطائفية السياسية.

أما في ليبيا، فقد ابتعد الوطنيون عن الساحة، بحسب أبو شهيوة، مقابل “الإقليميين والجهويين والقبائليين وإلاسلامويين ووكلاء الدول الطامعة في الثروات الليبية، والدول التي تدعي أنها مع العملية السياسية وتحقيق السلام، وهي تستجلب السلاح والمرتزقه على مسمع ومرأى من العالم”.

وتابع: “كل هؤلاء اجتمعوا ويجتمعون معًا، لكن ليس من أجل إعادة بناء الدولة العصرية الحديثة ومؤسساتها المعروفة وتحقيق الاستقرار، وإنما من أجل ما يحقق مصالحهم، فتقسيم المصالح والنفوذ وتوزيع المناصب السيادية لن يبني الدولة ويحقق الاستقرار، فالوطنييون هم من يبنوا  الدولة المنشودة ويحققون الاستقرار وينهضون بالمجتمع”.

وشدد على أن كل القضايا قابلة للنقاش والاختلاف حول تفاصيلها، إلا وحدة الكيان الليبي، معقبًا: “من حقنا رفض سياسات تفتيت الوطن ونهب مواردنا وأموالنا، والسكوت عن هذه السياسات جريمة في حق الوطن”.

“جهوية” الإخوان

ويذهب الكاتب الصحفي الليبي عبد الباسط بن هامل إلى أن حل المحاصصة المطروح يصور أن الصراع في ليبيا بين الشرق والغرب والجنوب، ولكن الأمر ليس كذلك، مضيفًا أن الأزمة تتمثل في أن جماعة الإخوان “المتطرفة استأثرت بالحكم بقوة السلاح منذ العام 2014، وكثير من الدول تريد أن يستمر الأمر على هذا المناول وأن تتمزق ليبيا إلى عدة دول، كي يمكن السيطرة على ثرواتها من النفط والغاز”.

الحوار الليبي في بوزنيقة

وأضاف أن تلك التفاهمات ستؤدي في النهاية إلى تدمير ما تبقى في ليبيا، مشددًا على أن “ما يحدث هو صراع نفوذ وبقاء لإعادة تدوير الأسماء وفق توزيع جديد نتيجة لضغط دولي كبير على الأطراف المتنازعة ورأيي أن الأمر أعقد من ذلك لأن المشكلة سياسية وأمنية”.

وأوضح بن هامل أن جماعة الإخوان استأثرت بالمناصب القيادية في المؤسسات السيادية منذ العام 2011، معقبًا: “نرى الحديث عن مصرف ليبيا المركزي، ولن تفرط الجماعة في منصب المحافظ به، بل نسمع حاليًّا طرح أسماء مقربة إلى قطر ستُصعَّد إلى هذا المنصب”، ولفت إلى أن المناصب المهمة جميعها تحت سيطرة الجماعة، ولن تفرط فيها بسهولة.

وأكمل: “معركة تحرير طرابلس كانت تهدف إلى إزاحة كل الجماعات الإرهابية المؤدلجة، التي تريد حاليًّا أن توظف عامل الوقت لإعادة تسويق أن المشكلة في ليبيا جهوية، وأن الصراع بين الغرب والشرق والجنوب، فلا مشكلة أين ستكون مقرات المؤسسات التي يتفق عليها، سواء في بنغازي وسبها وطرابلس وأي مدينة ليبية، لكن معيار الاختيار المفروض هو الكفاءة والوطنية، لكن ما يسعى له أنصار جماعة الإخوان هو أن يكون الاختيار جهويًّا ومؤدلجًا. هذه الجماعة لا تسعى لترسيخ أي استقرار في ليبيا. يريدون السيطرة على مقاليد السلطة. تركيا خلف المشهد لو تعلمون!”

 

السيد نجم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى